كم كان منعشاً خبر منح جائزة نوبل للآداب إلى الروائية الكندية آن كارسون، وجائزة نوبل للسلام للمناضلة الأفريقية نافي بيلاي، فقد تيقنت ثانية، وأنا أسمع الخبرين، أن المرأة ليست نصف الحكاية، بل هي السر الذي يهب الحكاية ألقها، فينير دروباً غشيت عنها الأبصار، منذ انتهى عصر الأمومة وسرقت الطبقية المشؤومة آدمية البشر.
لم يكتب النقاد يوماً عن الاتجاه الفكري لكارسون، ولم يعرف أحد إن كانت قصائدها قد تأثرت بماركس، الذي كتبت عنه في "الاقتصاد غير المفقود"، أو سبرت خبايا "الرواية التاريخية" لجورج لوكاتش. لكن نتاجاتها العظيمة قدّمت، في ظني، خدمات لليسار، فكراً وحركة تغيير، مذ اختبرت الأزمة من داخل التجربة الإنسانية نفسها، ووظفت المأساة الإغريقية والأساطير القديمة في فضح العلاقة بين الرأسمالية والألم والفقد والاغتراب، وكشْف دورها البشع في تشويه الإنسان وجعله عاجزاً عن الحب والتواصل وفهم ذاته. ويبدو أن الناقدة جيني هوغستروم كانت على حق حين قالت إنها وجدت أخيراً شخصاً يستطيع الكتابة عن النظرية الماركسية بأسلوب جيد وحرّ.
ولم يقتصر انحياز كارسون الخفي إلى جوهر اليسار على تحويل الألم الفردي إلى سؤال اجتماعي، بل تجلّى أيضاً في محاولاتها انتشال قواه من صحارى التقليد الموحشة، ودعوتها لفهم العالم بطريقة مختلفة، واكتشاف معانٍ جديدة في أشياء كانت تبدو لها مفهومة، من دون أن تمنحها عزاءً فكرياً جاهزاً، على حد تعبير الناقدة السويدية أنا هالبيرغ.
جائزة نوبل للسلام مُنحت لمناضلة متميزة من أجل العدالة والحرية، هي نافي بيلاي، التي ولدت في جنوب أفريقيا من أصول تاميلية، وعاشت تحت نير نظام الفصل العنصري، وفي مجتمع تُوزَّع فيه الحقوق والفرص وفق لون البشرة. لكنها اجترحت المأثرة مذ كانت يافعة في الخامسة والعشرين، في حملات الدفاع عن المعتقلين السياسيين والمعارضين، وفضح الانتهاكات التي يتعرضون لها. ونجحت، وإن بشق الأنفس، في تحويل القانون من أداة بيد الطبقات والقوى المهيمنة إلى ساحة لمقاومتها وانتزاع الحقوق من بين مخالبها. وحين انتصر الشعب في بلادها، تبوأت بيلاي عضوية المحكمة العليا، ثم اختيرت للعمل في القضاء الدولي لمكافحة مجرمي الحرب في رواندا وفلسطين، واختتمت حياتها العملية مفوضة سامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
انحياز بيلاي كان أكثر وضوحاً، إذ تجسدت يساريتها بمواجهة باسلة مع مرتكبي الجرائم تحت يافطة الدولة والسيادة والدين، وبفضحها الجريء لعجز القانون عن تحقيق العدالة طالما بقي ذليلاً امام الاستغلال والتفاوت الطبقي، وبدعوتها الواضحة لتحطيم كل البنى التي تعيد إنتاج التمييز، وإحلال بُنى جديدة محلها، تتيح للناس العيش بكرامة وتحمي إنسانيتهم.
وتمثلت يساريتها أيضاً بكفاحها لإحياء القوانين الدولية التي ترفض إفلات المجرمين من العقاب، وبدفاعها عن قيم سخّر اليمين القومي العنصري، بدءاً من ميلوني وانتهاءً بترامب، الكثير من المال ووسائل الدعاية والتضليل من أجل خنقها وطي صفحتها إلى الأبد. كما نجحت في تعزيز قناعة الناس بأن المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الجرائم ضد الإنسانية لا تنتهي بإدانتها، وإنما بخلق بيئة تمنع تكرارها، وتحفّز على التحرك السريع عند ظهور مؤشرات خطيرة تنذر بقرب حدوثها.
ورغم اختلاف نشاط السيدتين، فقد شكّلتا ثنائية يسارية، مخفية ومعلنة، منحت الإبداع عمقه الأصيل، وأظهرتا تشابهاً في الإنصات إلى الإنسان في اللغة والأسطورة وساحات العدالة، وفي العمل على حماية حقه في أن يُفهم ويُنصف. وستبقى سيرة بيلاي والعوالم الساحرة لأعمال كارسون هوية زمن رفض أن تكون الكرامة فيه مؤجلة، أو أن يبقى العالم في قبضة طغاة مخبولين.