اخر الاخبار

لم تعد رواتب شريحة واسعة من العمال تكفي لتأمين أبسط متطلبات الحياة، بعدما شهدت الأسواق العراقية ارتفاعًا في الأسعار، بالتزامن مع قرار تعديل سعر صرف الدولار مقابل الدينار. وبينما تتزايد تكاليف الغذاء والنقل والإيجارات والاحتياجات اليومية، يجد العمال، ولا سيما العاملون منهم بأجور يومية وعمال النظافة، أنفسهم في مواجهة أعباء معيشية متصاعدة، في وقت لا تتجاوز فيه رواتب بعضهم 300 ألف دينار شهريًا.

في السابع من تشرين الأول الجاري، أعلن البنك المركزي العراقي اعتماد سعر بيع الدولار عند 1520 دينارًا، بدلًا من 1320 دينارًا، أي بزيادة قدرها 200 دينار لكل دولار. ولم تمض سويعات حتى قفز السعر في السوق الموازي بنفس النسبة ليصل إلى 170 ألف دينار لكل 100 دولار، بل وتخطى هذه الزيادة في بعض المحلات.

ولا يقتصر أثر هذا التغيير على حسابات الصرف، بل تتجلى تداعياته في الأسواق، حيث يواجه أصحاب الدخول المتدنية ارتفاعًا في كلفة السلع المستوردة، وملامح كساد تجاري أدى إلى فقدان الكثير من العاملين في المراكز التجارية عملهم، بعدما قرر أصحاب هذه المراكز إغلاقها احتجاجًا على ارتفاع الأسعار. كما أن أي زيادة في تكاليف الغذاء أو النقل قد تعني لعامل يتقاضى 300 ألف دينار شهريًا، الاستغناء عن احتياجات أخرى لا تقل أهمية.

في منطقة الزعفرانية، يقول حسن مؤيد، وهو عامل في أحد مراكز تجارة المواد الغذائية، لـ"طريق الشعب"، إن "صاحب العمل أمر بإغلاق المركز احتجاجًا على ارتفاع الأسعار، الأمر الذي أثر سلبًا على جميع العاملين فيه". ويضيف حسن أن "العمال طالبوا صاحب المركز التجاري بصرف رواتبهم، إلا أنه رفض ذلك"، مشيرًا إلى أن جميع العاملين في المركز غير مشمولين بالضمان الاجتماعي للعمال.

وعن ارتفاع الأسعار، يوضح العامل: "اليوم، ارتفعت أسعار جميع المواد، حتى الغذائية منها. فبعد أن كان كيلو الطماطم يُباع بألف دينار، أصبح يُباع اليوم بألفي دينار". ويشير إلى أن العمال ذوي الأجور المنخفضة هم أكثر فئات المجتمع تضررًا.

عمال النظافة.. أجور لا تسد الرمق

يعمل عمال النظافة لساعات طويلة في الشوارع والأحياء والأسواق، ويتحملون ظروف عمل صعبة، لكن الأجور التي يتقاضاها بعضهم لا توفر لهم الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. ومع نهاية الشهر، يجد العامل نفسه مضطرًا إلى توزيع راتبه المحدود على الغذاء والإيجار والنقل ومصاريف أسرته، من دون أن يتبقى لديه هامش مالي لمواجهة أي طارئ.

يقول عامل النظافة تاج الدين عقيل لـ"طريق الشعب": "لا يتجاوز راتبي 275 ألف دينار شهريًا، وأنا عامل بعقد. وهذا المبلغ لا يكفي لتلبية متطلبات العائلة اليومية. لقد وصل بنا الحال إلى أن نحسب حساب كل ألف دينار ننفقه. وإذا ارتفعت الأسعار أكثر، فلا أعرف كيف سأتدبّر احتياجات أطفالي، لأن راتبي ثابت ومصاريفنا تزداد". ولا تختلف معاناة العاملين بأجور يومية كثيرًا، فهم يواجهون مشكلة إضافية تتمثل في عدم ضمان استمرار العمل أو الحصول على دخل منتظم. وقد يضطر العامل إلى التغيب عن العمل بسبب المرض أو الظروف الطارئة، ما يعني خسارة جزء من دخله الذي يعتمد عليه في تأمين احتياجات أسرته.

من يتحمل كلفة القرار؟

إن تعديل سعر الصرف ليس مجرد إجراء مالي، إذ قد تمتد آثاره إلى القدرة الشرائية للأسر، خصوصًا عندما يتزامن مع ضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة. ومع ذلك، لا يمكن إرجاع جميع الزيادات في الأسعار إلى سعر الدولار وحده، إذ تتداخل عوامل أخرى، منها تكاليف النقل والاستيراد، ومستويات المنافسة، وهوامش الربح، ومدى فاعلية الرقابة على الأسواق.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية الحكومة في متابعة حركة الأسعار، ومنع استغلال التغييرات النقدية لفرض زيادات غير مبررة، فضلًا عن اتخاذ إجراءات لحماية أصحاب الدخول المحدودة، ومراجعة الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي لتشمل العمال الذين يعيشون اليوم من دون استقرار وظيفي أو حماية كافية.

كما تبرز أهمية الدور النقابي في تنظيم مطالب العمال والدفاع عن حقوقهم، والمطالبة بأجور عادلة وظروف عمل لائقة، وضمان عدم تحميل الفئات الأكثر فقرًا كلفة الاختلالات الاقتصادية. فليس من المعقول أن يعمل عامل النظافة أو العامل بأجر يومي شهرًا كاملًا، ثم يعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية لأسرته.

وأخيرًا، فإن حماية العمال من تآكل أجورهم ليست مطلبًا فئويًا، بل قضية عدالة اجتماعية تمس حياة آلاف الأسر. وأي سياسة اقتصادية لا تضع هذه الفئات في الحسبان ستبقي العمال في مواجهة مفتوحة مع الغلاء، بأجور ثابتة واحتياجات لا تتوقف عن الارتفاع.