اخر الاخبار

يتعاظم الاهتمام بصناديق الثروة السيادية يوما بعد آخر ليس فقط في عديد البلدان التي تستخدمها بل لابد من إعطائها حيزا كبيرا من البحث والتنقيب عن فوائدها واستخداماتها في شتى الأنشطة الاقتصادية وخصوصا في الدول ذات الاقتصادات الريعية، ومما زاد من الاهتمام بها تحولها مع الزمن إلى أداة مهمة من أدوات السياسة الاقتصادية في الوقت الحاضر حيث تلجأ إليها العديد من البلدان لتحقيق أهداف مهمة ومن أبرزها تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.

ومن الأسباب التي قادت إلى نشوء هذه الصناديق يمكن تلخيصها بما يلي:

السبب الأول: انفجار الديون الخارجية، فإن معظم الدول سواء المتطورة أو النامية مكبلة بالديون الخارجية ولكن بمستويات متباينة وفي ظروف مختلفة بين معتدلة ومتفاقمة وحتى المعتدلة يمكن في ظروف أخرى أن تتفاقم، ومن الأمثلة على ذلك دول المعجزة الآسيوية فإنه ورغم ارتفاع حجم المديونية الخارجية لهذه الدول خلال الفترة 1980 – 1995 إلا أن نسبة المديونية للناتج القومي الإجمالي ظلت ضمن الحدود الآمنة.

السبب الثاني: توزيع عوائد الثروة، فالريع النفطي بطبيعته هو مورد متقلب وغير متجدد مما يقتضي أن يكون للأجيال اللاحقة نصيب منه من خلال استثمارات تعتمد على الأصول لنفطية ومن الممكن تحقيق ذلك من خلال الاستثمارات التي تنهض بها الصناديق السيادية والتي تعمل على تراكم الموارد النفطية من خلال  العوائد المتأتية من الاستثمار، وتعتبر هذه الصناديق ادخارا للأجيال اللاحقة كما حصل في الكويت التي أسست هذا الصندوق في عام 1952 وأخذت تستقطع 10 في المائة من مواردها النفطية لتمويل هذه الصندوق التي تستثمر موجوداتها خارج الكويت.

السبب الثالث الاستثمار وتمويل مختلف برامج وسياسات التنمية:  بعض الدول النفطية حققت فوائض مالية كبيرة من موارد النفط خاصة من خلال الزيادات في أسعار بيع النفط مما اقتضى توظيف هذه الفوائض في انشاء صناديق سيادية لأغراض التنمية وتنويع مصادر الدخل الوطني.

السبب الرابع: استقرار أسعار الصرف، وهي من الأهداف التي تلجا اليها السياسات الاقتصادية في مختلف البلدان وتحققها صناديق الثروة السيادية بوصفها احتياطيا نقديا وبالتالي اعتبارها من أدوات السياسة المالية والنقدية فضلا عن مزاياها الاقتصادية الأخرى.

لقد حققت مجموع الصناديق السيادية في الدول التي تبنتها في عام 2018 مبلغا كبيرا مقداره 509 تريليون دولار أكبرها صندوق الولايات المتحدة الامريكية اذ حقق 3 تريليون دولار فيما حلت دول الخليج أبو ظبي والكويت والسعودية المرتبة الثانية في قائمة الدول المذكورة ومقدار المبلغ المتحقق 1,867 تريليون دولار فهل حقق العراق بعضا من هذه التجربة ؟

إن التمعن في الاقتصاد العراقي يكشف بجلاء توافر كافة الأسباب التي ذكرناها  ولكن الرؤيا السياسية  والسياسة الاقتصادية التي اتبعت وخاصة بعد عام 2003 قد حالت دون انشاء صندوق تحت أي عنوان مما ذهبت إليه البلدان التي أنشأت هذه الصناديق في وقت مبكر وسجلت تجربتها الخاصة وحققت الرفاهية لشعوبها دون تردد، وكل ما تحقق في العراق  محاولات بائسة فقد أنشأت صندوقين الأول صندوق التقاعد الذي انصرفت مهمته في تأمين رواتب المتقاعدين من موظفي الدولة فقط ولم يشمل بها العاملون في القطاع الخاص، إلا أن هذا الصندوق لم يحقق الشفافية لارتباطه بوزارة المالية ولم يتقيد بمبادئ سنتياغو، أما الصندوق الثاني وهو صندوق العراق للتنمية الخارجية فقد حددت مهماته بوضع السياسات العامة  وتقرير  المساهمة في مشاريع  وبرامج التنمية  للاستثمار،  وهذا الصندوق وان كان متمسكا ببعض مبادئ سنتياغو  إلا انه كان يفتقر إلى الشفافية فضلا عن نشاطه خارج العراق بصورة كلية وافتقاره إلى الاستقلالية بسبب ارتباطه بوزارة المالية ونظرا لفشل هذه لتجربة المخيبة للآمال  فان على هذه الحكومة وما تلحق بها من حكومات  أن تضمن برنامجها السعي لإنشاء صناديق سيادية تؤسس وفقا لمبادئ سنتياغو بغض النظر عن عددها  ولكن الأهم لإنشاء صندوق للأجيال القادمة، ومثل هذه القرارات اذا ما اتخذت ولكنها متأخرة جدا  ومع ذلك وبكل الاحول أفضل من أن لا تأتي.