إنها مسؤولية تاريخية كبرى، ولأنها تخص الجمال والحقيقة، فان السكوت عنها يُعتبر نوعاً من المداهنة التي لا تليق بأي إنسان، فكيف بمن اختار لنفسه انتماءً وجودياً إلى عالم الشعر؟
معظم ما نسمعه اليوم، ونقرأه أحياناً، من شعر عامي لا ينتمي إلى صميمية الشعر وحقيقيته كنشاط معرفي شامل، يحاول أن يكون بعضاً من المحاولة الكبرى لتغيير الانسان، وإنماء قدراته، وتطوير عناصر وعيه ورؤيته ازاء الكون، وموقفه النابع من حساسية مرهفة عالية وذائقة هي بعض من شرف الحياة اللائقة.
أحياناً يخيل لي أن ذلك هو موقف أخلاقي من الحياة لا يقبل المناورة، وفي الحق، كنت أريد لنفسي غفلة تنجيني من ألم فادح سببه حرص بالغ على حركة الشعر العامي التي بدأت كتعبير مشرق عن نهوض الوعي الثقافي والفني والفكري السياسي للمجتمع العراقي.
يكتب شكسبير (النضج هو كل شىء).
إن جرحاً موجعاً وعميقاً حتى نهايات الأرض يحفر في روحي، وأنا أرى هذا التراجع والتردي وخيانة الوعي، وكل ما يريده ويحتاج إليه ويلح عليه الشعر، فشعر العامية العراقية، الذي كانت فيه تعبيرات الأسى تمزجه بشفافية الكون (وياما الدمع ضوُه سواد العين وعينك صلفه)، صار اليوم، ومنذ الثمانينات، يحاصرنا ويرمينا بأنواع صارخة من قرف القول، وأشكال الكتابة الأمية، واجترار صيغ التكرار البالية.
هذه الصورة الكآبية ليست كل شيء، فهناك أصوات شعرية لاتزال تتطور، وتطوّر سعيها الشعري. أذكر منها، على سبيل المثال وأكرر المثال لا الحصر (ريسان الخزعلي، كاظم غيلان، عبد الكريم القصاب، عبد السادة العلي، ناظم السماوي، عامر عاصي، حسين علي يونس، بشير العبودي وغيرهم) وكوكبة غالية ورائعة من الشباب الذين يسيرون في أعالي التيار التجديدي للقصيدة والحياة.
إنها فرصة متاحة الآن لأن أحيي الشعراء الشباب، أبناء الانتماء والوعي الشعري الرائع.