اخر الاخبار

كم ضحية يتطلب الأمر لتدركوا أن قانون الحماية من العنف الأسري ليس ترفاً تشريعياً؟ يضع الشارع العراقي اليوم مجلس النواب أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية، مع استمرار تعطيل «قانون الحماية من العنف الأسري» وتحويله إلى ورقة للمساومات السياسية، رغم تعاظم الجريمة الأسرية وتحولها إلى أزمة أمن مجتمعي تهدد السلم الأهلي.

تأتي الأرقام الرسمية والحقوقية لعامي 2025 و2026 لتكشف عن نزيف إنساني يستصرخ الضمير. فوفقاً لتقرير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، قفزت حالات العنف الأسري المسجلة عام 2025 إلى 36,289 حالة، بنسبة ارتفاع تجاوزت 150 في المائة. وتصدر اعتداء الأزواج على الزوجات القائمة بـ 19,587 حالة، يليه اعتداء الزوجات بـ 5,918 حالة، فضلاً عن تسجيل 3,112 حالة اعتداء من الأبناء على الوالدين. واستمر هذا المنحنى التصاعدي في عام 2026، إذ سجلت وزارة الداخلية 7,000 حالة في الربع الأول وحده.

وتؤكد الأوساط الحقوقية أن هذه الأرقام ليست سوى «قمة جبل الجليد» بسبب تكتم آلاف الضحايا خوفاً من الفضيحة أو الانتقام. ورغم هذا الخطر الداهم، يظل القانون أسيراً في أدراج مجلس النواب، مكبلاً بتجاذبات سياسية وهواجس ثقافية عقيمة.

إن استمرار هذا الفراغ التشريعي ليس مجرد تأجيل لورقة قانونية، بل هو ضوء أخضر غير مباشر لاستمرار الانتهاكات وإفلات الجناة من العقاب تحت مظلة القانون والنفوذ العشائري، إذ يبقى التشريع حبيساً خلف ثلاثة جدران: أولاً، المادة 41 من قانون العقوبات العراقي، التي تمنح الزوج والأب «حق تأديب» الأسرة، وتُستغل كغطاء قانوني لإفلات مرتكبي جرائم العنف المنزلي. ثانياً، المخاوف السياسية والثقافية الواهية من «تغريب المجتمع» وتفكيك سلطة رب الأسرة، متذرعين باتهامات مسيئة للمدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتشويه دور المنظمات النسوية المطالبة بضرورة الإسراع بهذا التشريع. ثالثاً، الخلاف حول إنشاء «الملاذات الآمنة» وحمايتها، رغم إدراك الجميع بأهميتها.

وتتجسد تداعيات هذا الفراغ التشريعي في كوارث مجتمعية ملموسة، أبرزها ارتفاع معدلات الانتحار، حيث سجلت الأشهر الستة الأولى من عام 2026 وحدها 617 حالة انتحار ترتبط مباشرة بالتعنيف المنزلي، إلى جانب هيمنة «الصلح العشائري» الذي يجبر الضحية على العودة إلى جلادها، ونشأة جيل مشوه يعيد إنتاج العنف مستقبلاً.

وللخروج من هذا النفق، وانطلاقاً من مسؤولية العراق كدولة عليها مراعاة توصيات لجنة مكافحة كافة أشكال العنف والتمييز الموجّه ضد النساء والفتيات، يتعين على المشرّع العراقي تفعيل خارطة طريق حازمة تشمل تعديل المادة 41 لضمان عدم استغلالها، وتبني تعريف شامل للعنف، وإلزام الحكومة بإنشاء ملاذات آمنة رسمية في كل محافظة، مع تفعيل أوامر الحماية القضائية العاجلة، وتخصيص محاكم أسرة مؤهلة وبسرية تامة.

إن حماية العائلة لا تكمن في التستر على جلادها، بل في إنقاذ ضحيتها. والأرواح التي تُزهق خلف الجدران لن تنتظر حسم المساومات والحسابات السياسية، وحان الوقت ليدرك المشرّع أن كل يوم يتأخر فيه إقرار هذا القانون هو تفويض رسمي باستمرار الجريمة.