لم يعد الفساد في العراق ظاهرة عابرة او فردية او يتخذ شكلا محددا ونمطا معينا، بل تحول الى ظاهرة مركبة بنيوية تمس الدولة والمجتمع. وهناك إقرار يقترب من الاجماع بانه اصبح من اخطر التحديات التي تواجه الدولة.
نعم، الحكومات المتعاقبة كلها ربما، كانت تعلن حملات على الفساد ويقول القائمون عليها ان معركتهم ضده لا هوادة فيها، وانها ليست انتقائية، ولا تمييز بين الفاسدين امام القانون. ولكن بقي السؤال الملح: هل حقا تشمل مكافحة الفساد الجميع، ام ان الحملات، بضمنها الراهنة، تتحرك وفق مسارات محددة سلفا وعلى وفق النفوذ والقوة ؟
هذا السؤال لا يتقاطع مع القول بان العراق شهد حملات وإجراءات عديدة لمكافحة الفساد، وان هيئة النزاهة والقضاء والأجهزة الرقابية تعلن بين فترة وأخرى عن ملفات واحالات واحكام تتعلق بالاختلاسات والرشى وسوء استخدام المال العام. ومثل هذه الإجراءات، واكثر منها بات مطلوبا جدا بالنظر للحجم الكبير للظاهرة متعددة التجليات، بما فيها شكلها الابسط حيث يجبر المواطن على دفع الرشى لانجاز المعاملات في دوائر الدولة. وفي إحصائية حديثة لها قالت وزارة التخطيط ان ٢٥ في المائة من المواطنين لجأوا الى ذلك.
نعم، تعلن حملات، لكن التساؤلات الكبيرة تظل قائمة عن مدى الجدية في ذلك؟ وإزاء كثرتها وتكرارها فان المواطن لا يريد سماع المزيد من البيانات والاعلانات والتأكيدات، بل هو ببساطة يريد بالملموس دليلا قاطعا على ان لا احد فوق القانون، أيا كان موقعه الوظيفي، او السياسي ، او الديني ،او العشائري والاجتماعي ، وايا كانت الجهات التي تقف خلفه وتوفر الحماية له .
من دون تحقيق ذلك وسريانه على الجميع يصبح الحديث عن مكافحة الفساد موضع تساؤل وحتى شك. فالمعركة الحقيقية ضد الفساد تبدأ عندما تكون الدولة قادرة على تفكيك شبكات الفساد مهما كانت مواقع أصحابها. والمفترض أيضا ان لا تسقط ملفات الفساد بالتقادم وان لا تقتصر على استعادة الأموال المنهوبة والمسروقة، فالتصدي يجب ان يشمل أسباب ودوافع هذا التفشي غير المسبوق، والذي قد ينفرد العراق به، نظرا لسعته وتشابك مصالح عدة لادامته ،وتسخير إمكانات الدولة له، وتوفير القوة لحمايته.
وهنا طبعا لا يدور الحديث عن كل موظف ومسؤول فالتعميم خاطيء ، ولكن طبيعة النهج المتبع في إدارة الدولة وماهية المنظومة السياسية المتنفذة ، وحالة التخادم بين المتنفذين وتداخل المصالح واعتماد معايير لا صلة لها بالكفاءة والنزاهة والقدرة الفعلية على العمل، يخلق بيئة قابلة لان ينتشر فيها الفساد وينمو، وتصبح هناك خطوط حمراء، شاء من شاء وابى من ابى. لذا لا يمكن فصل عملية مكافحة الفساد عن عملية إصلاحية تغييرية حقيقية شاملة، تمس جوهر البناء السياسي للحكم وطريقة والية إدارة الدولة وبناء مؤسساتها ، وهذا هو الطريق المطلوب. ويخطيء من يعتقد بان ذلك يضعف الدولة ، فالامر معكوس تماما ويقود الى تقويتها وتمكينها من الوصول الى الجميع، من دون حواجز ومعوقات أيا كان شكلها ولونها ، ومن اية جهة جاءت .
فبلدنا بحاجة الى ادارة تمتلك إرادة حقيقية، وتعمل وفق ضوابط تقول بان لا حصانة سياسية امام القانون، ولا ملف فساد يغلق بسبب نفوذ صاحبه ومكانته وعمره ووضعه الاجتماعي، ولا تعطل الإجراءات القانونية لان متهما ما ينتمي الى جهة نافذة. وتحقيق ذلك يفرض ايضا ان توفر كل الظروف للأجهزة الرقابية والقضاء، للعمل باستقلالية وحيادية تامتين ، بعيدا عن اية ضغوط .
نخلص الى وجوب الا تكون هناك انتقائية في تطبيق القانون، الذي يتوجب ان يكون فوق الجميع، ويخضع له بالحق الجميع.
وأخيرا، لابد من ادراك حقيقة انه مع تفشي الفساد، يصعب الحديث بل ويكاد يستحيل، عن اية تنمية وبناء وتقدم، وعن أي استقرار وأمان .