بين الحين والآخر، تتصاعد نبرة التحذيرات الصحية الرسمية في العراق من مخاطر مسالخ المواشي غير النظامية ومحال الجزارة العشوائية المنتشرة في بغداد والمحافظات. ورغم المخاوف المستمرة من تسبب هذه الظاهرة في انتشار أمراض قاتلة كالحمى النزفية، تُجبر الضغوط الاقتصادية الكثيرين من المواطنين، لا سيما من ذوي الدخل المحدود، على شراء اللحوم الحمراء من تلك المصادر العشوائية، نظرا لانخفاض أسعارها مقارنة بما يُباع في المحال المرخّصة.
وفي ظل ضعف الرقابة والمحاسبة القانونية، باتت هذه الأنشطة تتمدد في الأسواق الشعبية، والساحات العامة، وحتى الطرق الخارجية. حيث يعمد الجزارون إلى جزر الأغنام والأبقار في الهواء الطلق وضمن بيئات غير مستوفية للشروط الصحية، دون خضوعها لأي فحص بيطري مسبق.
ويأتي هذا التمدد العشوائي بالتزامن مع أزمة حقيقية في البنية التحتية للمسالخ النظامية. إذ يُفيد مرصد "العراق الأخضر" المتخصص في الجانب البيئي، بأن بيانات هيئة الإحصاء وتكنولوجيا المعلومات في وزارة التخطيط تؤكد أن البلاد لا تضم سوى 114 مسلخاً للحوم الحمراء، يعمل منها 40 مسلخا فقط بالكامل أو جزئيا، في حين لا تزال البقية متوقفة عن العمل نهائيا.
ويكشف المرصد عن حجم التلوث البيئي الناتج عن المسالخ الرسمية المتبقية في المحافظات (من بينها 5 في بغداد و3 في نينوى)، مؤكداً أنها تطرح سنوياً أكثر من 308 آلاف متر مكعب من المخلفات السائلة، ويجري التخلص من 73.8 في المائة منها عبر خزانات التحليل البدائية (سبتك تانك) دون معالجة حقيقية، ما يعكس عمق الأزمة حتى داخل المؤسسات الحكومية.
بيئة مثالية للأوبئة والأمراض
في وقت تجبر فيه الضغوط الاقتصادية مواطنين كثيرين على شراء اللحوم الحمراء من أسواق غير مرخصة، نظرا لانخفاض أسعارها مقارنة بما موجود في الأسواق النظامية، يُحذر الطبيب الاختصاصي حيدر حسن، من التداعيات الصحية الخطيرة الناجمة عن انتشار ظاهرة الجزر العشوائي، مؤكدا أن ضعف الرقابة والمحاسبة القانونية حوّل الشوارع إلى مسالخ بديلة، لا سيما في ظل توقف الكثير من المسالخ الرسمية الخاضعة للمحددات البيئية والصحية.
ويلفت في حديث صحفي إلى أن "ملف الجزر العشوائي لا يشهد أي اهتمام جاد من قبل الجهات المسؤولة، واستمرار التغاضي عن هذه المخالفات يمهد الأرضية لانتشار الأوبئة المشتركة بين الإنسان والحيوان، خاصة أن هناك جزارين يعمدون إلى ذبح المواشي المريضة أو المشرفة على الهلاك، بالخفاء، لتفادي الخسائر المالية. وهناك من يستخدم أدوات ملوثة وغير معقمة في عملية الجزر".
ويضيف الاختصاصي أن "ترك اللحوم مكشوفة في الهواء الطلق وتحت درجات حرارة مرتفعة، مع ملامستها للأتربة وعوادم السيارات، يُساهم في تسارع نمو المستعمرات البكتيرية والجرثومية. ويُعد هذا المناخ البيئي الطارد للسلامة المسبب الأول لظهور بؤر الأمراض الفيروسية الفتاكة، وفي مقدمتها الحمى النزفية التي تسجل معدلات وفاة عالية إذا لم تُشخص مبكراً، فضلا عن خطر انتقال الحمى القلاعية والديدان الشريطية، ما يهدد الصحة العامة والأمن الغذائي للبلاد في آن واحد".
عيش اضطراري وسط الروائح الكريهة!
يضطر سكان المناطق التي تنتشر فيها ظاهرة الجزر العشوائي، إلى العيش في بيئات ملوثة بالدماء والمخلفات، تتصاعد فيها الروائح الكريهة الخانقة. فيما يواجه العاملون في الأسواق الشعبية، التي تضم مجازر عشوائية، يوميا معاناة كبيرة بسبب التلوّث البيئي وما يخلّفه من تداعيات صحية خطيرة.
وفي هذا السياق، يتحدث المواطن هشام علي، وهو من سكان منطقة الغزالية في بغداد، عن معاناة منطقته قائلا: "يضم الشارع الذي أسكن فيه قطعة أرض فارغة تحولت إلى حظيرة لتربية الأغنام، وجزرها يوميا بشكل غير رسمي وبعيدا عن أعين الرقابة".
ويبيّن في حديث صحفي أن "عمليات الذبح تجري في الشارع وتحت أشعة الشمس المباشرة دون أدنى مراعاة للجانب الصحي أو الطبيعة السكنية للمنطقة"، لافتا إلى أن "الأهالي أصيبوا بخيبة أمل، لعدم استجابة الجهات المعنية لشكاواهم. حيث قدموا شكاوى واستغاثات متكررة من أجل إيقاف هذا التجاوز، لكن تلك الجهات لم تتخذ أي إجراء يُذكر، ما تركنا نعاني وسط بيئة موبوءة تهدد سلامة أطفالنا".
لحوم مبيّتة في برّادات عاطلة!
من جانبه، يقول المواطن حيدر حميد، من البصرة، إن اتساع رقعة الجزر العشوائي بات يثير قلق الناس بشكل كبير، لا سيما في ظل تسجيل إصابات بفيروس "الحمى النزفية"، مبيّنا أن "الكثيرين من المواطنين باتوا يتجنبون تناول اللحوم الحمراء في المطاعم، بسبب عدم معرفتهم بمصادرها. كما لا يشترون اللحوم سوى من جزارين يثقون فيهم".
ويضيف في حديث صحفي قائلا: "نعيش في قلق دائم. فالمواشي التي تُذبح في الشوارع لا تخضع لأي فحص بيطري، وبعض الجزارين يعرضون اللحوم في الهواء الطلق وسط الغبار والذباب وعوادم السيارات دون أدنى مبالاة".
ويكشف حميد عن أساليب تخزين بدائية خطيرة يتبعها بعض القصابين لحفظ اللحوم الفائضة. إذ يقول إن "الأمر لا يقتصر على الذبح المكشوف فحسب، بل إن هناك جزارين يبيعون لحوما مبيتة يفتقر تخزينها لأبسط شروط السلامة. إذ يقومون بوضع اللحوم المتبقية داخل برادات عاطلة عن العمل ويغطونها بأكوام من الثلج التجاري لمنع انبعاث رائحتها، وهو ما يحولها إلى قنابل موقوتة تهدد صحة كل من يشتريها، وسط غياب شبه تام لفرق التفتيش الصحي".
فساد ومحسوبيات
في المقابل، ومن داخل المهنة نفسها، يقرّ الجزار أبو رحمن، بأن استمرار هذه الفوضى يقف وراءه خلل بنيوي في آليات التفتيش.
ويقول في حديث صحفي: "نعلم أن الذبح خارج المسالخ الرسمية مخالف للقانون، لكن غياب العدالة في تطبيق الإجراءات هو ما يشجع الكثيرين على الاستمرار. فبعض فرق الرقابة واللجان المشتركة تخضع للمحسوبيات والعلاقات الشخصية، وهناك جزارون يُغض البصر عن تجاوزاتهم الكارثية لمجرد امتلاكهم معارف ونفوذا أو دفعهم لـ (إكراميات) تحت الطاولة"!
ويتابع حديثه قائلا إن "هذا الفساد يظلم القصاب الملتزم الذي يتكبد مصاريف النقل والرسوم في المسالخ النظامية، بينما يترك الباب مفتوحا أمام العشوائية لكي تتمدد. فبعض الحملات الرقابية تستهدف القصاب البسيط والفقير الذي لا ظهر له، في حين تترك الحظائر والمسالخ العشوائية الكبرى تعمل بكامل حريتها، لأن أصحابها مدعومون، وما دام هذا التمييز والمحسوبية قائمين، فلن تنتهي ظاهرة الجزر في الشوارع أبدا"!
حملات مكافحة موسمية
منذ عام 2022، بدأت فرق مشتركة من دوائر الصحة، بإسناد من الأجهزة الأمنية ومديرية مكافحة الجريمة المنظمة، تحركات داخل الأسواق والمناطق الزراعية والأحياء السكنية لرصد بؤر الذبح العشوائي ومصادرة اللحوم غير الصالحة للاستهلاك البشري في محافظات عدة، من بينها بغداد وذي قار والمثنى والأنبار وديالى. ورغم رصد وضبط كميات كبيرة من اللحوم التالفة، إلا أن هذه التحركات تبقى موسمية – وفقا لمراقبين يؤكدون أن تلك الحملات تنفذ على فترات متباعدة ثم تتراجع، ما يفقدها عنصر الردع ويسمح للظاهرة بالعودة سريعا.
ويبقى التحدي الأصعب كبح هذه السلسلة عبر الانتقال من حلول التهدئة المؤقتة إلى التدابير الإلزامية. إذ يتطلب الموقف تفعيل تنسيق دائم وصارم يجمع وزارات الصحة، والبيئة، والزراعة، إلى جانب الأجهزة الأمنية، لتطبيق العقوبات القانونية بحق الجزارين المخالفين وأصحاب المسالخ غير النظامية دون تهاون.
وتتزامن هذه الإجراءات الردعية مع حاجة حتمية لإعادة تأهيل المسالخ الحكومية وتوسيع طاقتها الاستيعابية لتوفير بدائل نظامية وميسرة بأسعار مدعومة، فضلاً عن تكثيف الحملات التوعوية لإرشاد المستهلكين بمخاطر شراء اللحوم المكشوفة والمعرضة لعوادم السيارات والأتربة، لضمان ألا تظل صحة المواطن الحلقة الأضعف في هذه التجارة.