اخر الاخبار

توجه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، فجر أمس الاثنين، إلى العاصمة الأمريكية واشنطن على رأس وفد حكومي واقتصادي رفيع، في أول زيارة رسمية له إلى الولايات المتحدة منذ توليه رئاسة الحكومة، وسط توقعات بأن تشهد المباحثات توقيع تفاهمات اقتصادية واستثمارية واسعة.

وأكد الزيدي، قبيل مغادرته بغداد، أن الزيارة تهدف إلى ترجمة متانة العلاقات العراقية – الأمريكية إلى شراكات اقتصادية واستثمارية في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والبنى التحتية والاقتصاد الرقمي والتمويل، مشيراً إلى أن الحكومة تسعى إلى استقطاب الاستثمارات ونقل الخبرات وتنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل، بما يعزز مسار التنمية ويكرس مكانة العراق شريكاً موثوقاً في المنطقة.

وتأتي الزيارة في إطار مساعي الحكومة لإعادة صياغة العلاقات مع الولايات المتحدة على أسس اقتصادية وتنموية، بعد إعلانها الانتقال من التركيز على الملفات الأمنية إلى توسيع الشراكات الاستثمارية وجذب الشركات الأمريكية للعمل في قطاعات النفط والغاز والطاقة والتكنولوجيا.

إلا أن هذه الزيارة تحمل أيضاً أبعاداً سياسية، إذ ارتبط تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة، منذ البداية، بجملة من الاشتراطات، في مقدمتها الموقف الأمريكي من مشاركة شخصيات مقربة من الفصائل المسلحة في التشكيلة الوزارية أو في المناصب العليا، وهو ما انعكس على مسار تشكيل الحكومة، واستكمال قوامها.

ويضم الوفد العراقي خمسة وزراء، إلى جانب عدد من النواب والمستشارين، فيما تستند المباحثات إلى اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين بغداد وواشنطن، مع التركيز على ملفات الطاقة والاقتصاد والاستثمار والتنمية والتعليم، فضلاً عن لقاءات مع أعضاء في الكونغرس الأمريكي ومشاركة الزيدي في مؤتمر خليجي يعقد في واشنطن لبحث تداعيات التطورات الإقليمية.

أربعة ملفات على طاولة البيت الأبيض

يقول د. طالب محمد، اكاديمي وباحث في الشأن السياسي، ان زيارة واشنطن تأتي في لحظة استثنائية تشهد فيها المنطقة إعادة رسم للتوازنات الإقليمية، ما يمنحها أهمية خاصة.

ويعتقد محمد في حديثه مع "طريق الشعب"، انه اذا نجح العراق في تقديم نفسه كدولة مستقرة تحمي الاستثمارات، وتحترم القانون، وتنتهج سياسة خارجية متوازنة، فإنه سيكون قادرا على التحول من ساحة لتقاطع المصالح إلى مركز لتلاقيها.

ويشير الى أن أربعة ملفات رئيسية يحملها رئيس الوزراء إلى واشنطن، أولها حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره المدخل الأساس لأي مشروع اقتصادي أو استثماري، إذ لا يمكن لأي مستثمر المجازفة بأمواله في بيئة أمنية غير مستقرة.

والملف الثاني، بحسب محمد، يتمثل في استكمال بناء الدولة من الداخل عبر إكمال الكابينة الحكومية، وتسريع الإصلاحات، ومكافحة الفساد، وإرسال رسالة واضحة بأن العراق دخل مرحلة الدولة الفاعلة.

ويركز محمد في الملف الثالث على ترسيخ سياسة الحياد الإيجابي، التي أثبتت خلال السنوات الأخيرة انسجامها مع الموقع الجغرافي للعراق ومصالحه الوطنية، مبينًا أن العراق لا يستطيع أن يكون طرفًا في الصراعات، لكنه قادر على أن يكون مساحة للحوار والتعاون الاقتصادي بين مختلف الأطراف.

ويضيف أن الملف الرابع يركز على الاقتصاد والاستثمار، مؤكداً أن العراق لا يحتاج إلى قروض بقدر حاجته إلى شراكات طويلة الأمد، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعة، وربط الاقتصاد العراقي بالمشاريع الإقليمية الكبرى في مجالات الطاقة والغاز والنقل والممرات التجارية.

ثلاثة سيناريوهات لنتائج الزيارة

ويرسم المتحدث ثلاثة سيناريوهات للزيارة؛ الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، يتمثل بانطلاقة جديدة في العلاقات العراقية – الأمريكية تتضمن دعماً اقتصادياً، واستثمارات واسعة، وتعاوناً في قطاع الطاقة، إلى جانب دعم دولي لترسيخ سيادة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

أما السيناريو الثاني فيجده محمد اكثر واقعية، ويتمثل بتحقيق تقدم تدريجي عبر تفاهمات سياسية واقتصادية، مع استمرار معالجة الملفات الحساسة من خلال لجان مشتركة، خصوصاً إذا بقيت بعض القضايا الداخلية دون حسم.

ويحتمل في السيناريو الثالث، "استمرار تأثير الخلافات الداخلية على الاستفادة من الزخم الدولي، بما قد يجعل الزيارة تقتصر على نجاح بروتوكولي أكثر من كونها تحولاً استراتيجياً".

وينبه محمد إلى أن العراق يمتلك اليوم فرصة حقيقية للاستفادة من التحولات الإقليمية، والدعم العربي والدولي، والاستقرار الداخلي، وارتفاع الحاجة العالمية إلى أمن الطاقة، وتحويلها إلى مشروع وطني متكامل، شريطة توافر الإرادة السياسية، وتسريع خطوات بناء الدولة، وترجمة الوعود الى إجراءات عملية.

حصر السلاح واكتمال الانسحاب

من جهته، أكد المستشار العسكري السابق صفاء الأعسم، أن الملف الأهم في زيارة واشنطن يتمثل بإنهاء وجود قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، والمقرر في أيلول المقبل، وما يتطلبه ذلك من استكمال جاهزية القوات العراقية لحماية البلاد.

وقال الاعسم في تعليق لـ "طريق الشعب"، أن العراق يجب أن يكون مؤهلاً بشكل كامل للدفاع عن أجوائه وأراضيه ومياهه الإقليمية بعد انسحاب قوات التحالف، مردفا أن القوات المسلحة ما زالت تعاني من نقص في منظومات التسليح، ولا سيما في مجالات الدفاع الجوي والقوات الجوية والبحرية، ما يجعل استكمال تسليح الجيش العراقي أحد أبرز الملفات المطروحة خلال الزيارة.

وأضاف الاعسم أن العراق لا يزال يواجه تهديدات أمنية تتمثل ببقايا تنظيم داعش، الأمر الذي يستدعي تعزيز قدراته العسكرية، لافتاً إلى أن النقاش مع الجانب الأمريكي في الجانب الامني سيركز على استكمال تجهيز القوات العراقية بما يمكنها من أداء مهامها بصورة مستقلة بعد انتهاء مهمة التحالف.

وبيّن الأعسم أن إنهاء وجود القوات الأجنبية داخل العراق سيرفع أي مبرر لوجود سلاح خارج إطار الدولة، مؤكداً أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل مطلباً وطنياً تتفق عليه السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، فضلاً عن المرجعية الدينية، بعد انحسار التهديدات الإرهابية التي بررت حمل السلاح في المراحل السابقة.

وأكد أن ملف الفصائل المسلحة يرتبط بشكل مباشر بإنهاء وجود قوات التحالف، مبيناً أنه لا يرى مبرراً لبقاء السلاح خارج سيطرة الدولة بعد اكتمال الانسحاب. واعتبر أن استمرار وجود هذا السلاح سيؤثر سلباً في سمعة العراق وفرصه في جذب الاستثمارات وتعزيز علاقاته الإقليمية.

وفيما يتعلق باتفاقية الإطار الاستراتيجي، أكد أنها ستبقى نافذة، ومن الممكن تطويرها وتوسيع مجالاتها، كونها اتفاقية طويلة الأمد تنظم العلاقات بين العراق والولايات المتحدة في مختلف المجالات، ولا تقتصر على الجانب الأمني فقط.

إصلاح القطاع المصرفي وجذب الاستثمارات

وعلى الصعيد الاقتصادي، قال عبد الرحمن الشيخلي، الخبير الاقتصادي والإستراتيجي، أن الزيارة تمثل فرصة لإعادة تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة، والتي تضمنت العديد من البنود الاقتصادية والاستثمارية، الا انها بقيت دون تنفيذ بالشكل المطلوب خلال السنوات الماضية.

واضاف الشيخلي في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن تحسن الوضع الأمني في العراق سيوفر بيئة أكثر استقراراً، الأمر الذي يهيئ البلاد لاستقطاب الشركات الاستثمارية الأمريكية والعالمية، مشيراً إلى أن المستثمر لا يمكن أن يضخ أمواله في بيئة تفتقر إلى الأمن والاستقرار.

وزاد بالقول، أن العراق بحاجة إلى الاستفادة من الزيارة في جذب التكنولوجيا الحديثة، ولا سيما مع دخول العالم الثورة الصناعية الرابعة، مؤكداً أن الاقتصاد العراقي لم يواكب حتى الآن هذه التحولات، ما يستدعي عقد شراكات حقيقية لنقل التكنولوجيا والخبرات إلى مختلف القطاعات.

وأشار إلى أن من أبرز الملفات التي ينبغي التركيز عليها هو تطوير قطاع النفط والغاز، عبر توسيع عمليات الاستكشاف والإنتاج والاستثمار في الغاز المصاحب، لافتاً إلى أن العراق يمتلك إمكانات كبيرة يمكن أن ترفع قدرته الإنتاجية وتقلل من الهدر، بما ينعكس إيجاباً على الإيرادات العامة.

وبيّن الشيخلي أن الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، ولا سيما تأثير اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، كشفت الحاجة إلى تنويع الاقتصاد العراقي وعدم الاعتماد على الإيرادات النفطية وحدها، مؤكداً ضرورة إيجاد منافذ جديدة لدعم الاقتصاد وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وأكد أن الزيارة تمثل فرصة لمعالجة ملف العلاقات المصرفية بين العراق والولايات المتحدة، بعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتطوير القطاع المصرفي والالتزام بالمعايير الدولية، بما يسهم في إنهاء القيود المفروضة على عدد من المصارف العراقية وتعزيز الثقة بالنظام المالي العراقي.

وذكر الشيخلي أن جدول أعمال الزيارة يتضمن ملفات اقتصادية مهمة، بينها تطوير مشاريع الطرق والجسور والموانئ والسكك الحديدية والمدن الصناعية، وهي مشاريع من شأنها أن تسهم في تحريك الاقتصاد ورفع كفاءة البنية التحتية وجذب المزيد من الاستثمارات.

ورهن الشيخلي دخول الشركات العالمية الى العراق بتوفير بيئة آمنة ومستقرة تحقق لها عائداً اقتصادياً، مشيراً إلى أن تحسين واقع هذه البيئة يشجع الشركات الكبرى على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية التي يحتاجها العراق.