عواصف، وبحّار بلا أشرعة
نشرت جريدة ذي ناشيونال الناطقة بالإنكليزية مقالاً لزياد علي، توقع فيه فشل رئيس الحكومة العراقية الجديدة في إصلاح الوضع السياسي المتردي، مستشهداً بمرور أسابيع على تكليفه بالمهمة دون أن يستطيع استكمال كابينته الوزارية التي ما يزال 40 في المائة من حقائبها شاغراً.
فراغ سياسي
وذكرت الصحيفة بأن اختيار الزيدي نفسه لتشكيل الحكومة بعد خمسة أشهر من الانتخابات العامة يمكن أن يعطينا فكرة واضحة عن مدى اختلال النظام السياسي في البلاد، فيما شكّل برنامجه الحكومي الذي قدمه للبرلمان وعرض فيه أجندته لإدارة البلاد تجسيداً واضحاً لفراغ السياسة الوطنية العراقية، وكيف أصبحت خالية تمامًا من أي نقاش سياسي، وكيف تبقى مصالح عامة الشعب ثانوية أمام مصالح الجماعات السياسية التي تُسيطر على الدولة. ووصف الكاتب البرنامج بالهزيل لدرجة يبدو معها وكأنه من إعداد نموذج ذكاء اصطناعي، طُلب منه وضع قائمة مبهمة من النقاط التي لا تُلزم الحكومة بأي إجراء سياسي مُحدد.
نموذج مختلف
وقبل الخوض في محتوى البرنامج، ذكرت الصحيفة بأن هناك نماذج خاصة للأنظمة البرلمانية، حيث غالباً ما تُعلن الأحزاب السياسية خططها ووعودها قبل الانتخابات بوقت كافٍ، وتُجري حملاتها الانتخابية بناءً على تلك الوعود، وتسعى، إذا ما فازت، إلى تنفيذ بعضها أو كلها. لكن الأمر مختلف في العراق حيث تُطلق العديد من الأحزاب وعودًا انتخابية، لكن معظم هذه الوعود لا تختلف عن بعضها، خاصة مع هيمنة قوى محافظة اجتماعيًا، ولا يتبنى أي منها سياسات ضريبية، ولا تختلف فيما بينها جوهريًا إلا في مسألتين: السياسة الخارجية والعلاقة بإقليم كردستان.
كما لا يحصل الحزب أو قائمة المرشحين الأكبر في الانتخابات العراقية على أكثر من 10 في المائة من المقاعد، بحيث لا يكون قادرًا على تشكيل حكومة بمفرده، فيضطر الجميع إلى الدخول في مفاوضات لتشكيل الحكومة، هذه المفاوضات التي لا يتم التركيز فيها على القضايا السياسية بل على توزيع الوزارات، أو توفير حقائب وزارية مناسبة لمكانة ممثلي هذه الأحزاب.
وزراء وبرنامج
وذكر الكاتب بأن الائتلاف الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد النيابية في الانتخابات الاخيرة، لم يتمكن من الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء من داخله، فاستقر على رجل أعمال غير معروف نسبيًا، يُقال إنه جمع ثروة طائلة من العقود الحكومية.
وأضاف الكاتب بأن الرجل الذي لم يُضيّع وقتًا يُذكر في المفاوضات مع جميع المجموعات الرئيسية لتشكيل حكومته، أعلن برنامجه التنموي، دون أن يشارك أيًا من زملائه الوزراء في صياغته، وشكّل وزارة منقوصة العدد، مفضلاً ترك وزارات مهمة شاغرة مثل الدفاع والداخلية، ليكمل بها مفاوضاته.
ولم تتوقع الصحيفة نجاح الزيدي، الذي لا يتمتع بقاعدة سياسية خاصة به، في فرض برنامج على حكومته، كما يمكن اعتبار الطريقة التي قُدّم بها البرنامج اعترافاً ضمنياً بمدى عبثية هذه العملية، لاسيما ومن غير المرجح بأن أحداً سيعيد النظر في البرنامج طوال الفترة المتبقية من ولاية الحكومة.
أولويات غريبة
وفي معرض تقييمه للبرنامج، أشار الكاتب إلى غرابته وخلوه من أي حيوية أو فكر جديد، ففي الوقت الذي يضم البرنامج أربعة عشر قسماً تغطي أكثر من مئة قضية، قام بإدراجها جميعاً كأولويات متساوية الأهمية، مما يشي بغياب التركيز عند إعداد البرنامج، أو رغبة كاتبيه ببقاء الحال على ما هو عليه من ركود. وليس أدل على هذا الاستنتاج ـ وفق الكاتب ـ من سرد القضايا التي يُصنّفها المواطنون باستمرار كقضايا ذات أولوية، كالصحة والتعليم والفقر والبطالة، في نهاية الوثيقة، التي لم تتضمن تفاصيل حول كيفية معالجتها. كما أن البرنامج أغفل توضيح ماهية الإصلاح الذي وعد به.
ورأى الكاتب الغرابة أيضاً في عدم تطرق البرنامج للعديد من القضايا المهمة كالإصلاح القضائي، الذي عادة ما تمنحه المجتمعات الديمقراطية الحقيقية، الأولوية، حتى لا يهيمن القضاء على الحكومة، وكي يحترم الطرفان الفصل بين السلطات.
وخلص المقال إلى أن شعور العراقيين بأن مصالحهم لم تُؤخذ بنظر الاعتبار ضمن أجندة الحكومة الجديدة، سيدفعهم لعزل الحكومة والعزوف عن عملية انتخابية لا معنى لها.