في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، أصبحت مهنة "التاكسي" ملاذا للكثيرين من الباحثين عن لقمة عيشهم. وبينما ازدادت أعداد اللائذين بهذه المهنة، بدأت الشوارع تشهد منافسة محتدمة بين السائقين، ما قلّص كثيرا من فرص الحصول على الزبائن، لا سيما بالنسبة لأصحاب المركبات المتواضعة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت هذه المهنة التقليدية منافسة شرسة غير متكافئة، مع دخول لاعبين جدد إلى المضمار، وفي مقدمتهم موظفون حكوميون وأصحاب سيارات حديثة جاذبة يزاحمون السائق المحترف بعد انقضاء ساعات دوامهم الرسمي، على الرغم من ان غالبية مركباتهم من الصنف "الخصوصي"، غير مسجلة مروريا كصنف تاكسي.
ولا تتوقف معاناة سائقي الأجرة عند حدود المزاحمة الميدانية في الشوارع، إنما تمتد لتلامس عمق الاختلال المالي الواضح بين الطرفين. فأصحاب "التاكسي الأصفر" يجدون أنفسهم محاصرين بين فكي كماشة، فمن جهة تكبلهم الالتزامات المالية الثقيلة من ضرائب سنوية، ورسوم سيادية تفرضها هيئات النقل، فضلا عن وطأة الغرامات المرورية القاسية، ومن جهة أخرى يواجهون منافسة مركبات "الخصوصي" التي تعمل بحرية تامة ودون أي تبعات ضريبية أو قانونية. هذه المعادلة غير المتكافئة ضاعفت من ضغوط المعيشة على السائق المحترف، الذي يرى قوته اليومي يتآكل بفعل مصاريف التشغيل الحكومية، في وقت يتقاسم فيه الموظف المستند إلى راتبه الثابت، الشارع معه، مستفيدا من مركبته الحديثة المعفاة من قيود المهنة ليوجه طعنة مالية لقطاع يعيل آلاف الأسر المعتمدة عليه كليا!
انحسار فرص العمل يدفع الكثيرين إلى مهنة التاكسي
سائق التاكسي أبو سعد، وهو من بغداد ويعمل في هذه المهنة منذ سبعينيات القرن الماضي، يقول في حديث لـ"طريق الشعب"، أنه طوال حياته المهنية لم يعانِ كثيرا مثلما في السنوات الأخيرة، بالرغم من الأيام العصيبة التي عاشها خلال الحروب والحصار الاقتصادي.
ويشير إلى أن سبب المعاناة الحالية هو شح العمل وتقلّص فرص الحصول على الزبائن، موضحا أن "توقف معظم المعامل والمصانع في القطاعين العام والخاص، أدى إلى تسريح جيوش من العاملين، الذين لم يجدوا أمامهم وسيلة عيش سوى مهنة السياقة بالأجرة، الأمر الذي زاد من أعداد السيارات العاملة في هذا المجال، وبالتالي رفع مستوى المنافسة بين السائقين، على الظفر بالزبائن".
ويلفت أبو سعد إلى انه "كنت في السابق أعمل لساعات محدودة أجوب فيها بعض المناطق، فأحصل على أجر يكفيني للعيش بكرامة وسد احتياجات عائلتي. أما اليوم فأنا أخرج بسيارتي منذ الصباح الباكر حتى أوقات متأخرة من الليل، ولا أجني ما يكفيني. إذ يتراوح ما أحصل عليه بين 15 و30 ألف دينار، وهذا المبلغ غير كاف للمعيشة ولتأمين نفقات السيارة التي تحتاج إلى صيانة مستمرة، فضلا عن الوقود".
وإذا كان أبو سعد يعزو تراجع دخله بالدرجة الأولى إلى الضيق العام في سوق العمل، والذي دفع بالآلاف نحو مهنة الأجرة كخيار اضطراري، فإن سائقين محترفين آخرين يضعون الإصبع على الجرح الأساسي للأزمة. إذ يرى هؤلاء أن الانحسار الحقيقي لفرصهم اليومية وتآكل دخلهم لم يعد مجرد نتيجة لكثرة مركبات التاكسي التقليدية في الشوارع، إنما السبب الأكبر يكمن في التدفق الهائل واليومي للموظفين الحكوميين العاملين على سياراتهم الخاصة عقب انتهاء دوامهم، وهو ما حوّل المنافسة من أزمة استيعاب قطاع مهني إلى عراك حقيقي على لقمة العيش!
راتب الموظف لا يكفيه والمهنة الإضافية خياره الاضطراري
في الوقت الذي يرى فيه أصحاب المهنة المحترفون مزاحمة الموظفين على لقمة عيشهم المحدودة تعديا سافرا، يبرز في المقابل وجه آخر للأزمة يحمل طابعا اضطراريا لا يقل قسوة. فالموظف الحكومي الذي يقتحم الشارع بمركبته الخاصة لا يفعل ذلك ترفا، إنما بسبب كونه مدفوعا بخنّاق معيشي حاد فرضته طفرة الغلاء وتآكل القيمة الشرائية لمرتبه الأساسي. وتحت وطأة النفقات المتزايدة التي تبتلع الرواتب في الأيام الأولى من الشهر، من مبالغ إيجارات السكن المرتفعة، وتكاليف خطوط المولدات الأهلية، واشتراكات الإنترنيت، إلى المصاريف اليومية للعائلة، يجد الموظفون أنفسهم مجبرين على تحويل سياراتهم الشخصية إلى تاكسي مؤقت بعد الدوام، كخيار مرير وحيد لتأمين العجز المالي وضمان البقاء فوق خط الكفاف الاجتماعي.
في هذا الصدد، يقول محمد عباس، وهو موظف في وزارة الصناعة والمعادن، أنه يسكن في بيت صغير في منطقة المشتل ببغداد، مقابل بدل إيجار يبلغ 500 ألف دينار، في حين أن راتبه الشهري يبلغ 750 ألف دينار، وهو لا يكفي لتغطية تكاليف المعيشة. لذلك لجأ إلى مهنة التاكسي، باعتبارها خيارا متاحا لزيادة الدخل الشهري والعيش بكرامة.
ويضيف قائلا في حديث لـ"طريق الشعب": "أنا أعلم جيدا أن سائقي التاكسي المحترفين غاضبون من مزاحمتنا لهم في عملهم، وهذا من حقهم، لكن ما العمل إذا كان راتب الوظيفة لا يكفي، بل لا يسد أبسط حاجاتنا المعيشية، خاصة أنني أسكن في بيت مُستأجر؟!".
وينوّه إلى أن "مهنة السياقة بالأجرة متعبة ومشكلاتها كثيرة. إذ تتعرض السيارة للأعطال وتحتاج إلى صيانة مستمرة، والسبب يعود إلى كثرة التخسفات والحفر في غالبية الشوارع، ناهيك عن المخالفات المرورية التي تلحق بالسائقين، سواء كانوا على خطأ أم بسبب الازدحامات التي تجبرهم أحيانا على المخالفة".
تطبيقات التاكسي تُغذي المنافسة
لم تتوقف حدود هذه المنافسة عند العجلات الخصوصية للموظفين وحسب، إنما اتسعت لتصطدم بطوفان التكنولوجيا المتمثل في التطبيقات الذكية لخدمات النقل، والتي اجتاحت الشارع العراقي. إذ يرى سائقون محترفون أن هذه المنصات الرقمية بدأت تسحب البساط من تحت أقدام التاكسي التقليدي، بعد أن فتحت أبوابها لتسجيل آلاف السيارات المدنية الحديثة دون ضوابط صارمة أو رسوم توازي ما يدفعه أصحاب العجلات الصفر. فهذا التحول الرقمي بدأ يعزل السائق التقليدي في الشارع، ويحوّل عملية بحثه عن راكب من جولة ميدانية إلى جريٍ وراء لقمة صعبة المنال، ما أضعف قدرته على الصمود وأدخله في نفق مظلم من الركود وتراجع الدخل اليومي.
عن ذلك يقول عبد الهادي حيدر، وهو سائق تاكسي منذ 15 عاما، انه بالإضافة إلى كونه يعاني مزاحمة الموظفين، بات يعاني خلال السنوات الأخيرة مزاحمة تطبيقات النقل الالكترونية، التي ينتسب إليها الكثير من المركبات الحديثة المكيفة ذات الصنف "الخصوصي"، ما يُغري الزبائن بتفضيلها على المركبات المتواضعة.
ويشير في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن هناك قانونا صادرا عن مديريات المرور لا يجيز عمل أي سيارة خصوصي كتاكسي، عدا السيارات الصفر المسجلة رسميا، مؤكدا أن "هذا القانون لم يطبق بصورة حقيقية، ولهذا زادت أعداد الموظفين الذين يعملون على سياراتهم الخاصة بالأجرة، فضلا عن عمل بعضهم في الشركات ذات التطبيقات الالكترونية".
وينوّه حيدر إلى أن "هذه الأسباب وغيرها، مثل ارتفاع أجور الصيانة وأسعار المواد الاحتياطية، أثرت على عملنا وزادت من معاناتنا".
الفصل العشائري يدفع سائق أجرة إلى ترك مهنته!
إلى جانب الاختناق المالي والمنافسة الشرسة، يواجه سائقو التاكسي يوميا أفخاخا ميدانية تنصبها البنى التحتية المتهالكة وشبكات الطرق المليئة بالتخسفات والمفتقرة لعلامات السلامة. هذا الواقع المروري المتردي، المُعزز بالازدحامات الخانقة التي تبتلع ساعات العمل، يرفع من احتمالات وقوع حوادث السير. وهنا تبرز المعضلة الأشد وطأة. ففي ظل غياب تفعيل سلطة القانون الصارمة وضوابط التأمين، تفرض السطوة العشائرية نفسها كحكم أول في الشارع. إذ يتحول أي حادث مروري بسيط إلى قضية "فصل عشائري" تُثقل كاهل السائق المحترف بمطالبات مالية تعجيزية وفدية باهظة.
يقول سائق تاكسي لـ"طريق الشعب"، انه ترك مهنته بسبب الأعراف العشائرية، مبيّنا أنه "في أحد الأيام صدمت بسيارتي دراجة نارية، وللأسف توفي سائقها على الفور، وحجزت أنا والسيارة لفترة طويلة بسبب عدم تنازل عائلة المتوفى عن القضية. وقد عانيت كثيرا أثناء فترة الحجز، بالرغم من أن السبب كان سائق الدراجة لسيره بالاتجاه المعاكس".
ويضيف السائق الذي طلب حجب اسمه، أنه بعد ذلك تم التنازل عن القضية، بشرط عقد جلسة عشائرية ودفع فصل مقداره سبعون مليون دينار، بعد تدخل شيوخ ووجهاء عشائر أخرى.
ويتابع القول: "منذ ذلك الوقت تركت هذه المهنة التي لم أجن منها سوى التعب والمشكلات"!
ختاما، يتضح أن محنة سائقي التاكسي ليست مجرد نزاع عابر على الزبائن في الشارع، إنما هي مرآة تعكس أزمة بنيوية أعمق. فالإقبال الهائل والمزاحمة الشرسة في قطاع النقل هما النتيجة الطبيعية لغياب السياسات التنموية للدولة، وعجزها عن خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة تمتص جيوش العاطلين، أو تأمين رواتب مجزية تحمي الموظفين من آتون التضخم. وتتضاعف هذه المعضلة بسبب التراخي المؤسساتي في إنفاذ القانون، والتغاضي عن تنظيم الشارع، مع استمرار العجز عن منع مركبات "الخصوصي" من ممارسة مهنة الأجرة بلا رقيب.
ويرى مراقبون أن بقاء الوضع على ما هو عليه، دون حلول تنموية تضمن بدائل للعيش، وتشريعات حازمة تحمي حقوق السائق المحترف والملتزم بالرسوم والضرائب، يعني استمرار الضغط المعيشي على هذه الشريحة، وتحول الشوارع من شريان للاقتصاد إلى ساحة عشوائية تتآكل فيها أرزاق البسطاء!