من المعروف أن العراق في الظروف الراهنة يواجه أزمة مالية خطيرة لدرجة أن الدولة عاجزة عن الاستمرار في توفير رواتب موظفيها في أوقاتها المحددة، فإن رئيس الحكومة شكا من أن الخزينة لا تحتوي الا على تريليون دينار، فأين ذهبت الإيرادات العامة التي تزيد على أكثر من 134 تريليون دينار وفقا لما ورد في الموازنة الثلاثية 2023- 2025؟ وكيف ستخرج الدولة من أزمتها مع توقف تصدير البترول بسبب غلق مضيق هرمز الذي فرضت إيران هيمنتها عليه في ظل صراعها مع أمريكا؟
إن الإشكالية لا تكمن في افتقار العراق إلى مصادر تمويل موازناتها بل لأنها ركزت اعتمادها على البترول كمصدر شبه وحيد للتمويل وأهملت مصاد التمويل الأخرى وهي ليست عصية على تفعيلها عندما نجهد أنفسنا لذكر عدد هائل من مصادر التمويل أهملتها الدولة أو عجزت عن تحصيلها بسبب قوى الضغط المحلية والخارجية، وفي هذا المقال سنتوقف عند مصدرين من مصادر تأمين الأموال الحاكمة، ونتوقف عند المصدر الأول ألا وهو الضرائب، فعملية استحصال الضريبة من دوائرها المتخصصة وبالأصل من المصادر الخاضعة لها سواء كانت ضرائب الدخل أو ضرائب العقارات أو الضرائب والرسوم الكمركية فضلا عن الضرائب المفروضة على استيراد السلع والبضائع التي يتعامل بها المستوردون الكبار على وجه الخصوص المتعاملون مع نافذة البنك المركزي ومع المنافذ الحدودية.
فمن الواضح أن الضرائب أصبحت بابا من أبواب الهدر والفساد المالي حيث تشير بعض التقديرات أن حجم المبالغ المهدورة تجاوزت 800 مليون دولار سنويا، وهذه الإشكالية أفقدت دور الضرائب في كونها أداة لتوزيع الموارد والدخل فضلا عن وظائفها الأخرى المتعلقة بالسياسيات النقدية والمالية ودورها في السيطرة على معدلات التضخم ومستويات الأسعار.
ومن الملاحظ الفارق الكبير بين التقديرات الضريبية والمبالغ الفعلية المتحصلة منها، ويعود السبب في ذلك إلى قدم الأساليب والتقصير المتعمد أو غير المتعمد في تطبيق القوانين واللوائح الخاصة باستحصال الضريبة الأمر الذي انعكس على ضآلة نسبة الضريبة إلى حجم الواردات في الموازنات السنوية، فعلى سبيل المثال يتم في العادة تقدير المبلغ الضريبي بين(2--3) تريليون دينار أي ما يعادل (1،1 ) مليار دولار في حين التقديرات الحقيقية تتجاوز ال7 تريليون دينار أي ما يعادل (4،8) مليار دولار مع تزايد المجالات الخاضعة للضريبة وهذا هو التحدي الأول، أما التحدي الثاني فيتمثل في التهرب الضريبي المقصود أو حالات الإعفاء من دفع الاستحقاق الضريبي على الشخصيات أو الشركات الاستثمارية التابعة لجهات متنفذة في السلطة أو عن طريق دفع الرشاوي نظير تخفيض مقدار الضريبة بأرقام فلكية أو قدم أساليب تخمين الضرائب، والتحدي الثالث يتمظهر بتجاهل فرض الضريبة على الأثرياء الجدد.
أما مصدر التوريد الآخر فيتمثل بما تملكه الدولة من الأصول خارج العراق التي ما يزال مصيرها مجهولا حتى الآن بل مسكوتا عنه على امتداد عقود، راكم العراق أصولاً واستثمارات ضخمة في الخارج تمثلت في عقارات، مزارع، مصانع، ومصافي نفطية موزعة بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، يعود أغلبها إلى الحقبة التي سبقت عام 2003، حين كانت البلاد تسعى لتوسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي في عدد من الدول. وبعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي، لا تزال هذه الأملاك طَيّ الإهمال والتجاهل، وسط صمت رسمي ملحوظ، وغياب أي كشف حقيقي من قبل الحكومة أو ديوان الرقابة المالية أو هيئة النزاهة حول مصيرها، رغم أن بعضها يُقدّر بعشرات ملايين الدولارات، وقد يكون مصدر دعم كبير للموازنة العراقية. وتتجلى هذه الأصول على سبيل المثال لا الحصر في مزارع الشاي في سريلانكا وأغلى العقارات في أوروبا التي تقع في أهم مناطق باريس، واستثمارات زراعية في جنوب آسيا، ومصفى للنفط في الصومال وعقارات في بيروت والقاهرة وفنادق في تونس والمغرب واستثمارات صناعية في دول أوروبا الشرقية. إن بالإمكان الاتفاق مع شركات متخصصة في الخارج لمتابعة هذه الثروة المنسية مع العلم أن هيئة النزاهة تمتلك كثيرا من المعلومات عن هذه الأصول.