تمثّل الدرّاجات النارية بالنسبة إلى أعضاء فريق "الأنبار بايكرز"، وسيلة تجمع بين هواية الشباب والعمل التطوعي وخدمة المجتمع. ففي الأنبار، تلك المحافظة التي خرجت قبل سنوات من أتون حرب طاحنة بعد سيطرة إرهاب داعش عليها، اتفقت مجموعة من هواة الدراجات النارية على تشكيل فريق خاص بها، ينطلق في رحلات استكشافية. لكن تلك الرحلات شجّعت الفريق على التوجه نحو مخيّمات النازحين والعائلات المتعفّفة وطلبة المدارس، في محاولة لتقديم صورة مختلفة عن هواية قيادة الدراجات النارية. ومن هنا بدأت فكرة أن يتبنى مبادرات إنسانية لإغاثة الفئات الهشة في المجتمع، بتمويل ذاتي ومن خلال تبرعات يتم جمعها من الخيرين والميسورين. في حديث صحفي، يقول أعضاء الفريق ان التجربة التي بدأت انطلاقا من الشغف بالدراجات والترحال، مرّت بسنوات صعبة خلال أحداث عام 2014 وما رافقها من نزوح ودمار، قبل أن تعود الهواية مجدّداً في صورة فريق تطوعي يسعى إلى توظيف طاقات الشباب في أعمال تخدم المجتمع. وخلال السنوات الأخيرة بدأت محافظات ومدن مختلفة تشهد اتساعا ملحوظا ومتناميا في حركة المبادرات والفرق التطوعية، التي باتت تشكل عصب التكافل الاجتماعي الميداني. ولم يعد العمل التطوعي مقتصرا على الإغاثة التقليدية، إنما امتد ليشمل مشاريع تنموية وخدمية كبرى، بدءا من بناء وترميم بيوت الفقراء، وجمع التبرعات المالية لتغطية تكاليف العلاج وإجراء العمليات الجراحية المعقدة للمرضى المعوزين، وصولا إلى التوزيع المنتظم للسلات الغذائية ودعم الطلبة المتعففين لتأمين استمرار مسيرتهم الدراسية.
وبالتوازي مع هذا الجهد الإنساني، برزت فرق تطوعية متخصصة تقود حملات واسعة للتنظيف والتشجير وإعادة تأهيل المساحات العامة لحماية البيئة وتحسين المظهر الحضري للمدن.
ووفقا لمراقبين، فإن هذا الزخم الشعبي الكبير، وتمدد رقعة المبادرات التطوعية وتنوع تخصصاتها، يأتي في المقام الأول كاستجابة حتمية وسدٍّ لثغرات واسعة ومزمنة خلّفها غياب الدور الحكومي، وعجز المؤسسات الرسمية عن تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين وتقديم الخدمات المطلوبة للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
مساعدة المتعففين
كابتن الفريق عبد الله العامري، يقول في حديث صحفي أن فريقه يعمل تطوعياً وبتمويل ذاتي، إلى جانب ما يتلقاه من مساهمات المتبرعين، وانه يشارك في مبادرات تستهدف فئات مختلفة من المجتمع، بالتعاون مع فرق تطوعية أخرى.
ويوضح أنّ "الفريق يهتم بالعائلات المتعففة، لا سيّما التي لا تمتلك معيلاً. حيث يوزع عليها وجبات وسلات غذائية وملابس. كما يدعم بعض المشاريع الصغيرة"، مشيرا إلى أن مبادراتهم تشمل أيضا طلبة المدارس من أبناء العائلات المتعففة. حيث يوفرون لهم ملابس ومستلزمات مدرسية وقرطاسية وغيرها.
ويعود العامري بالذاكرة إلى فترة سيطرة إرهاب داعش على الأنبار عام 2014. حيث نزح أعضاء الفريق وعائلاتهم، وتوقفت نشاطاتهم، ومنها هوايتهم المحببة المتمثلة في الترحال بواسطة الدراجات النارية، منوّها إلى أن الحرب ألحقت أضراراً كبيرة بدرّاجاتهم، فيما تعرضت منازل البعض منهم إلى الدمار بفعل القصف.
جولات توعوية
من جانبه، يرى مساعد كابتن الفريق عمر العامري، أن وجود "الأنبار بايكرز" يمثل فرصة لاستثمار طاقات الشباب واهتماماتهم في اتجاه إيجابي، بدل ترك أوقات الفراغ من دون نشاط. ويقول في حديث صحفي أن الفريق يحاول جذب الشباب إلى هواية الدراجات والسفر والترحال، وتعريفهم بأنواع الدراجات وموديلاتها، إلى جانب تنظيم جولات توعوية بالتعاون مع مديرية مرور الأنبار، مضيفا قوله أن "الجولات التوعوية تتضمن التعريف بقوانين المرور وقواعد قيادة الدراجات، فضلا عما يتعلق بملابس ومعدات السلامة".
ويتابع العامري قوله: "كذلك لدينا نشاطات توعوية بشأن مخاطر المخدرات، ننظمها بالتعاون مع الجهات الأمنية"، مؤكدا أن "هذه النشاطات ساهمت، مع مرور الوقت، في تغيير الصورة الاجتماعية النمطية التي كانت تحيط بسائقي الدراجات النارية، خاصّة تلك الصورة التي ترسخت لدى بعض أفراد المجتمع من خلال الأفلام والمسلسلات، التي كانت تُقدم سائق الدراجة بشكل سلبي".
دعم المشاريع الشبابية
في السياق يقول عثمان الدراجي، أحد أعضاء الفريق، أن نشاطهم التطوعي لا يقتصر على المساعدات الإنسانية المباشرة، إنما يشمل دعم مشاريع الشباب وتشجيع أصحابها على الاستمرار من خلال الزيارات الدورية والمساندة المعنوية. ويشير في حديث صحفي إلى مشاركة الفريق في حملات للتبرع بالمال لمرضى الكلى ومبتوري الأطراف فضلا عن الأطفال المرضى، وذلك بالتعاون مع بعض المنظمات الإنسانية والمتبرعين، مضيفا قوله أن الفريق يساهم أيضا في مبادرات لإكساء الأيتام ومساعدة العائلات المتضرّرة من الحرب وأصحاب الأمراض المزمنة وذوي الدخل المحدود، إلى جانب تنظيم مآدب إفطار في رمضان.
تغيِّر نظرة المجتمع إلى الدرّاجات
مع توسع نشاط الفريق ومبادراته التطوعية لدعم المواطنين، بدأت نظرة المجتمع الأنباري إلى الدراجات النارية وأصحابها تتغيّر تدريجياً - وفق ما يراه مدين عامر، أحد أعضاء الفريق.
إذ يقول في حديث صحفي أن "النظرة التقليدية للدراجة النارية كانت تقتصر على اعتبارها وسيلة نقل، لكن ظهور الفريق بانضباطه وزيه الموحد وتنوع دراجاته وموديلاتها، جعل المشهد مختلفاً ولفت انتباه السكان"، مبيّنا أنه "بمرور الوقت، بدأ بعض الأشخاص يهتمون بفكرة السفر والترحال بالدراجات، فيما أصبح آخرون يلتقطون الصور مع أعضاء الفريق ودراجاتهم، ويقدمون لهم الهدايا التذكارية، في مؤشر على تشكل صورة أكثر إيجابية عن الهواية وأصحابها". ويؤكد أعضاء "الأنبار بايكرز"، أن طموحهم لا يتوقف عند حدود محافظتهم أو العراق فقط. إذ يحلمون بمواصلة الترحال بالدراجات والوصول إلى بلدان مختلفة، على غرار الرحالين في أنحاء العالم. وعن ذلك يقول عامر، أن "الأمن والسلام يمثلان الشرط الأساسي لتحقيق هذا الحلم"، مشيراً إلى أن "السفر خارج العراق يواجه تحديات تتعلق بصعوبة الحصول على تأشيرات الدخول إلى عدد من الدول، فضلاً عن الصعوبات التي قد تواجه العراقيين في إجراءات السفر". ويضيف قائلا أنّ مشاهدة تجارب الرحالين العرب والأجانب، وزياراتهم لبلدان مختلفة ونقلهم تفاصيل رحلاتهم، تزيد من رغبة أعضاء الفريق في مواصلة هوايتهم وتحقيق حلم السفر لمسافات أبعد.