اخر الاخبار

لم يعد بيع قناني المياه الباردة في شوارع بغداد والمحافظات مشهدا عابرا، إنما تحوّل خلال الشهور الأخيرة إلى مصدر معيشة يستقطب عددا متزايدا من المواطنين، لا سيما من الفتيات والنساء والأطفال، الذين يقفون عند التقاطعات المزدحمة أملا في الحصول على دخل يومي لتأمين قوت عائلاتهم ومساعدتها في مواجهة تكاليف المعيشة وارتفاعاتها المتواصلة.

وبينما تتراوح أعمار بعض البائعات والبائعين بين سن الطفولة ومنتصف العمر، تكشف الظاهرة جانبا من اتساع أزمة الفقر وتنامي العمل الهش في البلاد. إذ تؤدي قلة رأس المال المطلوب للبدء في بيع قناني المياه، إلى اتساع الظاهرة بشكل أكبر، خصوصا مع تراجع قدرة الأسر محدودة الدخل على مواجهة ارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والخدمات.

ولا يقتصر هذا المشهد الميداني على بيع قناني المياه وحسب، بل تحولت أرصفة الشوارع والتقاطعات المرورية الحيوية إلى ساحات مفتوحة للبيع الجوال بمختلف أشكاله. إذ يتوزع الباعة الجوالون، من مختلف الفئات العمرية، لعرض سلع بسيطة ومتنوعة، بدءا من المناديل الورقية والمعطرات، وصولاً إلى الإكسسوارات والمأكولات الخفيفة. بينما هناك من يمسح زجاج السيارات مقابل أجور بائسة.

هذا التنوع والانتشار الواسع للظاهرة، يعكسان بوضوح كيف أصبحت الشوارع الملاذ الأخير لشرائح واسعة تبحث عن أي مصدر للقوت اليومي، في ظل انغلاق فرص العمل واشتداد وطأة الأوضاع المعيشية، وغياب الخطط والمعالجات الحكومية الجادة لانتشال الطبقات الفقيرة من واقعها المرير.

 

من المقعد الدراسي إلى الشارع

الطفلة ربى ذات الأعوام التسعة، تبيع قناني المياه في أحد تقاطعات بغداد. حيث أجبرها الفقر، قبل شهور، على ترك الدراسة والتوجه إلى الشارع.

تقول ربى في حديث صحفي، أن والدها متوفٍ، فيما تعمل والدتها في بيع الخبز، لكن دخلها لا يكفي لتلبية احتياجات الأسرة، مبيّنة أنها تحصل في اليوم الواحد على ما بين 10 و15 ألف دينار، وهو مبلغ تصفه بالقليل، لكنه يساعدها في توفير جزء من احتياجات المنزل.

ولا تختلف قصة ربى كثيرا عن قصص فتيات ونساء أخريات وجدن في بيع الماء عملا سريعا لا يتطلب رأس مال كبيرا أو مهارات خاصة. إذ تقتصر العملية، بالنسبة إلى كثير منهن، على شراء حزم المياه وتبريدها بالثلج، ثم بيعها في الشوارع أو عند إشارات المرور.

المواطنة مها (أم أحمد)، أربعينية تعيل ثلاثة أبناء. اضطرت إلى بيع قناني المياه بعد أن أصبح من الصعب توفير احتياجات عائلتها.

تقول في حديث صحفي أن زوجها مصاب بمرض مزمن أقعده عن العمل، فيما لا تملك أسرتها أي دخل ثابت، مشيرة إلى ان الوقوف لساعات طويلة في الشارع لبيع المياه بات خيارها الوحيد للحصول على دخل يومي.

 

عمل محفوف بالمخاطر

لا يخلو العمل في التقاطعات والشوارع المزدحمة من مخاطر. إذ شهدت محافظات عدة، في فترات مختلفة، حوادث دهس طالت باعة جوالين، فضلا عمّا يسببه الوقوف ساعات طويلة تحت الشمس الحارقة في الصيف، ووسط البرد القارس في الشتاء، من أضرار صحية. 

كما يتعرض بعض هؤلاء أحيانا للتوقيف من قبل عناصر الأمن، للاشتباه في كونهم متسولين وليسوا باعة جوالين، في ظل ضغوط أخرى ترافق هذا العمل الهش.

في هذا السياق، يقول الشاب تحسين عمار، وهو بائع مناديل ورقية جوال في البصرة، أن "العمل في التقاطعات أشبه باللعب مع الموت. فقبل مدة قصيرة دهست سيارة مسرعة زميلنا أثناء محاولته عبور أحد التقاطعات"، مضيفا في حديث صحفي: "كذلك نتعرّض إلى أمراض خطيرة بسبب الوقوف الطويل تحت الشمس صيفاً ووسط البرد الشديد شتاءً. وفوق كل هذا الخوف، يطاردنا عناصر الأمن أحياناً ويقتادوننا إلى مراكز التوقيف بتهمة التسول، رغم أننا لا نطلب مساعدة من أحد، إنما نبيع بضاعة بسيطة لنعيل عائلاتنا".

ويتابع عمار حديثه بألم وحسرة: "إننا لم ندفن طموحاتنا في الشوارع رغبة منا، بل لأننا وجدنا أنفسنا مضطرين إلى مزاولة هذه المهن الهامشية بعد أن أُصدِدت في وجوهنا كل أبواب التوظيف وفرص العمل الكريمة. فالخيارات أمامنا باتت معدومة، والجلوس في المنزل ترف لا نملكه في ظل التصاعد الجنوني لتكاليف المعيشة اليومية. حيث تلاحقنا فواتير الإيجارات الشهرية، وتستنزفنا أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية التي لا ترحم عائلاتنا، ما جعل الركض خلف عجلات السيارات ملاذنا الوحيد للبقاء على قيد الحياة"!

 

جروح نفسية

لا تقتصر ضريبة هذا العمل على التعب الجسدي والمخاطر الأمنية وحسب، بل تمتد لتخلف جروحا نفسية غائرة لدى مزاوليه، لا سيما من النساء والفتيات، اللواتي يجدن أنفسهن في مواجهة مباشرة مع نظرات المجتمع ومضايقات الشارع اليومية.

وعن ذلك، تقول الشابة العشرينية ميساء حسون، التي تبيع اكسسوارات بسيطة في أحد شوارع بغداد، أن "أصعب ما في هذا العمل ليس حرارة الصيف ولا الوقوف الطويل، إنما نظرات العطف الممزوجة بالاستصغار في عيون بعض المارة، وأحيانا الكلمات الجارحة والمضايقات التي نتعرض لها لمجرد أننا نساء نكافح في الشارع".

وتضيف في حديث صحفي قائلة: "في كل يوم أخرج فيه إلى التقاطع، أشعر بغصة وانكسار داخلي لأنني كنت أحلم بمستقبل مختلف، لكن الحاجة والخوف من الجوع يجبراننا على تحمل كل شيء من أجل العودة ببعض الطعام إلى عائلاتنا".

 

الفقر يتفاقم والمعالجات تغيب

من جانبه، يرى الباحث الاجتماعي خالد الدهلكي أن انتشار هذه الأعمال يمثل مؤشرا لتفاقم الفقر في البلاد، في ظل غياب الحلول والمعالجات.

ويوضح في حديث صحفي ان "المشكلة الأكثر خطورة تتمثل في حرمان بعض الفتيات والأطفال من حقهم في التعليم بسبب الحاجة إلى العمل"، مبيّنا أن "الدخل المتحقق من هذه الأعمال قد يوفر حلا آنيا للعائلات، لكنه يخلق مشكلة أكبر على المدى البعيد، تتمثل في إنتاج جيل أقل تعليما وأكثر اعتمادا على الأعمال غير المنظمة".

ويضيف الدهلكي قوله أن "غياب الحلول الحكومية الكافية للعائلات الأشد فقرا يجعل العمل في الشوارع خيارا اضطراريا"، داعيا إلى "توسيع برامج الحماية الاجتماعية وربطها بمتابعة أوضاع الأطفال المتسربين من المدارس والعائلات التي تعيلها النساء، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع الظاهرة أمنيا".

وتأتي هذه الظاهرة في وقت تؤكد فيه الحكومة تراجع نسبة الفقر في البلاد إلى 17.5 في المائة. غير أن الواقع المعيشي يثير تساؤلات حول تلك الأرقام ومدى انعكاسها على حياة الأسر الفقيرة – وفقا لمراقبين، يرون أن معدلات الفقر في الواقع تتجاوز الأرقام الرسمية. 

وتُعزى معدلات الفقر المرتفعة إلى ظروف عدم الاستقرار التي يعيشها البلد منذ سنوات طويلة، إلى جانب محدودية الإجراءات الحكومية لمعالجة تداعياتها.

وسبق أن حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من تأثير ارتفاع معدلات الفقر في العراق على الأطفال، داعية إلى العمل على بناء بيئة شاملة لحمايتهم، في بلد يشكل فيه الأطفال النسبة الأكبر من نحو 4.5 ملايين مواطن معرضين لخطر الفقر بسبب تأثير النزاعات.

ودفعت معدلات الفقر المتزايدة آلاف الأطفال إلى ممارسة أعمال مختلفة، فيما تتحمل آلاف النساء مسؤولية إعالة أسرهن، في ظل ظروف معيشية صعبة وانعدام فرص العمل.