اخر الاخبار

لم يعد مشهد تربية الحيوانات المفترسة داخل منازل ومزارع خاصة في العراق يثير الدهشة بقدر ما بات يثير الخوف والغضب أيضا، لما يشكله الأمر من تهديد فعلي لحياة الناس. وبينما يعتبر أصحاب تلك الحيوانات تربيتهم لها وسيلة للتفاخر والوجاهة والاستعراض وإبراز المكانة الاجتماعية أو تعبيرا عن هواية، ينظر الأهالي إلى الأمر كمصدر خطر يهدد حياتهم وأطفالهم، لا سيما مع تكرار حالات خروج حيوانات مفترسة إلى الشوارع.

ولا تزال حادثة افتراس أسد لصاحبه، العام الماضي في قضاء الكوفة بمحافظة النجف، حاضرة في أذهان الكثيرين من المواطنين، مقدمة دليلاً على أنّ الحيوانات المفترسة لا يمكن ترويضها بالكامل.

وجاءت حادثة هروب أسدين من مزرعة خاصة في منطقة التاجي شمالي بغداد، إبان تموز الماضي، قبل إعلان السيطرة عليهما بعد أكثر من 24 ساعة، لتعيد الملف إلى الواجهة بقوة. فقد عاش سكان المنطقة المحيطة حالة من القلق والترقب، وفرضت العائلات قيوداً على حركة أطفالها خشية وقوع أي هجوم.

ويلفت اختصاصيون إلى انه من الصعب السيطرة على الحيوان المفترس حتى لو نشأ منذ صغره بين البشر، لأن غرائزه وسلوكه قد يتغيران بصورة مفاجئة، مضيفين القول أنه من الصعب توفير بيئة مناسبة لتلك الحيوانات في المنازل، من أقفاص محكمة ورعاية صحية وبيئية متكاملة.

ويكشف تفاقم هذه الظاهرة عن ضعف الوعي بخطورة التعامل مع الحيوانات البرية المفترسة، واعتبار انها أصبحت أليفة لمجرد اعتيادها على صاحبها.

وتتخذ الظاهرة أحيانا طابعا استعراضيا، مع تداول صور ومقاطع لأشخاص يقتنون أسودا أو نمورا أو فهودا أو ذئابا، ويتعاملون معها كما لو كانت حيوانات أليفة، متجاهلين أن اعتيادها على الإنسان لا يلغي طبيعتها البرية، ولا يضمن السيطرة عليها في جميع الظروف. إذ تتحول لحظة إهمال أو خلل في وسائل الاحتجاز إلى حادث يهدد حياة الناس.

ويشير الاختصاصيون إلى انه مع تزايد الحديث عن هذه الحالات، تبرز الحاجة إلى التعامل مع اقتناء الحيوانات المفترسة بوصفه قضية تتعلق بالسلامة العامة، وليس مجرد هواية شخصية، بما يتطلب رقابة وتنظيما واضحين يحددان الجهات والأماكن المسموح لها بإيواء هذه الحيوانات، ويمنعان تحولها إلى خطر محتمل على السكان.

وعلى الرغم من وجود تشريعات وقرارات تمنع حيازة أو تربية الحيوانات المفترسة والمهددة بالانقراض، إلا أن الظاهرة لا تزال مستمرة في ظل ضعف الإجراءات الحكومية – وفقا لمراقبين. 

وكانت وزارة البيئة قد وجّهت في 17 تموز الماضي، إنذاراً إلى جميع من يمتلكون حيوانات مفترسة أو مهددة بالانقراض مما يحظر القانون حيازتها أو الاتجار بها، داعية إلى تسليمها خلال مهلة مدتها عشرة أيام.

وأكدت الوزارة أنها ستتخذ إجراءات قانونية تشمل المصادرة والإحالة على القضاء بحق المخالفين بعد انتهاء المهلة، مع إعفاء من يبادر إلى التسليم الطوعي من الملاحقة القضائية، استناداً إلى قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009.

ساعات عصيبة في التاجي!

عن حادثة منطقة التاجي، يقول المواطن رحيم الجنابي، أن "الساعات التي أعقبت هروب الأسدين كانت من أصعب ما عاشته المنطقة خلال السنوات الأخيرة. لم يكن أحد يعرف أين يمكن أن يظهر الأسدان، لذلك سيطر الخوف على الجميع، ومنعت العائلات الأطفال من اللعب خارج المنازل، وتجنبت النساء الخروج إلا للضرورة القصوى. كنا نشعر بالخطر في ساعات النهار".

ويضيف قوله أن "الأهالي ظلوا لساعات يتابعون الأخبار في انتظار إعلان السيطرة على الأسدين"، مبيّنا أن "حالة القلق التي سيطرت على الجميع، ليس مبالغا فيها. فالكل يدرك أن أي خطأ بسيط قد يؤدي إلى كارثة قاتلة".

وينوّه الجنابي إلى "إننا لا نعيش في محمية طبيعية حتى تتجول الأسود بين بيوتنا. هذه الحيوانات مكانها حدائق الحيوان أو المراكز المتخصصة، وليس بالقرب من المناطق السكنية أو وسط القرى"، مؤكدا أن "الحادثة زادت من غضب الأهالي تجاه انتشار تربية الحيوانات المفترسة. فسلامة المواطنين يجب أن تكون فوق أي رغبة شخصية في التباهي باقتناء تلك الحيوانات. إنهم يتفاخرون في اقتناء حيوان مفترس ظناً منهم أن ذلك يمنحهم الهيبة والسمعة"!

أسد يفرض حظر تجوال في الكرخ!

لا تزال حوادث هروب حيوانات مفترسة من المنازل، خلال السنوات والشهور الأخيرة، حاضرة بقوة في أذهان الناس. ومن بين تلك الحوادث ما حصل قبل أكثر من عامين في جانب الكرخ من بغداد. حيث هرب أسد من أحد المنازل وصار يتجول في الشوارع، ما أدخل الرعب في نفوس جميع السكان.

وعن تلك الحادثة، تقول المواطنة فيحاء عامر، أنه "ما ان انتشر الخبر حتى بدأ الناس يتبادلون التحذيرات عبر الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت الشوارع شبه خالية، لأن أحداً لم يكن يعرف المكان الذي يختبئ فيه الأسد".

وتتابع قولها في حديث صحفي: "شخصياً فضلت البقاء داخل منزلي، وفرضت على أفراد عائلتي عدم مغادرة المنزل إلا بعد إعلان القبض على الحيوان المفترس. لم أكن أشعر بالأمان طوال فترة هروبه لأن مجرد التفكير في وجود أسد بين المنازل أمر مرعب. لا أستطيع تخيل كيف يمكن لعائلة أن تربي حيواناً مفترساً في منزلها، وفي منطقة تضم المئات من الأطفال وكبار السن".

غضب شعبي

تثير هذه الظاهرة حالة من الغضب والاستياء بين المواطنين، الذين يرون أن اقتناء الحيوانات المفترسة لا ينبغي أن يكون شأنا شخصيا عندما يتعلق الأمر بسلامة الآخرين. وكثيرا ما يُطالب مواطنون في منشورات وتعليقات على مواقع التواصل، الجهات المعنية، بالتدخل لمنع تربية الحيوانات الخطرة في المنازل والأماكن غير المخصصة لها، وتشديد الرقابة على أصحابها.

وفي هذا السياق، يقول المواطن موسى الصالحي، أن "انتشار تربية الحيوانات المفترسة وسط التجمعات السكانية، أصبح مصدر قلق حقيقي للمواطنين. لدينا أطفال يخرجون للعب في الشارع يومياً، ولا يمكن أن نطمئن إذا كنا نعلم أن هناك من يحتفظ بحيوان مفترس داخل منزله".

ويضيف في حديث صحفي قائلا أن "لكل هواية أصولا، وعلى من يهوى تربية الأسود والنمور أن يجهز محمية خاصة بعيدة عن المناطق السكنية، وخاضعة للرقابة الرسمية. هؤلاء الذين يربون حيوانات مفترسة في منازلهم أشخاص لا يعنيهم سوى التباهي"!

وتتفق معه الطالبة الجامعية سارة الحسني, إذ ترى أن "امتلاك الحيوانات المفترسة لا يعكس التميز أو القوة كما يعتقد البعض، بل يعرّض المجتمع كله للخطر. هذه الحيوانات لا يمكن التنبؤ بسلوكها، وأي لحظة غضب منها قد تنتهي إلى خسائر في الأرواح. الكثيرون ممن يقتنون هذه الحيوانات يفعلون ذلك بدافع التفاخر أمام الآخرين، أو نشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي، من دون التفكير في العواقب التي قد يتحملها الأبرياء".

إلى ذلك، يقول المواطن ياسين العقيلي  أنّ "الأمر تجاوز حدود الهواية، وأصبح تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي. ليس من المنطقي أن يخشى الناس التعرض لهجوم من حيوان مفترس يعيش في منزل مجاور أو مزرعة قريبة. نحن نفكر أولاً في سلامة الأطفال، واستمرار هذا الأمر يعني استمرار الخوف، والإجراءات الحكومية الأخيرة الخاصة بتسليم تلك الحيوانات تمثل خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى رقابة صارمة، ومتابعة مستمرة لمنع عودة تجارة الحيوانات المفترسة، ومنع انتشارها في المنازل والمزارع من جديد".