اخر الاخبار

تعود الاتفاقية الإطارية للمياه بين العراق وتركيا إلى واجهة الجدل مجدداً، بالتزامن مع الزيارة التي يجريها رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي اليوم إلى أنقرة، وسط تصاعد التحذيرات من المضي في تفعيلها بصيغتها الحالية، التي يرى مختصون وسياسيون أنها تخلو من أي التزام قانوني يضمن حصة العراق المائية، مقابل منح الشركات التركية دوراً واسعاً في تنفيذ مشاريع البنى التحتية والري بآلية تمويل ترتبط بالنفط العراقي. ويؤكد خبراء في الموارد المائية ومسؤولون سابقون أن الاتفاق لا يتضمن نسباً أو كميات محددة للإطلاقات المائية، ولا آليات رقابة أو جزاءات في حال الإخلال بالتعهدات، الأمر الذي قد يضعف الموقف التفاوضي للعراق في واحد من أخطر ملفات الأمن الوطني، في وقت تتفاقم فيه آثار الجفاف والتغير المناخي وانخفاض واردات نهري دجلة والفرات، وتتزايد الدعوات إلى استثمار الزيارة المرتقبة لإعادة التفاوض على بنود الاتفاق وإلحاقه بملحق قانوني يثبت حقوق العراق المائية بشكل واضح وملزم.

ويعتزم رئيس الحكومة، زيارة أنقرة، اليوم الثلاثاء، على رأس وفد وزاري بهدف التوقيع على سلسلة اتفاقيات لتنظيم مشاريع الطاقة الكهربائية، وتصدير النفط والمياه والمبادلات التجارية.

 وكانت الحكومة السابقة التي وقعت الاتفاقية، قد وصفتها بأنها "تمثل إطاراً للتعاون في إدارة الموارد المائية"، لكن مسؤولين سابقين وخبراء في السياسات المائية، قالوا أنها تخلو من "ضمانات قانونية ملزمة تكفل حصة العراق المائية"، كما أنها تفتقر إلى تحديد نسب أو كميات واضحة للإطلاقات، فضلاً عن عدم تضمينها آليات رقابة أو إجراءات قانونية تكفل حماية الحقوق المائية العراقية.

وبرغم ذلك، قررت الحكومة الحالية تفعيلها، وادخال آلية تمويل المشاريع الخاصة بهذه الاتفاقية، حيز التنفيذ، اعتباراً من الأول من شهر أيلول المقبل.

نصوص عائمة

وفي هذا الصدد، قلل وزير الموارد المائية السابق عون ذياب، من قيمة الاتفاق المبرم بين العراق وتركيا بشأن المياه، قائلا إنه "لا يرقى حتى إلى مستوى مذكرة تفاهم"، لافتاً إلى أنه يخلو من أي نصوص واضحة تُلزم الجانب التركي بتجهيز العراق بحصص مائية محددة.

وكان وزير الموارد المائية في حكومة السوداني عون ذياب قال في وقت سابق امام البرلمان: "لا علم لي بالاتفاقية المائية التي وقعتها الحكومة مع تركيا، وهي مبهمة ولست مقتنعًا بها".

وفي تصريح خص به "طريق الشعب"، أمس، كرر القول بأن ما جرى توقيعه "لا يرتقي حتى إلى مذكرة تفاهم، بل هو أقل من ذلك"، مبيناً أن الوثيقة "تضمنت نصوصاً عامة من دون تحديد كميات أو نسب أو التزامات واضحة بشأن الإطلاقات المائية، وهو ما يجعلها غير كافية لمعالجة الأزمة المائية بين البلدين".

واضاف أنه كان ينبغي التوصل لصيغة واضحة تحدد حصة العراق، سواء من خلال تثبيت نسب من إيرادات نهر دجلة عند فيشخابور أو تحديد نسب تدفقات نهر الفرات عند جرابلس على الحدود السورية – التركية، بما يضمن وصول حصص معلومة إلى العراق وليس وعود تركية غير ملزمة.

أنقرة ترفض تثبيت حصص ملزمة للعراق

وأشار إلى أن اتفاق الـ 500 متر مكعب بالثانية الذي وقع في عقود سابقة، هو الانفاقية الوحيدة التي تضمنت أرقاماً واضحة، وهو الاتفاق المبرم عند بدء ملء سد أتاتورك في العام 1989، والذي ألزم تركيا بإطلاق 500 متر مكعب في الثانية عند الحدود مع سوريا، توزع منها 58 في المائة للعراق و42 في المائة لسوريا، مبيناً أن الاتفاق نص على إمكانية مراجعته عند التوصل إلى اتفاق دائم، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن.

وخلال السنوات الماضية لم تفرز المفاوضات مع الجانب التركي أي تقدم جوهري، إذ تواصل أنقرة – بحسب قول ذياب – رفض تثبيت حصص مائية ملزمة، مكتفية بتقديم وعود بأنها ستأخذ احتياجات العراق بنظر الاعتبار ولن تؤثر على "الأشقاء"، إلا أن الواقع العملي لا يعكس تلك الوعود.

ذياب ينصح الزيدي بمبدأ "تقاسم الضرر"

وفيما يتعلق بزيارة رئيس الوزراء علي الزيدي المرتقبة إلى أنقرة، يجد ذياب انه من الجيد استثمارها للتوصل إلى اتفاق يتضمن أرقاماً أو نسباً واضحة تضمن حصة العراق المائية بشكل دائم، لا ان يقتصر على تحديد الكميات، بل ان يشمل أيضاً ضمان نوعية المياه وحماية نهري دجلة والفرات من التلوث، باعتبار أن مسؤولية الحفاظ عليهما تقع على الدول المتشاركة في الحوض، وهي تركيا وسوريا والعراق.

وأكد أن مبدأ تقاسم الضرر يجب أن يكون أساس إدارة الموارد المائية المشتركة، موضحاً أن واردات دجلة والفرات لم تعد تكفي لتلبية احتياجات جميع الدول، ما يستوجب توزيع النقص بصورة عادلة، بدلاً من تحميل العراق وحده تبعات انخفاض الإطلاقات المائية.

وحول الدعوات للجوء إلى محكمة العدل الدولية، رأى ذياب أن هذا الخيار ليس عملياً، موضحاً أن قرارات المحكمة ليست ملزمة في مثل هذه القضايا، فضلاً عن أن إحالة النزاع إليها تتطلب موافقة جميع أطراف النزاع، وهو ما يجعل التعويل عليها لحل الأزمة أمراً غير مجدٍ في الوقت الحالي.

وأشار وزير الموارد المائية السابق إلى أن العراق، ومنذ أولى جولات التفاوض مع تركيا بعد عام 2003، لم يتمكن من إبرام اتفاقية تتضمن نصوصاً دقيقة وملزمة بشأن الحصص المائية، بما في ذلك الاتفاق الذي وُقع في عهد السوداني، والذي اقتصر – بحسب وصفه – على تعهدات عامة بأن تراعي تركيا احتياجات العراق المائية بدون نسب محددة، مقابل مساهمة الشركات التركية في تطوير منظومات الري والموارد المائية داخل العراق.

وختم ذياب بالقول إنه حتى الوعود المتعلقة بإصلاح منظومات الري وإدخال تقنيات حديثة لترشيد استخدام المياه لم تشهد خطوات عملية على أرض الواقع، مؤكداً أن المقترحات بقيت "عائمة" ولم تتحول إلى مشاريع تنفيذية أو التزامات واضحة بين الجانبين.

لا ولاية ثانية ولا مياه!

من جهته، اتهم رئيس لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية في الدورة الخامسة، ثائر مخيف، السوداني بتقديم تنازلات في الملف المائي لتركيا بدافع السعي للحصول على ولاية حكومية ثانية، فيما دعا رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي إلى عدم تفعيل الاتفاقية المائية مع أنقرة، محذراً من أنها تمثل "بيعاً لنهري دجلة والفرات من دون أي مقابل".

وانتقد مخيف الآلية التي أُبرمت بها الاتفاقية مع تركيا، مؤكداً أن الجهات العراقية المختصة، وفي مقدمتها وزارة الموارد المائية، لم تشارك بصورة حقيقية في صياغة بنودها، وأن الجانب العراقي لم يكن أمامه سوى التوقيع. على حد وصفه.

وقال مخيف لـ"طريق الشعب"، إن المسؤولين في العراق “لا يهمهم سوى البقاء في السلطة بأي ثمن”، مشيراً الى أن السوداني، قبيل حسم رئاسة الحكومة الحالية، كان يطمح إلى تجديد ولايته، الأمر الذي دفعه إلى مجاملة الدول التي يعتقد أن لها تأثيراً في ملف اختيار رئيس الوزراء، ومن بينها تركيا، فضلاً عن الدول الكبرى التي تمتلك تأثيراً في المشهد السياسي العراقي.

وأضاف أن إيران انتهجت السياسة نفسها تجاه العراق، إلا أن تأثيرها يبقى أقل مقارنة بتركيا، لأن ما يصل العراق من الجانب الإيراني لا يتجاوز نحو 25% من إجمالي الموارد المائية الوافدة، بحسب تقديره.

10 ثغرات

ووجه مخيف رسالة إلى رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، مؤشرا فيها أن الاتفاقية الإطارية للتعاون في مجال المياه بين العراق وتركيا لعام 2024 تتضمن عشر ثغرات رئيسة، أبرزها عدم تحديد حصة مائية ملزمة للعراق، وخلوها من أي نص يحدد كميات أو نسب ثابتة للإطلاقات المائية، فضلاً عن تركيزها على المشاريع الاستثمارية والبنى التحتية بدلاً من ضمان تدفق المياه إلى العراق.

وأضاف أن الاتفاقية منحت أفضلية للشركات التركية في تنفيذ مشاريع المياه، وربطت تمويل تلك المشاريع بالنفط العراقي، من دون أن يقابل ذلك التزام تركي واضح بإطلاق كميات محددة من المياه. كما أغفلت النص على الحقوق التاريخية للعراق أو التأكيد على مبادئ القانون الدولي الخاصة بالاستخدام المنصف والمعقول للأنهار المشتركة.

وأشار مخيف في رسالته إلى أن الاتفاقية تفتقر إلى آلية واضحة لقياس ومراقبة الإطلاقات المائية والتحقق من الالتزام بها، ولا تتضمن أي جزاءات قانونية في حال إخلال الجانب التركي بتعهداته، كما حصرت تسوية النزاعات بالمفاوضات الودية من دون النص على التحكيم الدولي أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

وختم رسالته بالاشارة الى محدودية صلاحيات اللجنة المشتركة لعدم امتلاكها سلطة إصدار قرارات ملزمة بشأن الحصص المائية، فضلاً عن استمرار المشاريع الاقتصادية حتى بعد إنهاء الاتفاقية، بما قد يبقي الالتزامات المالية على العراق قائمة من دون ضمانات مائية مقابلة، داعياً إلى أخذ هذه الملاحظات بنظر الاعتبار، حفاظاً على الحقوق المائية للعراق.

اتفاق مثير للجدل

من جهته، انتقد الخبير في شؤون المياه تحسين الموسوي، الاتفاقية المبرمة بين العراق وتركيا في مجال المياه، معتبراً أنها لا ترقى إلى مستوى اتفاقية دولية ملزمة، لافتاً إلى أنها خلت من تحديد الحصص المائية للعراق، الأمر الذي يهدد حقوقه التاريخية ويفتح الباب أمام نزاعات قانونية مستقبلاً.

وقال الموسوي لـ"طريق الشعب"، إن الاتفاقية أُبرمت في الأيام الأخيرة من حكومة رئيس الوزراء السابق محمد السوداني، وكانت محل اعتراضات واسعة، مشيراً إلى أن وزير الموارد المائية أبلغ مجلس النواب عند استضافته أن لديه اعتراضات على الاتفاقية، مؤكداً أن الملف لم يُعالج بالشكل الفني المطلوب حتى الان.

وأوضح أن أي اتفاق يتعلق بالمياه يجب أن يُعد من ملفات الأمن الوطني، وأن يمر عبر الجهات المختصة ثم يُعرض على مجلس النواب للتصويت عليه بأغلبية الثلثين حتى يكتسب الشرعية، أما إذا كان مجرد مذكرة تفاهم أو بروتوكول فإن لمجلس الوزراء صلاحية إبرامه.

وأضاف أن الاتفاقية ركزت على منح الشركات التركية دوراً واسعاً في تنفيذ مشاريع الاستصلاح ومنظومات الري ومعالجة التلوث واستصلاح الأراضي، وربطت تنفيذ تلك المشاريع بآلية تعتمد على تصدير النفط، لكنها لم تتضمن أي نص يحدد حصة العراق المائية في نهري دجلة والفرات.

وأكد الموسوي أنه كان من الممكن تضمين ملحق ينص صراحة على حصة العراق المائية، مقترحاً أن لا تقل الإطلاقات عن 500 متر مكعب في الثانية في نهر دجلة، و400 متر مكعب في الثانية في نهر الفرات، مشيرا إلى أن الجانب التركي "متمسك بسياسات تعسفية، رافضاً إدراج أرقام ملزمة ضمن الاتفاق".

وحذر من أن المضي بتطبيق البروتوكول بصيغته الحالية سيقوض الحقوق الدولية للعراق ولن يحل المشكلة، مرجحاً أن ينتهي الملف مستقبلاً أمام محكمة العدل الدولية بسبب استمرار الخلافات بشأن الحصص المائية، مشيراً إلى أن تركيا سبق أن بررت انخفاض الإطلاقات خلال عام 2025 بالتغير المناخي، قبل أن توافق على زيادة بسيطة في الإطلاقات لاحقاً.

مشروع سد الجزرة التركي

وأشار إلى أن الاتفاقية لم تتطرق أيضاً إلى مشروع سد الجزرة التركي على نهر دجلة، معتبراً أن إنشاءه سيؤدي إلى تحويل النهر إلى “قناة مائية” ويزيد من تعقيد الأزمة المائية في العراق.

واوضح أن العراق كان يستقبل سابقاً ما بين 70 و100 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، إلا أن بناء تركيا وإيران عشرات السدود أدى إلى تقليص الواردات المائية بصورة كبيرة، بالتزامن مع ارتفاع معدلات التصحر، وفقدان أكثر من 55% من الأراضي، وتفاقم نسب التلوث وازدياد ملوحة المياه في عدد من المناطق.

وأشار الموسوي إلى أن العراق يمتلك أوراق قوة تفاوضية كان يمكن استثمارها في المفاوضات مع تركيا، من بينها الملف الأمني، وملف حزب العمال الكردستاني، ومشروع طريق التنمية، فضلاً عن الدعمين الإقليمي والدولي الذي تحظى به الحكومة الحالية، داعياً رئيس الوزراء علي الزيدي إلى إلحاق بروتوكول المياه بملحق يتضمن حصصاً مائية واضحة وملزمة.

عقود مبالغ فيها لشركات تركية

وأكد أن مشاريع الري والاستصلاح التي تنفذها الشركات التركية يمكن أن تنفذها شركات عالمية أخرى وربما بكلفة أقل، معتبراً أن الخطورة تكمن في أن العراق منح الجانب التركي دوراً واسعاً في إدارة ملف المياه من دون الحصول على ضمانات تتعلق بحقوقه المائية.

ووقّع وزير الخارجية فؤاد حسين ونظيره التركي هاكان فيدان، في بغداد، مطلع تشرين الثاني 2025، "وثيقة آلية تمويل المشاريع بخصوص اتفاقية التعاون الإطارية في مجال المياه" بين البلدين.

وتنص الآلية على تمويل المشاريع التي ستتولاها الشركات التركية في مجال تحديث وتشييد البنية التحتية من أجل الاستخدام الفعّال والمثمر والمستدام لموارد المياه في العراق، من خلال نظام يعتمد على مبيعات النفط العراقي.

وفي أواخر العام الماضي، وقعت بغداد وانقرة اتفاقية إطارية لتحقيق المنفعة المتبادلة بين البلدين في مياه نهري دجلة والفرات. وتتضمن تنفيذ مشاريع تحسين نوعية المياه وإيقاف تلويث مياه الأنهار وتطوير أساليب الري واستخدام تقنيات الري الحديثة واستصلاح الأراضي الزراعية، كما تتضمن مشاريع حوكمة إدارة المياه في العراق وترشيد استخدامها، وتحديد مشاريع المياه المطلوبة وأولوياتها بناءً على طلبات الجهات المعنية في العراق.