ضمن المحاور الـ ١٤ للمنهاج الوزاري للحكومة الجديدة ، كُرس المحور السادس لتأشير التوجهات الحكومية بشان الزراعة والمياه .
وجاءت نقاط عدة في المحور تؤشر توجها سليما اذا ما توفرت الإرادة والتخطيط السليم والتخصيصات المطلوبة وحسن التنفيذ. فالكثير مما ذكر تضمنته برامج حكومية سابقة، ولكنه بقي حبرا على ورق. علما ان الحكومة الجديدة وعدت في منهاجها بعدم الاكتفاء به، وان يُعدّ برنامج حكومي يتضمن الرؤى والاهداف وآليات التحقيق ومعايير القياس والسقوف الزمنية للتنفيذ.
حسَنٌ ان المنهاج تضمن محورا خاصا بالزراعة والمياه، فهذا القطاع بالنسبة لبلدنا ليس مجرد قطاع اقتصادي منتج ومساهم في تنويع مصادر الدخل الوطني، بل وله صله وثقى بالامن الغذائي والسيادة الغذائية، وبأمن البلد وسيادته الوطنية واستقراره الاجتماعي. ورغم التدهور الذي يعاني منها هذا القطاع، تبقى إمكانية النهوض به قائمة. لكن هذا يفترض أولا الإقرار بوجود ازمة متراكمة في هذا الشريان الحيوي، وتشخيص أسبابها وتبيان الأولويات، ومن ثم تبني سياسات علمية مع وسائل ناجعة لتحويلها الى واقع ملموس.
ورغم أهمية ما ورد في بعض الفقرات من قبيل اعتماد الآليات والوسائل الحديثة في الزراعة والأرواء، وإلاهتمام بالإنتاج الحيواني وتعزيز الامن الغذائي وتقليل الاستيراد ودعم المنتوج المحلي، فان المنهاج لم يعط قضية المياه ما تستحقه، كونها المشكلة رقم واحد التي يعاني منها البلد عموما، وليس فقط القطاع الزراعي الذي يستهلك حوالي٧٠ في المائة من المياه الواردة، وقد قُلّصت كثيرا في السنوات الجافة المساحات المزروعة ، شتاء وصيفا. واذا بقيت الأمور على حالها، فليس متوقعا ان نحصل على حصص مياه عادلة، تؤمنها اتفاقات ملزمة مع دول المنبع.
ومن جانب آخر لا يبدو ان واضعي المنهاج أعطوا الاهتمام الكافي لقضايا استصلاح الأراضي والتملح والتصحر. فبلدنا يفقد بانتظام المزيد من الأراضي الزراعية، وقد حوّل التملح والتصحر أراض واسعة الى مناطق تستحيل في اقسام منها زراعة حتى المحاصيل التي تتحمل بهذا القدر او ذاك ملوحة التربة. وهذا يتطلب تحديث شبكات البزل والصرف، وبناء الجديد منها والتوسع فيه ، واتباع إدارة فعالة للمياه وتحسين استخدامها وترشيده.
وارتباطا بشح المياه وما يتركه من اثار سلبية في جوانب عديدة، تبرز ضرورة التعامل مع مياه الصرف الصحي ومعالجتها واستخدامها في الزراعة، واطلاق حملات التشجير وتوسيع المساحات الخضراء .
كما بات الحاجة ماسة للاستناد في الزراعة والري الى العلم الحديث والتقنيات المبتكرة والتكنولوجيا الحديثة، كذلك تطوير البحث العلمي التطبيقي، وتشجيع الزراعة الذكية. فبهذه الوسائل نستطيع زيادة الإنتاجية وتقليل التكاليف وجعل منتجاتنا منافسة لغيرها.
وتبين الممارسة العملية ان حماية المنتج الزراعي المحلي، رغم الإشارة اليه في البرامج الحكومي، ظل دون المستوى المطلوب، وفي أحيان كثيرة يعجز الفلاح عن تسويق منتوجه. ووراء ذلك أسباب عديدة بالطبع، لكنه يحتاج أولا الى حماية كفوءة لمنتجاته واستخدام فعال للرزنامة الزراعية.
ولقد غدا ملحا كما يبدو إعادة رسم الخريطة الزراعية للعراق على أسس علمية ومناخية حديثة، فليس منطقيا مواصلة زراعة محاصيل عالية الاستهلاك للمياه، في مناطق أصبحت تعاني بجلاء من شح المياه. وهذا ما يفرض التوسع في زراعة المحاصيل التي تتحمل الملوحة والجفاف، والبحث باستمرار عن الأصناف الزراعية التي تتحمل المتغيرات المناخية والمحدودة الاستهلاك للمياه.
كما تتوجب الإشارة الى ان أي حديث عن نهضة زراعية يفرض التفكير الجدي باعمار الريف وتوفير الخدمات الأساسية فيه، وتحويله الى بيئة اقتصادية واجتماعية قادرة على الاستقرار والإنتاج والنمو، وهو ما يساعد على توفير فرص عمل وخاصة للشباب، وعلى الحد من الهجرة من الريف .
وفي رأينا ان من الصعب التفكير في تطويرهذا القطاع او ذاك بمعزل عن سياسة عامة للحكومة، تقوم على عناصر الإصلاح المؤسسي والمكافحة الجادة للفساد، وعلى اسناد الوظيفة العامة بعيدا عن التحاصص ووفقا للكفاءة والنزاهة والقدرة على الأداء. ونجد ان إعادة الاعتبار للزراعة يأتي في هذا السياق، وضمن توجه عام للانتقال من الاقتصاد الريعي الاستهلاكي الى اقتصاد منتج متنوع ، يستعيد فيه القطاع الزراعي دوره ومساهمته في الناتج المحلي، وفي توفير الامن الغذائي والاجتماعي .