"حزمني إحزام وياك حكنه إنجيبه".. أهزوجة صدحت بها حناجر طالبات شاركن في احتجاجات البصرة يوم 18 شباط 2020 ، ووثَّقها كما الآلاف غيرها من الأهازيج الثورية للمرأة العراقية ، بجانب ما لا يحصى من الأمثال الشعبية الأخرى، وضمّنها أربعة عشرمجلدا، نشر منها حتى الآن عشرة فقط.
إنه الأديب والكاتب الصحفي حسين العامل من أهالي الناصرية، يروي حكاية شغفه بجمع التراث الشعبي، ويرجعه لأسباب سياسية. يقول:"في العام 1979 أثناء الهجمة العدوانية الشرسة على كوادرنا في الحزب الشيوعي، كنت ناشطا في اتحاد الطلبة، وفُصلت حينها من المدرسة ، واضطررت للاختباء في البيت لسنوات خشية التعرض للملاحقة والاعتقال. وفي بيئتنا الريفية كان والدي كثيرا ما يعزز حديثه بالأمثال الشعبية، ومعروف أن المثل "ابن الحاجة لغرض الإقناع" كما يقال". ويضيف: "يوميا كنت أسمع كما هائلا منها، اغلبه غير مدون ولا معروف. فبدأت بتسجيلها وجمعها شيئا فشيئا، وبمرور الوقت ومنذ 45 سنة أصبح لدي كم هائل منها، ثم تطورت مصادرها من المحيط الاجتماعي والعملي مع التراكم المعرفي حتى صارت لدي حصيلة مؤلفة من سبعة آلاف مَثل لغاية عام 2012".
لم يكتف العامل بجمعها بل سعى إلى تحقيقها ودراسة ظروف إطلاقها ومناسباتها، وتعزيز معاني مفرداتها. طرق أبواب دور النشر من اجل ان ترى النور في مجلدات تليق بها، فرفض أغلبها بسبب ضخامة المحتوى وعدد الصفحات. غضب واحتد حتى هدد بحرقها حين بلغ مرحلة من اليأس. فتناخت له في البدء شبكة الإعلام العراقي وطبعت المجلد الأول والثاني، ومن ثم تناخى له الخيرون من الأصدقاء وتعاونوا على إصدار بعض مجلدات أخرى على حسابهم الخاص، كذلك نشر ثلاثة أجزاء من كتاب "أهازيج الإعراس" عن دار الشؤون الثقافية. ركز على أمثال مدينته الناصرية نظراً لتنوعها المدهش ببيئاتها الأربع: الأهوار، والحضر، والريف، والبادية. ولكل بيئة منها خصوصية ومفردات معينة، فالماء والقصب والسمك لا تدخل مفرداتها مثلا في أمثال البادية. هذا إلى جانب عراقتها، إذ ما زالت تحتفظ بمفردات سومرية وأكدية في أمثال دارجة، تتضمن بعضها مفردات مهددة بالانقراض.
وتطور عمله ليتناول جوانب متنوعة، منها "الأمثال السومرية المقارنة" الذي يقارن أمثال السومريين الأجداد بما يناظرها في 20 بلدا عربيا، وأهازيج الحركة الاحتجاجية، وأغاني الأطفال، وترقيص الأطفال، والنعاوي وأشعار النساء والرجال في ندب ورثاء الموتى، كما جمع ألف عبارة مكتوبة عن المركبات.
واستعان العامل بما لا يقل عن ألف مصدر تاريخي في عملية تحقيقه لتلك الأمثال، ولمعرفة جذورها الأصلية. كما جمع أبيات شعر من الشعبي والفصيح ونظم خيوط انتسابها. ثم اتسع نطاق عمله، فامتدت أيدي المساعدة من قبل شيوخ المناطق وباحثيها وبعض الأكاديميين المتخصصين مشكلين فرقا للبحث والتقصي. ولابد من الإشارة إلى جهده في جمع أهازيج وهتافات ثورة تشرين (جمع منها خمسة آلاف أهزوجة) مع تاريخها ورد فعل السلطة إزاءها وعدد ضحايا قمعها. وقد أصدرها بكتاب عبر مؤسسة المدى. ويرسّخ هذا الجهد الشخصي الكبير الموروثَ الشعبي في ذاكرة المستقبل، مما يتيح للأجيال القادمة الاطلاع على كافة المناحي والأنماط الحياتية، فهو ذاكرة حية متواصلة..