لا يختلف اثنان على أن أصل الأزمة الاقتصادية في العراق خلال ما يزيد على ثلاثة عقود يرجع إلى أن الحكومات المتعاقبة بعد عام2003 قد ركزت على قطاع الطاقة البترولية وأهملت قطاعات الإنتاج الأخرى وأوقعت نفسها في أزمات متلاحقة وراحت تبحث عن حلول أحلاها مر، وخصوصا عندما تتفاقم مخاطر قطاع الطاقة بسبب كونها سلعة تتحرك مع القطاعات الأجنبية المعرضة في غالب الأحيان بتأثير الأزمات الجيوسياسية وانعكاساتها على أسعار الطاقة وتوقف سلاسل التوريد.
إن الحديث عن الاستثمار لا يعني انكفاء الدولة عن دورها المباشر في الاستثمار، ففي بلادنا ولعوامل تاريخية ولطبيعة الاقتصاد المختل يكون للدولة الدور الأكبر في عمليات الاستثمار المباشر بسبب ضعف إمكانيات القطاع الخاص وغياب العوامل الجاذبة للاستثمار الأجنبي، ولكون الدولة بما تتوافر لديها الموارد المالية تعتبر الأكثر قدرة في ممارسة عمليات الاستثمار فقد بلع مجموع مبالغ الموازنات السنوية أكثر من تريليوني مليار دولار للفترة 2003—2020، واذا فترضنا أن التخصيصات الرأسمالية تشكل 25 في المائة من مجموع الإنفاق العام في الموازنات السنوية فإن إجمالي التوظيفات في قطاع الاستثمار يصل إلى أكثر من 400 مليار دولار وتخرج من خططها تلك المنجز اكثر من 6 آلاف مشروع معطل يصاحب ذلك تعطل المصانع الحكومية.
ومن جانب آخر فقد عمدت الدولة كجزء من رؤيتها الاقتصادية إلى توسيع قاعدة الجهاز الإداري وانفاقه الاستهلاكي ورفعت من مستوى الدخول مع ما صاحب ذلك من البذخ في الإنفاق خارج نطاق الانتاج من فيض في سيارات النقل الخاص ومخصصات ما انزل الله بها من سلطان وحصرها في دوائر معينة ميدانها الرئاسات الأربع والأمانة العامة لمجلس الوزراء والعديد من الوزارات والإيفادات وأكثرها للأغراض السياحية بحجج التدريب وتحويل الطلب الناتج عن مضاعفة القوة الشرائية نحو الجانب الاستهلاكي التي عبرت عنه نافذة البنك المركزي حيث زادت مبيعات البنك المركزي للقطاع التجاري الخاص اكثر من 300 مليار دولار لغاية عام 2017 مثلا حيث جرى التركيز على استيراد البضائع الاستهلاكية الرديئة مما ادت إلى تدوير الجزء الاعظم من الموارد النفطية إلى الخارج.
إن التقارير الدولية لم تكن بعيدة عن الاهتمام بما يجري في الاقتصاد العراقي وحين تدخل في مناخ الاستثمار في العراق لعام 2026 تخلص فيه إلى أن الفساد والبيروقراطية وضعف التمويل والتحديات الأمنية تعتبر المعوقات الأساسية أمام الاستثمار وبالتالي فأنها تفقد الفرص الأساسية في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة والتكنولوجيا فما ذا يبقى أمام الاقتصاد العراقي وهو يفقد هذه الفرص؟ مما يقتضي من السلطات العراقية إلى التنبه إلى مخاطر المعوقات المذكورة والعمل بإرادة قوية لإزالتها وحيث أن الفرص لا تقتصر على الطاقة ولكنها تشمل الزراعة والصناعة السياحة والصحة والتعليم والخدمات الرقمية إلى جانب مشاريع النقل والخدمات اللوجستية ويستفاد من تلك التقارير إلى أن العراق استورد بضائع أمريكية شملت المنتجات الزراعية والآلات والسلع الاستهلاكية والطائرات والمعدات الدفاعية بقيمة 1.7 مليار دولار خلال عام 2025، ولا شك أن هذه المعلومات غير متاحة للعراقيين على الرغم من أهمية الاستثمار الأجنبي في ظل وجود خطط حكومية مدروسة بأعلى المقاييس الوطنية في حماية استقلالية الاقتصاد العراقي.
وخلاصة القول إن عملية الإنتاج تنمو بوتيرة أسرع إذا ما جرى الاتساق بين الاستثمار المحلي والاستثمار الأجنبية خاصة وأن العراق يمتلك مقومات مهمة لاستنهاض الاستثمار الوطني وجذب الاستثمارات الأجنبية، في تقرير بشأن مناخ الاستثمار في العراق لعام 2026، خلص إلى أن الفساد والبيروقراطية وضعف التمويل والتحديات الأمنية تتصدر معوقات الاستثمار، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة والتكنولوجيا تبرز في مقدمة الفرص المتاحة اذا ما وفرت الحكومة الضمانات الأمنية من الانشطة الإرهابية والميليشيات المسلحة مستفيدا من موارده الطبيعية وحاجته إلى تحديث البنية التحتية وتنويع الاقتصاد عبر تصفية الفساد بكل اشكاله وتبسيط الإجراءات الحكومية وتعزيز استقلالية القضاء.