اخر الاخبار

قبيل انطلاق كل عام دراسي، تعود إلى الواجهة أزمة توفير الكتب المدرسية، في مشهد بات يتكرر بصورة تثير تساؤلات الأهالي والمدارس عن أسباب العجز المستمر في تأمين أحد أبسط مستلزمات العملية التعليمية. فبدلا من أن يبدأ الطلبة عامهم الدراسي بمناهجهم كاملة، تضطر عائلات إلى شراء الكتب من المكتبات أو تصويرها على نفقتها الخاصة، فيما يلجأ بعض الطلبة إلى استخدام كتب قديمة أو مشتركة في انتظار وصول النسخ الجديدة، لتتحول مشكلة توفير الكتاب من خلل مؤقت إلى أزمة متكررة تثقل كاهل الأسرة وتربك المدارس منذ الأسابيع الأولى للدراسة.

وبينما كان الطلبة يأملون أن تُحل هذه المشكلة، وإن كان جزئيا، خلال العام الدراسي المرتقب، جاءت وزارة التربية لتصرّح بأن المبلغ المخصص لطباعة الكتب لا يتجاوز نحو ثلث المبالغ التي كانت تخصص لهذا الملف في السنوات السابقة، قياساً بعدد الطلبة، مضيفة في بيان رسمي أن إعادة تدوير الكتب المستخدمة تأتي ضمن إجراءات ترشيد الإنفاق.

غير أن تكرار هذه الأزمة عاما بعد آخر، وما يرافقها من نقص في أعداد النسخ أو تأخر وصولها إلى المدارس وتداول الكتب القديمة والتالفة، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن قدرة الإدارة التعليمية على التخطيط المسبق لتوفير احتياجات ملايين الطلبة، خصوصا أن موعد بدء العام الدراسي معروف مسبقا. فيما لا ينبغي أن يتحول نقص التمويل أو الإجراءات الإدارية إلى عبء يتحمله الطالب أو أسرته – وفقا لمراقبين.

وتأتي أزمة الكتب ضمن سلسلة أوسع من التحديات التي يواجهها قطاع التعليم في البلاد، من نقص الأبنية المدرسية مقارنة بأعداد الطلبة، إلى الاكتظاظ والدوام المزدوج والثلاثي، ونقص بعض الاختصاصات والكوادر التعليمية، وتهالك عدد من المباني المدرسية وتراجع الخدمات الأساسية فيها، بما في ذلك المرافق الصحية والمياه والكهرباء، فضلا عن مشكلات تجهيز المستلزمات التعليمية والمناهج والاثاث.

ويرى المراقبون أن تراكم هذه الأزمات على مدى سنوات جعل العملية التعليمية تعمل في كثير من المناطق تحت ضغط الحاجة المتزايدة إلى المدارس والكوادر والموارد، في وقت يتطلب فيه ارتفاع أعداد الطلبة وتغير احتياجاتهم تخطيطا أكثر استدامة.

ومع استمرار هذه المشكلات، يجد أولياء الأمور أنفسهم أمام أعباء إضافية في كل بداية عام دراسي. إذ لا تقتصر النفقات على القرطاسية والملابس والنقل، إنما تمتد أحيانا إلى شراء أو استنساخ الكتب التي يفترض أن توفرها الدولة مجانا، وهو ما يزيد الضغط على العائلات، لا سيما محدودة الدخل، ويجعل انتظام الطالب في دراسته مرتبطا بقدرة أسرته على سد النقص في المستلزمات المدرسية.

وما أن بدأ العام الدراسي الجديد بالاقتراب، حتى بدأت سوق تجارة الكتب والملازم والمختصرات الدراسية تنشط بشكل واضح. فيما راجت خلال الأيام الأخيرة إعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي، لمطابع كثيرة ومكتبات ووسطاء، عرضوا طبعات للكتب المدرسية وأسعارها، مع خدمة التوصيل إلى المنزل، في خطوة تتكرر كل عام دراسي جديد.

المطابع الأهلية تُغطي عجز الوزارة!

في حديث صحفي، يقول الحاج أبو يحيى العبودي، وهو صاحب مطبعة في شارع المتنبي، أن توفير الكتب في الأسواق يساعد الطلبة على تجاوز الأزمة، مشيراً إلى أن "وزارة التربية تعجز عن توفير الكتب مع بداية كل عام دراسي، وفي حال لم نوفرها، يبقى الطلبة بلا كتب".

ويتابع القول: "نحن لا نستغل الأزمة، بل نغطي جزءا من الخلل التعليمي بتوفير الكتب، ولا شك أننا نحقق أرباحا".

وعلى الرغم من نفي صاحب المطبعة استغلال الأزمة، يثبت الواقع أن هناك استغلالا واضحا لتحقيق الأرباح - بحسب أولياء أمور - لا سيما أن أسعار الكتب مرتفعة، وأن الجهات المعنية لا تفرض أي رقابة على الأسعار. ومما ساهم في ازدهار تجارة الكتب، هو اعتراف وزارة التربية أن الأزمة مستمرة هذا العام، وأنها ستعتمد على تدوير الكتب التي استخدمت في السنوات السابقة. إذ أكد المتحدث باسم الوزارة كريم السيد، في بيان صحفي الجمعة الماضية، أن "المبلغ المخصص لطباعة الكتب لهذا العام يمثل نحو ثلث المبالغ التي كانت تُخصص لهذا الملف في سنوات سابقة قياساً بعدد الطلبة".

هذا التصريح أثار المخاوف من عدم قدرة المدارس على توفير نسخ جديدة كافية لجميع الطلبة، ما جدد مشكلة يواجهها أولياء الأمور والاختصاصيون على حد سواء، مع بداية كل عام دراسي، في ظل استمرار الفجوة بين أعداد الطلبة المتزايدة والكتب المتوفرة، الأمر الذي يجعل الكتاب المدرسي يتحول من حق أساسي إلى عبء إضافي تتحمله العائلات. 

إدارات المدارس في موقع حرج

من جانبه، يقول مثنى المحمدي، وهو مدير إحدى المدارس الابتدائية في بغداد، ان "الإدارات تجد نفسها كل عام أمام أزمة لا تملك حلولا لها. إذ إن كميات الكتب التي تصل في كثير من الأحيان لا تغطي حاجة الطلبة، فيما تكون نسبة من الكتب قديمة وتالفة نتيجة تداولها لسنوات متعاقبة".

ويوضح في حديث صحفي أن "إدارات المدارس تضطر إلى توزيع الكتب وفق آليات مؤقتة أو تأجيل تسليم بعض المناهج لحين وصول دفعات جديدة، وهو ما ينعكس سلبا على انتظام العملية التعليمية منذ الأسابيع الأولى"، مشيرا إلى أن "المعلم يواجه صعوبة في شرح الدروس عندما لا يكون لدى جميع الطلبة نسخا من المنهج".  

نفقات إضافية تُثقل كواهل العائلات

لا تتوقف تداعيات الأزمة عند المدارس، إنما تمتد إلى العائلات التي تجد نفسها مضطرة إلى تحمل نفقات إضافية مع بداية كل عام دراسي، رغم أن الكتب المدرسية يفترض أن توزع مجاناً.

في هذا الصدد، يقول مازن العبيدي، وهو موظف حكومي وأب لطالبين في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة: "اعتدنا منذ سنوات على تخصيص جزء من مصروفنا لشراء الكتب أو تصويرها، لأن انتظار وصول المناهج إلى المدرسة قد يستغرق أسابيع أو أشهرا بعد بدء العام الدراسي، أو انها تصل غير مكتملة أو تالفة".

ويضيف في حديث صحفي قائلا أن "ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة الرواتب يجعل هذه المصاريف عبئا جديدا على العائلات، لا سيما مع شراء القرطاسية والملابس المدرسية وأجور النقل"، مؤكدا أن "الكثيرين من أولياء الأمور لم يعودوا يثقون في إمكانية حصول أبنائهم على المناهج كاملة مع بداية العام الدراسي، لذلك يلجأون مباشرة إلى الأسواق المحلية لضمان عدم تأخرهم عن الدراسة".

وتشهد المكتبات في مختلف المحافظات مع اقتراب كل عام دراسي، إقبالا متزايدا على شراء الكتب المنهجية أو نسخها، وهي ظاهرة باتت تتكرر سنويا بالتزامن مع شكاوى المدارس من نقص الإمدادات الرسمية، ما خلق سوقا موازية للمناهج الدراسية، رغم أن الأصل في توفيرها يقع على عاتق الدولة وبالمجان. ولم تعد أزمة الكتب المدرسية مرتبطة بظرف مالي مؤقت، إنما أصبحت مشكلة هيكلية تعكس غياب التخطيط طويل الأمد لمعالجة أحد أهم ملفات التعليم في البلاد. إذ شهدت الأعوام الدراسية الماضية تكرار شكاوى من قبل إدارات مدارس وأولياء أمور من نقص الكتب في مختلف المراحل الدراسية. حيث واصل آلاف الطلبة دراستهم لشهور قبل تسلّم المناهج كاملة، فيما تسلم آخرون كتبا مستخدمة قديمة وتالفة.