اخر الاخبار

رغم بعض الاختلافات في التفاصيل، باتت أغلب أطياف اليسار اليوم متفقة على أن التصدي لمشاريع تفكيك التشكيلات الاجتماعية، وتخريب الدولة الوطنية والهيمنة عليها، والتحكم بمسار تطور التناقضات الاجتماعية، بات من أبرز تجليات الصراع الطبقي، إذ تعمد الرأسمالية المعولمة، وبالاعتماد على الفئات والشرائح الفرعية، إلى إضعاف مبدأ السيادة، تمهيداً لإلحاق دول الأطراف بها، ودمج اقتصاداتها في التشكيلات الاقتصادية الدولية، وتغييب التوازن بين المصالح الوطنية والدولية، وخلق هيمنة مزدوجة من خلال التدخل لتوجيه الصراع الطبقي على الصعيد الوطني لصالح القوى المحلية الحليفة لها. 

ولإدامة هذا الخراب وحماية مصالحها الطبقية المتناقضة مع مصلحة البلاد، تستخدم هذه القوى ثلاث أدوات مهمة، متداخلة ومتفاعلة مع بعضها بعضاً. تتمثل الأولى في الخضوع التام للمركز الرأسمالي الدولي أو الإقليمي، والتحالف معه من موقع الشريك التابع، فيما تتجسد الثانية في غياب رؤى سياسية واقتصادية لبناء الدولة والسلطة، وبالتالي اللجوء إلى استبداد ذي صور مترابطة، سياسية تتشوه بها العملية الديمقراطية، وأمنية يُقمع ويُرهب بها المخالفون، وفكرية يُدجّن بها الناس عبر فرض الأيديولوجية الدينية والإثنية والطائفية وقيم ما قبل الدولة، واقتصادية يُسهّل بها استيلاء تلك الفئات على الإيرادات وإعادة توزيعها بما يخدم كامل مشروعها. أما الأداة الثالثة، فتُستخدم لإيصال البلاد إلى حالة من تفتيت الوعي الطبقي، وتخريب ومحاصرة القوى الطبقية والوطنية المتصدية لمشاريع الرأسمالية المعولمة، بغية فرض التبعية والتهميش والهيمنة الخارجية متعددة الأشكال.

وعلى ضوء ذلك، يتحدد التناقض الرئيسي في أغلب الدول التابعة بين هذه الفئات والشرائح الفرعية، مثل البرجوازية البيروقراطية والطفيلية والكومبرادور والرأسمال المعولم الموجِه لها من جهة، وبين طبقات الشعب الأساسية، من العمال وحلفائهم الفلاحين وشرائح البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، والبرجوازية الوطنية المنتجة، وشغيلة الفكر ذات التوجهات الوطنية والتقدمية، كالمثقفين والمتعلمين والإداريين وغيرهم، من جهة مقابلة.

وتتجلى أوجه هذا التناقض في الميدان السياسي بين من يرى العنف أو صناديق اقتراع شكلية، سبيلاً للوصول إلى السلطة واحتكارها، وبين من يتبنى الوصول إليها بطريقة ديموقراطية، والخضوع للمحاسبة أثناءها، والتشاور الملزم خلالها مع أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني، وتركها بطريقة سلمية حين لا يريدها الناس. كما يتجلى أيضاً في الصراع بين من يسارع إلى بناء تحالفات دولية وإقليمية مع المراكز الرأسمالية المعولمة، ويساعدها على هدم الدولة وعرقلة إعادة بنائها، وبين من يريد صيانتها وإنقاذها من التبعية وتأمين تطورها الديمقراطي المستقل.

وفي الميدان الاقتصادي، يبرز التناقض بين من ترتبط مصالحه الطبقية بالرأسمال المعولم، فيفرط في الاستقلال الاقتصادي، ويحطم القدرات الانتاجية للبلاد، ويفرض عليها النهوج الليبرالية والليبرالية الجديدة، ويساهم مع الشركات الاحتكارية في نهب الثروة الوطنية من موقع الشريك الأصغر، وينشر الفساد والبيروقراطية، وبين من يكافح التبعية الاقتصادية، ويتصدى لمهمة إصلاح الاقتصاد، وحماية الثروات الوطنية، وضمان إعادة توزيعها بما يحقق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.

وفي الميدان الاجتماعي والثقافي، يتركز التناقض بين من يفرض نفوذه قسراً على أجهزة الدولة الأيديولوجية ومؤسساتها الثقافية والتعليمية، ويستثمرها ويتربح منها، ويكّرس مفهوم الهيمنة الذكورية، ويكيّف الاضطهاد بأردية تمجد الدور النمطي للمرأة، وبين من يتمسك بالهوية الجامعة، ويكافح ضد مساعي استبدالها بهويات فرعية يمكن استغلالها بتحطيم وحدة المضطهدين والمستغلين، ويتبنى قضية تحرر النساء وتفعيل دورهن في المجتمع على قدم المساواة مع الرجل، ويعمل على نزع فتيل الصراعات التي تيسّر نفوذ الرأسمال المعولم وتساعده على فرض هيمنته.

ألا يحق للعراقيين إذن أن يروا في أوضاع بلادهم مثالاً صارخاً على هذه الحقائق الدامغة؟!