تشهد المؤسسات الحكومية موجة احتجاجات متصاعدة على خلفية تأخر صرف الرواتب، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن أزمة سيولة أثرت في انتظام عمليات التمويل، بينما يؤكد الموظفون أن استمرار التأخير ألحق أضراراً مباشرة بأوضاعهم المعيشية، ودفعهم إلى اللجوء للتظاهر والاعتصام للمطالبة بحقوقهم المالية والإدارية.
وامتدت الاحتجاجات، امس الأربعاء، من وزارة الكهرباء إلى الجامعات الحكومية في بغداد والمحافظات، لتكشف عن اتساع دائرة الأزمة التي لم تعد تقتصر على تأخر الرواتب، بل شملت ملفات العلاوات والترفيعات واحتساب الشهادات، فضلاً عن المطالبة بوضع جدول زمني ثابت لصرف المستحقات الشهرية.
احتجاجات على الرواتب وظروف العمل
ونظم موظفو وزارة الكهرباء تظاهرات احتجاجية واسعة، مطالبين الحكومة بالإسراع في صرف رواتبهم المتأخرة، وإنهاء ما وصفوه بحالة الظلم الإداري والمالي التي يعيشها منتسبو الوزارة، ولا سيما أصحاب العقود.
وأكد مشاركون في الاحتجاجات أن الغالبية العظمى من المتظاهرين هم من موظفي العقود الذين لا يتجاوز راتب الواحد منهم 300 ألف دينار شهرياً، مبينين أن هذه الرواتب تُصرف على شكل دفعات مجزأة بعد أن كانت تُدفع كاملة، الأمر الذي ضاعف من معاناتهم المالية.
وأشار الموظفون إلى أن هذه المبالغ لم تعد تكفي لتغطية متطلبات الحياة الأساسية، من إيجارات السكن وفواتير الخدمات ونفقات الأسرة، في ظل استمرار تأخر الصرف وعدم وجود موعد واضح لإطلاق الرواتب.
ورفع المحتجون شعارات تطالب بإطلاق المستحقات المالية واحترام حقوق الموظفين، معبرين عن رفضهم استمرار الوعود الحكومية التي تتكرر دون تنفيذ، فيما طالب عدد منهم بتقليص ساعات الدوام بسبب ارتفاع تكاليف النقل مقارنة بمستوى الرواتب.
ولم تتوقف مطالب المحتجين عند الجانب المالي، إذ انتقدوا تغيير نظام المناوبات داخل الوزارة، مؤكدين أن الإدارة استبدلت نظام العمل السابق القائم على يوم عمل مقابل ثلاثة أيام استراحة، بنظام يوم عمل مقابل يوم استراحة، وهو ما ضاعف ساعات العمل والجهد البدني والنفسي دون أي تعويض مالي.
الجامعات تدخل على خط الاحتجاج
وبالتزامن مع احتجاجات وزارة الكهرباء، شهدت جامعات عدة وقفات احتجاجية شارك فيها تدريسيوها وموظفوها، شملت جامعات البصرة وديالى وكركوك والكوفة وبابل وعدداً من جامعات بغداد، احتجاجاً على استمرار تأخر صرف الرواتب والمستحقات المالية.
وطالب المحتجون وزارة المالية والحكومة الاتحادية بوضع آلية تضمن انتظام صرف الرواتب شهرياً، مؤكدين أن استمرار التأخير أربك التزاماتهم المالية، وأجبر عدداً كبيراً منهم على الاستدانة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وأكد موظفون في جامعة ديالى أن الرواتب كانت تُصرف في وقت مبكر من كل شهر، إلا أن موعد الصرف أخذ يتراجع تدريجياً، الأمر الذي تسبب بأزمة مالية حقيقية للموظفين الذين يعتمدون بالكامل على رواتبهم لتغطية نفقات السكن والمعيشة والأقساط.
وفي جامعة كركوك، طالب المحتجون بإطلاق المستحقات المالية المتراكمة واحتساب الشهادات العلمية وفق التعليمات النافذة، مشددين على ضرورة احترام الحقوق الوظيفية للعاملين في المؤسسات الأكاديمية.
كما لوّح عدد من المحتجين بالتصعيد عبر تنظيم اعتصامات مفتوحة في حال استمرار تأخر الرواتب وعدم الاستجابة لمطالبهم.
تأخير تجاوز 45 يوماً
وفي جامعة البصرة، نظم التدريسيون والموظفون وقفة احتجاجية أمام رئاسة الجامعة للمطالبة بإطلاق الرواتب ووضع جدول زمني ثابت لصرفها، إلى جانب حسم ملفات العلاوات والترفيعات واحتساب الشهادات وصرف المستحقات بأثر رجعي.
وأكد عدد من الموظفين أن رواتبهم التي كانت تُصرف في السادس عشر أو السابع عشر من كل شهر أصبحت تتأخر إلى ما بين 45 و50 يوماً، فيما لم يُصرف حتى الآن راتب شهر تموز، الأمر الذي تسبب بضغوط معيشية كبيرة.
وأشار رئيس نقابة الأكاديميين/ فرع البصرة إلى أن موظفي الخدمة الجامعية يعتمدون بشكل كامل على رواتبهم لتأمين احتياجات أسرهم، مؤكداً أن استمرار التأخير يفاقم الأوضاع الاقتصادية لشريحة واسعة من العاملين.
اعتصام في جامعة واسط
وفي محافظة واسط، اعتصم عدد من منتسبي الجامعة أمام البوابة الرئيسية، مطالبين بإلغاء الفقرة العاشرة من تعميم وزارة المالية، واحتساب الخدمة والشهادة والترفيعات والعلاوات ضمن راتب شهر آب، فضلاً عن اعتماد السادس عشر من كل شهر موعداً ثابتاً لصرف الرواتب.
كما طالب منتسبون في جامعة البصرة وزارة المالية بإعادة النظر بقرار إلغاء محاضر الترفيع والعلاوة والترقية، معتبرين أن إعادة الموظف إلى درجة وظيفية أدنى يمثل مخالفة قانونية تستوجب تدخلاً عاجلاً من رئاسة الوزراء.
السليمانية.. احتجاجات على شح المياه
وفي إقليم كردستان، نظم أهالي منطقة رابرين في محافظة السليمانية وقفة احتجاجية للمطالبة بإنهاء أزمة شح مياه الإسالة التي تتكرر سنوياً.
وأوضح المحتجون أن المياه لا تصل إلى المنازل إلا مرة واحدة كل ستة أيام، وفي كثير من الأحيان بكميات لا تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية، الأمر الذي أجبر مئات العائلات على شراء صهاريج المياه رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.
وأشاروا إلى أن أكثر من 400 منزل وقعوا عريضة للمطالبة بحل جذري للأزمة، مؤكدين أن توفير مياه الشرب مسؤولية حكومية وليست عبئاً يتحمله المواطن.
عمال جباية الكهرباء يطالبون بالتثبيت
كما نظم عمال جباية العدادات في مديرية كهرباء السليمانية وقفة احتجاجية للمطالبة بتحويلهم من نظام الأجور اليومية إلى عقود رسمية.
وأكد المحتجون، الذين يبلغ عددهم نحو 650 عاملاً، أنهم يعملون منذ أربع سنوات في تحصيل الإيرادات، مطالبين أيضاً باعتماد مؤهلاتهم العلمية عند تثبيتهم، ملوحين بالتصعيد عبر الاعتصام والتوقف عن العمل إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم.
بنجوين.. اعتراض على مشروع "روناكي"
وفي قضاء بنجوين في المحافظة ذاتها، تواصلت الاحتجاجات الرافضة لتطبيق مشروع "روناكي" الخاص بتجهيز الكهرباء على مدار 24 ساعة.
وأغلق المحتجون عدداً من الأسواق ومنعوا الفرق الفنية من مواصلة أعمال نصب المقاييس ومد الوصلات الكهربائية، مطالبين بإيقاف تنفيذ المشروع إلى حين الاستجابة لمطالبهم وإعادة النظر بآلية تطبيقه.
المحاضرون المجانيون يصعّدون
وصعّد المحاضرون المجانيون في محافظة كركوك، احتجاجاتهم للمطالبة بتثبيتهم على ملاك الدولة واستثنائهم من عقود الـ7000 درجة وظيفية، ملوحين باعتصام مفتوح لحين الاستجابة لمطالبهم، وذلك في ظل الأزمة المالية التي تشهدها البلاد وتأخر صرف رواتب الموظفين.
وتجمع المحتجون أمام مبنى المحافظة، رافعين علماً عراقياً بطول 20 متراً، مؤكدين استمرار حراكهم الذي يمتد منذ سنوات للمطالبة بإنصافهم، بعد أن واصلوا التدريس من دون أجر.
وقال المحاضر المجاني لطيف جاسم إن المحاضرين باشروا العمل في مدارس كركوك قبل ست سنوات، ويؤدون واجباتهم بواقع 13 حصة أسبوعياً أسوة بالملاك التعليمي، من دون تقاضي أي مستحقات مالية، مشيراً إلى أن بعضهم يتحمل أجور النقل التي تصل إلى 200 ألف دينار شهرياً من ماله الخاص.
بدوره، أوضح ممثل المحاضرين المجانيين، رياض العزاوي، أن المحتجين يطالبون باستثنائهم من عقود المحافظة أسوة بالمحافظات التي شملت محاضريها بالاستثناء، لافتاً إلى أن درجات التعيين البالغة 7000 درجة ما تزال معطلة بسبب الخلافات السياسية، ما حرم آلاف الخريجين من فرص التعيين.
وكان المحاضرون المجانيون قد نظموا تظاهرة مماثلة في 26 تموز الماضي، مطالبين بالإسراع في حسم ملف تعيينهم واعتماد آلية مماثلة لما جرى في محافظات بغداد وواسط وكربلاء والنجف وصلاح الدين وديالى.