في تقريرها، بمناسبة انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لهذا العام، كشفت منظمة "أوكسفام" عن زيادة ثروات 3000 ملياردير في العالم، بنسبة 16 في المائة، لتصل إلى 18.3 تريليون دولار، أي بزيادة قدرها 2.5 تريليون دولار خلال عام واحد، مشيرة إلى تزامن ذلك مع قسوة ما تعانيه قطاعات واسعة من البشر، حيث يعيش قرابة نصفهم في فقر مدقع، ولا يحصل ربعهم على ما يكفيهم من الغذاء.
تراكم الثروات هذا بيد واحد من كل 100 ألف إنسان (هناك 12 شخص منهم يمتلكون أكثر مما يمتلكه نصف البشر) أفضى إلى تعمّق اللامساواة، ومضاعفة هيمنة الشركات العملاقة على الحكومات والمؤسسات التشريعية والقضائية والإعلامية، وتسخيرها لكل المنجزات العلمية والتكنولوجية في خدمة مصالحها، عبر احتكار الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وتمويل الحملات الانتخابية والجهات السياسية وجماعات الضغط ومراكز الأبحاث والدراسات، وعبر التأثير في التشريعات والتنظيمات.
ومع اشتداد هذه الهيمنة، باتت الحريات العامة والتعددية الإعلامية، وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، وقدرة الحركات المناهضة للرأسمالية على الوصول إلى الجمهور، أشبه بأضغاث أحلام، وهو ما أكده تقريرFreedom House لعام 2026، حين وجد أن حرية الإعلام والتعبير، التي تراجعت في 54 دولة، كانت من أكثر الحريات تدهوراً خلال العقدين الماضيين. وكذلك ما كشفته إجراءات الرأسماليين ضد الثقافة الروسية عند اختلافهم مع بوتين، أو حين اعتبروا التضامن مع أطفال غزة المذبوحين "جريمة" لا تُغتفر.
كما قوضت هذه الهيمنة حقوق العمال وسائر الكادحين. ففيما ارتفعت أجور كبار مديري الشركات بنسبة 54 في المائة خلال السنوات السبع الماضية، وحصل ألف مليونير على أرباح تصل إلى 2500 دولار في الثانية، انخفظت الأجور الحقيقية للشغيلة خلال نفس الفترة بنسبة 12 في المائة. وبعد فرض هذه الطغم المالية سياسات ضريبية تُلقي بعبء النفقات على الطبقات الوسطى والدنيا، تدهورت مداخيل الحكومات الرأسمالية خلال الأربعين سنة الماضية بنسبة 50 في المائة، مما أضعف قدرتها على تخفيف حدة التفاوت الطبقي، صيانة لما يسمى بالسلم الأهلي.
ولا تختلف الصورة في بلادنا، لا في الأسباب ولا في النتائج. فرغم عدم وجود عدد كبير من المليارديرات (يقال إن عددهم 16 واحداً فقط)، فإن ترابط الريع النفطي، وهيمنة البيروقراطية، والاقتصاد غير الرسمي، والفساد، والمحسوبية، أنتج تركّزاً في النفوذ، إذ تشير بيانات World Inequality Database إلى أن واحد في المائة من العراقيين يمتلكون حوالي 41 في المائة من صافي الثروة، في الوقت ذاته الذي تتوفر فيه لهؤلاء فرص رحبة للوصول إلى الموارد الاقتصادية الأساسية، مثل النفط والأراضي والعقود وغيرها، مقابل تقلص قدرة ثلثي العراقيين، ممن لا يملكون دخلاً مستقراً وتعليماً وشبكة علاقات، على المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاقتصادية. وكشفت البيانات ذاتها أن البلاد حققت صفراً من 4 على مؤشري استقلال القضاء وضمان المساواة في المعاملة، و1 من 4 على مؤشر المساواة في الفرص والحرية من الاستغلال الاقتصادي، مما يجدد التأكيد على أن التفاوت الاجتماعي والاقتصادي يبقيان، أسوة بالعالم، أبرز العوائق امام بناء نظام ديمقراطي يجمع بين الحريات السياسية والعدالة الاجتماعية.
وإذا كان بديهياً أن يؤدي اتساع التناقضات الاجتماعية وتقليص الحريات وغياب العدالة إلى تنامي قوة اليسار وتنظيمه وتأثيره، وهو ما نشهده مؤخراً في بلدان عديدة، فإن قدرتنا على تحويل هذه التناقضات من وقائع اجتماعية متفرقة إلى وعيٍ وتنظيمٍ ومشروعٍ فاعل، تبقى بحاجة لبحث واهتمام معمقين، ينيران حلكة العتمة، كي ينبلج فجر الخلاص.