اخر الاخبار

بين حق المشاة في أرصفة آمنة وحاجة الباعة إلى تأمين مصادر رزقهم في ظل محدودية فرص العمل، تتواصل مشكلة التجاوزات على الأرصفة في مدينة العمارة بمحافظة ميسان، رغم حملات الإزالة التي تنفذها البلدية. وبينما يواجه المارة صعوبة في التنقل، يعيش بعض الباعة تحت ضغط الغرامات والإخلاء، وهذا يطرح تساؤلات عن جدوى الحلول المؤقتة وغياب البدائل المنظمة التي توازن بين متطلبات المدينة والظروف المعيشية لسكانها.

البطالة تدفع الخريجين الى الارصفة

يقول الشاب منتظر علي، خريج كلية الإدارة والاقتصاد، الذي يعمل في بيع البضائع المستوردة والتحف الأنتيكات على أحد أرصفة مدينة العمارة، إن «عدم حصولي على فرصة تعيين، وقلة فرص العمل، دفعاني إلى اللجوء للبيع في الشارع لتأمين مصدر دخل أعتمد عليه، بدلاً من البقاء من دون عمل بعد سنوات الدراسة».

وأضاف علي لـ«طريق الشعب» أن «العمل على الرصيف يضعني في حالة توتر مستمر، بسبب الغرامات وحملات إزالة التجاوزات، فضلاً عن مضايقات بعض أصحاب المحال القريبة الذين يعترضون على وجود بضاعتي أمام محالهم»، مبيناً أن «هذه الظروف تجعلني غير مطمئن إلى قدرتي على مواصلة العمل، لأنني لا أعرف متى سأضطر إلى رفع بضاعتي أو دفع غرامة جديدة».

وأوضح أن «العمل في بيع الأنتيكات والبضائع المستوردة ليس الخيار الذي كنت أطمح إليه بعد التخرج، لكنني اضطررت إليه في ظل غياب فرص التعيين وصعوبة الحصول على وظيفة في القطاع الخاص»، مشيراً إلى أن «مطالبتنا ليست بترك الأرصفة للباعة، بل بإيجاد أماكن بديلة ومنظمة نستطيع العمل فيها من دون أن نعرقل حركة المارة أو نبقى تحت ضغط الإزالة والغرامات».

وفي 15 حزيران 2026، أعلنت مديرية بلدية العمارة تنفيذ حملات دورية لرفع التجاوزات عن الأرصفة والشوارع والأراضي التابعة للبلدية، وفرض غرامات على المخالفين، مع مراعاة الأوضاع المالية لأصحاب البسطيات. وأشارت إلى أن التجاوزات تؤثر في تنفيذ بعض المشاريع الخدمية والبلدية.

وسبق أن شملت حملات الإزالة مناطق متعددة من المدينة. ففي أيلول 2025، استهدفت الحملة أكشاكاً تجارية في حي النداء ومخالفات قرب علوة الفواكه وطريق بغداد، فيما امتدت حملات أخرى خلال تشرين الأول وكانون الأول من العام نفسه إلى مناطق أبو رمانة والبتيرة والمدثرة وحي الحسين القديم وحي المعلمين القديم وكورنيش الشبانة، فضلاً عن طرق بغداد والماجدية والحي الصناعي وسيد جميل وطريق الكحلاء.

ورغم هذه الحملات، لا تزال التجاوزات على الأرصفة تثير شكاوى المواطنين، بسبب اضطرار المشاة إلى السير في الشوارع ومواجهة حركة المركبات، في وقت يلجأ فيه بعض الباعة إلى الأرصفة لتأمين مصدر دخل، في ظل محدودية فرص العمل وصعوبة الحصول على وظائف.

متى تعالج المشكلة بشكل جذري؟

وقال علي عواد، مهندس مدني من محافظة ميسان، وهو صاحب شركة هندسية، إن «التجاوزات على الأرصفة في مدينة العمارة تعرقل حركة المشاة، وتضطر المواطنين إلى النزول إلى الشوارع والسير بمحاذاة السيارات، ما يزيد من مخاطر الحوادث المرورية، خصوصاً في الشوارع التجارية المزدحمة. كما أن هذه التجاوزات تحرم كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة من استخدام الأرصفة بسهولة وأمان».

وأضاف عواد لـ«طريق الشعب» أن «انتشار البسطات والباعة المتجولين يرتبط، في جانب منه، بقلة فرص العمل وضعف قدرة القطاع الخاص على استيعاب الباحثين عن فرص للرزق، ما يدفع بعض المواطنين إلى اللجوء للبيع على الأرصفة باعتباره وسيلة لتأمين دخل يومي لعائلاتهم. لكن هذه الظروف، رغم أهميتها، لا تعني أن تبقى الأرصفة مشغولة بصورة تعرّض المارة للخطر، وإنما تستدعي معالجة المشكلة من جذورها، من خلال توفير مواقع بديلة ومنظمة للباعة، تراعي ظروفهم الاقتصادية ولا تتعارض مع حق المواطنين في استخدام الفضاء العام».

وتابع أن «المشكلة لا تتعلق بالتجاوزات وحدها، بل بآلية التعامل معها، إذ إن حملات الإزالة المؤقتة، من دون وجود حلول مستدامة ومتابعة مستمرة، قد تؤدي إلى عودة الباعة إلى المواقع نفسها». وأضاف أن «الحد من الظاهرة يتطلب تنسيقاً بين البلدية والجهات المعنية، عبر تنظيم الأنشطة التجارية، وتحديد أماكن مناسبة للبيع، وفرض ضوابط واضحة على استغلال الأرصفة، مع مراعاة الأوضاع المعيشية للباعة».

وأكد عواد أن «التخطيط الحضري الناجح لا يقتصر على إنشاء الشوارع والأرصفة وتبليطها، بل يشمل تنظيم استخدامها وضمان استدامة وظيفتها. فالأرصفة جزء أساسي من البنية التحتية للمدينة، وأي معالجة حقيقية للتجاوزات ينبغي أن تجمع بين تطبيق القانون، وحماية سلامة المشاة، ومعالجة الأسباب الاقتصادية التي تدفع بعض المواطنين إلى العمل في هذه الأماكن».

البلدية تكتفي برفع التجاوزات!

من جهته، قال علي مبارك، ناشط محلي في مدينة العمارة، إن استمرار التجاوزات على الأرصفة يرتبط بغياب المعالجة المتكاملة للمشكلة، موضحاً أن التعامل معها لا ينبغي أن يقتصر على حملات الإزالة، بل يتطلب متابعة ما يحدث بعدها، ومعرفة أسباب عودة المخالفات إلى المواقع نفسها. وأضاف أن تقييم أداء الجهات المعنية يجب أن يستند إلى نتائج ملموسة، من بينها مدى قدرة المواطنين على استخدام الأرصفة بحرية، واستمرار الالتزام بالتعليمات بعد انتهاء الحملات.

وأوضح مبارك لـ«طريق الشعب» أن مسؤولية البلدية لا تنتهي برفع التجاوزات، وإنما تشمل تنظيم استخدام الفضاءات العامة، ووضع آليات واضحة لمراقبة المخالفات والتعامل مع الشكاوى، بما يضمن تطبيق التعليمات بصورة متساوية على الجميع. وأشار إلى أن غياب المتابعة المستمرة قد يضعف أثر الإجراءات المتخذة، خصوصاً عندما تعود المخالفات من دون معالجة أسبابها أو محاسبة المسؤولين عنها وفق الضوابط المعمول بها.

وتابع أن معالجة المشكلة تتطلب النظر إلى الجانبين الخدمي والمعيشي، فإخلاء الأرصفة ضروري لحماية حق المشاة، لكن تجاهل الظروف الاقتصادية التي تدفع بعض الباعة إلى العمل في الشوارع قد يجعل التجاوزات تتكرر. وشدد على أهمية بحث إمكانية تنظيم مواقع مخصصة للبيع، وفق معايير واضحة تراعي حركة المواطنين وطبيعة المناطق التجارية، مؤكداً أن نجاح أي إجراء ينبغي أن يُقاس بقدرته على تحقيق التوازن بين تنظيم المدينة وعدم قطع مصادر رزق المواطنين من دون توفير بدائل مناسبة.