الصفحة الأولى
اعتداء أمريكي ـ سعودي على مواقع الحشد في عدة محافظات.. دعوات لتحييد العراق واحتكار الدولة لقرار السلم والحرب
بغداد ـ طريق الشعب
في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهة الإقليمية وتتسع دائرة الاستهدافات المتبادلة، عاد العراق إلى واجهة الصراع بعد الاعتداءات التي طالت مواقع تابعة للحشد الشعبي في عدد من المحافظات، وما أعقبها من تداعيات سياسية وأمنية، تنتظر حسم ملف السلاح خارج إطار الدولة، وتمكين الحكومة من حماية السيادة ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لعمليات عسكرية ضد دول الجوار.
وأدى التصعيد العسكري إلى تعليق زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى الرياض، فيما برزت دعوات سياسية إلى تحييد العراق وتجنيبه الانزلاق إلى حرب جديدة، وسط تحذيرات من أن استمرار غياب الاحتكار الكامل لقرار السلم والحرب قد يحول البلاد مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وفي ظل تضارب الروايات بشأن الجهات المسؤولة عن الهجمات التي سبقت الضربات العسكرية الاخيرة، تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيقات الرسمية، وإلى قدرة الدولة على فرض سلطتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها الدستورية، بما يحفظ أمن المواطنين ويمنع تعريض العراق لمزيد من الاستهداف والتصعيد.
وشهدت العلاقات العراقية السعودية توترا، إثر الغارات الجوية المشتركة التي نفذتها القوات الأمريكية والسعودية فجر الأربعاء، ضد مواقع تابعة للحشد الشعبي في 7 محافظات عراقية. وجاءت هذه الضربات رداً على اتهام الرياض لفصائل عراقية بإطلاق أكثر من 30 طائرة مسيّرة استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض على مدار الأيام الماضية.
وقبل وقوع الاستهداف بـ 48 ساعة، كان الزيدي قد وجّه الأجهزة الأمنية بفتح تحقيق عاجل وفوري للتحقق من الأدلة والاتهامات السعودية بشأن انطلاق المسيّرات من الأراضي العراقية. واعتبرت أوساط سياسية عراقية أن لجوء الرياض لخيار القصف المباشر يمثّل تسرعا وتجاوزاً لنتائج هذا التحقيق الرسمي وإجهاضاً لجهود الدبلوماسية العراقية لتطويق الأزمة
وتبيّن التطورات الأخيرة أن عجز الدولة الكامل عن ضبط ملف "السلاح المنفلت" يجعل من العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. إذ أن تكرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات عبر الحدود يعطي الدول المجاورة ذريعة لتنفيذ ضربات داخل العمق العراقي تحت بند "حق الدفاع عن النفس"، مما يقوّض السيادة الوطنية ويعرض المنشآت الرسمية للخطر.
الصدر يدعو إلى تحييد العراق
ودعا زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، أمس الأربعاء، الحرس الثوري الإيراني والفصائل المسلحة إلى عدم إقحام العراق في الصراع الإقليمي، مطالباً الحكومة العراقية بفرض سيادة الدولة، وضبط الأمن، وحماية البلاد من تداعيات التصعيد العسكري المتصاعد في المنطقة.
وقال الصدر، في بيان، إن العراق يمثل “أرض المقدسات”، داعياً الحرس الثوري الإيراني إلى عدم استهداف الأراضي العراقية، ما دامت لا تُستخدم منطلقاً لشن هجمات ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
كما طالب ما وصفها بـ“الميليشيات المنفلتة” بعدم القيام بأي أعمال قد تمنح دول الخليج العربي ذريعة لاستهداف العراق أو توسيع نطاق المواجهة على أراضيه.
وأكد الصدر ضرورة تحلي جميع الأطراف بـ“روح الأخوة والسلام”، والابتعاد عن الانجرار إلى ما وصفه بـ“مخططات العدو الصهيوأميركي”، الهادفة إلى دفع الأطراف نحو الاقتتال والتناحر، محذراً من أن استمرار التصعيد قد يجر العراق إلى مواجهات جديدة لا تخدم مصالح شعبه ولا أمنه واستقراره.
واستنكر استهداف الأراضي العراقية من قبل مختلف الدول والجهات، كما انتقد ما وصفها بـ“أفعال الميليشيات”، التي قال إنها تسهم في جر العراق إلى حرب “لا طائل منها”، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى الاستقرار وتجنب المزيد من الصراعات.
كما دعا إلى توخي الحذر من تحركات “خلايا الإرهاب النائمة” داخل البلاد وخارجها، معتبراً أنها قد تستغل الخطابات والانقسامات الطائفية لزعزعة الأمن وإثارة الفوضى.
واختتم الصدر بيانه بالتأكيد على أهمية تعزيز السلام مع دول الجوار، والابتعاد عن القواعد العسكرية والتطبيع والهيمنة الاستعمارية، بما يحفظ سيادة العراق ويصون مصالحه الوطنية.
"أنصار الله" تتبنى قصف السعودية
من جهته، اتهم عضو المكتب السياسي في جماعة "أنصار الله" اليمنية، الحوثيين، عبدالله النعمي، السعودية بمحاولة تحميل فصائل الحشد الشعبي مسؤولية هجمات لم تنفذها، واصفاً موقف الرياض بـ"المرتبك والضعيف".
وقال النعمي، إن الحشد الشعبي نفى في أكثر من مناسبة تنفيذ هجمات ضد السعودية، فيما أعلنت جماعة "أنصار الله" بصورة واضحة مسؤوليتها عن عمليات سابقة استهدفت موانئ ومنشآت سعودية، بينها مواقع في ينبع وجيزان.
وأضاف أن السعودية "لا تريد الاعتراف" بتبني الجماعة لتلك العمليات، واتهمها بالبحث عن "أعداء وهميين" في المنطقة، نتيجة ما وصفه بحالة من التخبط والارتباك.
العراق ليس ساحةً لحروب الآخرين
من جانبه، أعرب التيار الديمقراطي العراقي عن قلقه البالغ إزاء التصعيد العسكري الأخير الذي طال الأراضي العراقية، وما رافقه من استهداف مواقع تابعة للحشد الشعبي، مجدداً دعوته إلى تحييد العراق وإبعاده عن الصراعات الإقليمية والدولية، ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.
وقال المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي، في بيان تلقته "طريق الشعب"، إن التيار أكد منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة موقفه الثابت الرافض لزج العراق في أتون النزاعات، مشدداً على أن الشعب العراقي سيكون المتضرر الأول من أي مواجهة لا تخدم مصالحه الوطنية ولا تراعي أمن البلاد واستقرارها.
وحذر البيان من أن استمرار استخدام الأراضي العراقية منطلقاً أو ساحة للعمليات العسكرية يعرّض سيادة العراق وأمنه واستقراره لمخاطر جسيمة، ويزيد احتمالات انزلاق البلاد إلى صراع لا مصلحة للعراقيين فيه.
ودان التيار الديمقراطي جميع الانتهاكات التي تستهدف السيادة العراقية، مؤكداً أن حماية البلاد وصون استقلال قرارها يتطلبان بناء دولة قوية وقادرة، تحتكر استخدام القوة، وتحصر السلاح بيد مؤسساتها الدستورية، بما يضمن أن يكون قرار السلم والحرب من صلاحيات الدولة وحدها، ووفقاً للدستور والمصلحة الوطنية العليا.
ودعا البيان الحكومة العراقية إلى تبني موقف وطني مسؤول يحفظ سيادة البلاد، ويمنع استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية في أي أعمال عسكرية، إلى جانب تفعيل القنوات الدبلوماسية والقانونية، والعمل على تجنيب العراق مزيداً من التصعيد والتوتر.
وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب التحلي بأعلى درجات الحكمة والمسؤولية الوطنية، وتغليب مصلحة العراق على مختلف الاعتبارات الأخرى، فضلاً عن تعزيز وحدة الصف الداخلي، بما يسهم في حماية أمن المواطنين والحفاظ على سيادة الدولة واستقرارها.
وقدم المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي في بيانه، التعازي إلى ذوي ضحايا الأحداث، متمنياً الرحمة والمغفرة لشهداء العراق والشفاء العاجل للجرحى.
قرار السلم والحرب بيد من؟
وفي السياق، أكد الخبير الأمني صفاء الأعسم أن الاعتداءات الأخيرة وما تبعها من تطورات تعكس "مؤشراً خطيراً على هشاشة المشهد الأمني في العراق"، مبيناً أن غياب الاحتكار الكامل لقرار السلم والحرب من قبل الدولة أسهم في زج العراق ضمن دائرة الصراع الإقليمي.
وقال الأعسم في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن المزاعم التي تحدثت عن انطلاق الهجمات من الأراضي العراقية جاءت في وقت لم يصدر فيه أي تبنٍ رسمي من الفصائل المسلحة داخل العراق، لافتاً إلى أن الحكومة العراقية كانت تستعد لزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يجعل من الضروري انتظار نتائج التحقيقات قبل اتخاذ أي مواقف أو إجراءات.
وأضاف أن الرد على تلك الادعاءات، والذي استهدف مواقع في عدة محافظات، وأسفر عن عشرات الضحايا بين شهيد وجريح، يعكس خطورة المرحلة الحالية، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد ينعكس سلباً على علاقات العراق مع دول الجوار ويفتح الباب أمام مزيد من التصعيد الإقليمي.
وأشار إلى أن إعلان الجانب السعودي موقفه قبل انتهاء التحقيقات العراقية يثير تساؤلات بشأن عدم منح بغداد الوقت الكافي لاستكمال إجراءاتها وكشف ملابسات الحادث، معتبراً أن التريث كان سيمنح فرصة لمعالجة الأزمة عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، ولا سيما مع اقتراب موعد الزيارة الرسمية لرئيس مجلس الوزراء إلى الرياض.
ولفت الأعسم إلى أن بيان زعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر، الذي دعا إلى عدم التدخل في الشأن العراقي، وحمّل الحرس الثوري الإيراني مسؤولية ما جرى، قد يسهم في تهدئة الأوضاع إذا ما جرى استثمار المواقف السياسية باتجاه احتواء الأزمة.
وبيّن أن العراق يقف أمام مرحلة مفصلية، خاصة مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لوجود القوات الأجنبية على الأراضي العراقية، موضحاً أن بعض فصائل المقاومة كانت قد أعلنت في أكثر من مناسبة أن انتهاء هذا الوجود سيفضي إلى حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار أن استمرار نشاطها ارتبط بوجود القوات الأجنبية، فضلاً عن طبيعة ارتباطها بمحور المقاومة والدعم اللوجستي الذي تتلقاه من إيران.
وختم الأعسم بالقول إن التعامل مع الأزمة كان يتطلب قدراً أكبر من التريث، محذراً من أن أي خطوات متسرعة قد تترك تداعيات سلبية على العراق، سواء على مستوى أمنه الداخلي أو علاقاته الإقليمية.
وكان الزيدي أعلن خلال زيارته لواشنطن عن وضع حد زمني نهائي ينتهي في أواخر أيلول 2026، لإنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة. ومع ذلك، فإن فرص الالتزام بهذه المهلة تبدو غير سلسة، لأن الضربات السعودية، منحت الفصائل ذريعة سياسية وشعبية للمطالبة بـ "الرد العسكري" والتمسك بسلاحها بذريعة حماية البلاد.
حصر السلاح وتعزيز سلطة الدولة
وعدّ الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي، الاستهدافات الأخيرة التي طالت مواقع داخل العراق، وما سبقها من هجمات استهدفت دولاً مجاورة انطلاقاً –بحسب الاتهامات– من الأراضي العراقية، "تطوراً بالغ الحساسية والخطورة، وتكشف حجم التعقيدات الأمنية والسياسية التي تواجهها الدولة العراقية".
وقال التميمي لـ"طريق الشعب"، إن الحكومة لا تزال تجري تحقيقات بشأن تلك الحوادث، في ظل تبادل للاتهامات حول الجهات المسؤولة عنها، مشيراً إلى أن الملف لم يعد شأناً داخلياً فحسب، إذ أصبح جزءاً من صراع إقليمي متشابك تتداخل فيه أطراف ومصالح متعددة، الأمر الذي يجعل معالجته تتجاوز قدرة الحكومة وحدها.
وأضاف أن الأزمة تفرض على القوى السياسية، ولا سيما الأطراف المؤثرة في المشهد الأمني، بلورة موقف واضح يدعم حصر السلاح بيد الدولة، ويعزز سلطة القائد العام للقوات المسلحة، بما يسهم في منع انزلاق العراق اكثر في الصراع الإقليمي، الذي لا تخدم مصالحه الوطنية.
ورأى أن الضربات السعودية الأخيرة زادت من تعقيد المشهد الأمني والسياسي، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً متسارعاً، مؤكداً أن العراق يبقى الطرف الأكثر عرضة لتداعيات هذا الصراع بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الإقليمية، فضلاً عن محدودية قدرته على احتواء جميع التطورات الأمنية بمفرده.
وفي ما يتعلق بتزامن الضربات مع الزيارة التي كانت مقررة لرئيس مجلس الوزراء إلى المملكة العربية السعودية، أشار التميمي إلى تعدد الروايات والتفسيرات بشأن توقيت تلك الأحداث، مؤكداً أن حسم المسؤوليات يبقى مرهوناً بنتائج التحقيقات الرسمية، وأن إصدار استنتاجات نهائية في هذه المرحلة سيكون سابقاً لأوانه.
وشدد على أهمية أن تفضي التحقيقات العراقية إلى نتائج مهنية وموثوقة تحظى بالقبول لدى مختلف الأطراف، بما يسهم في احتواء الأزمة ومنع انعكاساتها على علاقات العراق الإقليمية، ولا سيما مع دول الخليج التي تمثل شريكاً مهماً لبغداد في عدد من الملفات الاقتصادية والاستثمارية.
وشدد التميمي على أهمية حماية الاستقرار الداخلي وتحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية، لافتاً إلى أن المواطنين يترقبون معالجة التحديات الاقتصادية والمعيشية، وفي مقدمتها ضمان الاستقرار المالي والوفاء بالالتزامات الحكومية، بعيداً عن تداعيات الأزمات الأمنية والسياسية.
*******************************
الشيوعي العراقي.. يدين أي انتهاك للسيادة العراقية
نتابع بقلق بالغ القصف الجوي الأمريكي – السعودي الذي استهدف الأراضي العراقية فجر اليوم الأربعاء، وما سببه من وقوع شهداء ومصابين من أبناء شعبنا في الحشد الشعبي.
إذ ندين الاعتداء وأي استهداف، ومن أية جهة، لاراضي بلدنا أو سيادته أو مؤسساته ومنشآته، نطالب الحكومة العراقية والأطراف السياسية والجهات ذات العلاقة كافة، بالعمل، بجد، على إزالة كل الذرائع التي تستغل لانتهاك سيادة البلد، وتعريض أمنه وسلامة مواطنيه للخطر.
وتؤكد هذه التطورات، مرة أخرى، أن الوقت قد حان لترسيخ احتكار الدولة _ عبر مؤسساتها الدستورية _ لقرار الحرب والسلم، والمضي الفعلي في حصر السلاح بيدها، بما يعزز سيادة العراق، ويبعده عن مخاطر الانزلاق الى الصراعات الإقليمية، ويحول دون تحويله الى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنازعة.
إن سيادة العراق وحرمة دماء بناته وابنائه يجب أن لا تكون تحت أي ظرف، موضع مساومات سياسية أو حسابات ضيّقة، بل ينبغي أن تبقى المصلحة الوطنية العليا هي الأساس الذي تبنى عليه جميع المواقف والسياسات.
إن المطلوب اليوم تحركٌ سريع ومسؤول، وتغليب لغة الحوار وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد ومنع اتساعه، والعمل من أجل ترسيخ السلام والأمن والاستقرار في العراق والمنطقة، بما يصون مصالح شعوبها، وحقها في العيش بأمان.
المكتب السياسي
للحزب الشيوعي العراقي
٢٩-٧-٢٠٢٦
********************************
الصفحة الثانية
القضاء يكشف إحصاءات الاتجار بالبشر والانتحار.. ومخالفات الإقامة في حزيران
بغداد – طريق الشعب
أعلن مجلس القضاء الأعلى، أمس الأربعاء، الإحصائية الشهرية المتعلقة بجرائم الاتجار بالبشر، ومخالفات قانون إقامة الأجانب، إلى جانب حالات الانتحار التي سجلتها المحاكم العراقية خلال شهر حزيران الماضي من العام الحالي 2026. وذكر المجلس، في بيان طالعته “طريق الشعب”، أن رئاسات محاكم الاستئناف في عموم البلاد سجلت (209) دعاوى مرتبطة بجرائم الاتجار بالبشر خلال شهر حزيران، مشيراً إلى تصدر رئاسة محكمة استئناف البصرة قائمة المحاكم الأعلى تسجيلاً لهذا النوع من الدعاوى، بواقع (87) دعوى. وبحسب البيان، جاءت رئاسة محكمة استئناف الكرخ في المرتبة الثانية بعد تسجيلها (22) دعوى، فيما حلت رئاسة محكمة استئناف ذي قار ثالثاً بواقع (20) دعوى، في حين لم تسجل محاكم استئناف النجف الأشرف والمثنى أي دعوى تتعلق بجرائم الاتجار بالبشر خلال المدة المذكورة. وفي ما يتعلق بمخالفات قانون إقامة الأجانب رقم (76) لسنة 2017، أفاد مجلس القضاء الأعلى بأن المحاكم سجلت (233) دعوى، تصدرتها رئاسة محكمة استئناف بغداد/ الرصافة بتسجيل (122) دعوى، لتحتل المرتبة الأولى بين رئاسات محاكم الاستئناف. أما في ما يخص حالات الانتحار، فقد أظهرت الإحصاءات تسجيل (18) حالة في مختلف المحاكم العراقية خلال الشهر ذاته، إذ سجلت رئاسة محكمة استئناف نينوى العدد الأعلى بواقع (5) حالات.
****************************
آلاف المصانع المتوقفة تعمق الاقتصاد الريعي
الهوية الصناعية للعراق مغيّبة.. سياسات متعثرة وفساد مزمن يعطلان الإنتاج ويعمقان البطالة
بغداد – تبارك عبد المجيد
يواصل القطاع الصناعي العراقي تراجعه منذ أكثر من عقدين، وسط إغلاق مئات المصانع وتوقف آلاف خطوط الإنتاج، في ظل منافسة السلع المستوردة وغياب الحماية للمنتج المحلي، وضعف الدعم الحكومي وتراكم مشكلات الفساد وسوء الإدارة.
يقول مختصون أن استمرار هذا الواقع حرم عشرات اللاف من فرص العمل، وأضعف قدرة الصناعة الوطنية على الإسهام في تنويع الاقتصاد، مؤكدين أن إنقاذ هذا القطاع يتطلب إصلاحات جذرية تتجاوز الوعود إلى تنفيذ سياسات حقيقية لإعادة تشغيل المصانع ودعم الإنتاج المحلي.
فساد منهجية التفكير الإداري
يرى عامر الجواهري، الخبير في التنمية والاستثمار، أن تراجع القطاع الصناعي بعد عام 2003 لم يكن حدثاً مفاجئاً أو وليد تلك المرحلة وحدها، بل نتيجة مسار طويل من الإهمال والضعف بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتفاقم بصورة أكبر بعد التغيير السياسي وفتح الأسواق على نحو غير منظم.
ويقول الجواهري، الذي واكب القطاع الصناعي منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وعمل في وزارة الصناعة خلال التسعينيات، إن المؤشرات المبكرة للتراجع كانت واضحة منذ ذلك الوقت، إذ شهدت المؤسسات الصناعية استمرار تقادم المعدات وتهالك البنى الإدارية، من دون أن يقابل ذلك أي تطوير حقيقي أو تحديث لآليات الإنتاج، فضلاً عن غياب البحث والتطوير والتوسع في الطاقات الإنتاجية.
ويضيف في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن ما جرى بعد عام 2003 عمق الأزمة بشكل كبير، إذ اتجهت السياسات العامة، بحسب وصفه، إلى إضعاف الصناعة الوطنية بدل إنعاشها. فالعراق فتح أسواقه بالكامل أمام السلع المستوردة من دون حماية كافية للمنتج المحلي، في وقت لم يحظَ فيه القطاع الخاص الصناعي بالدعم أو التمكين اللازمين لممارسة دوره، بل واجه على العكس، عراقيل متزايدة وتحديات مركبة حدّت من قدرته على العمل والاستمرار.
ويشير الجواهري إلى أن جزءا من هذه التحديات كان مرتبطا بظروف موضوعية، مثل أزمة الكهرباء وغياب المنهجية الإدارية الواضحة في إدارة الموارد البشرية والمؤسسات، إلا أن العامل الأكثر تأثيرا، برأيه، كان تصاعد مستويات الفساد بعد 2003، سواء الفساد المالي أو الإداري أو حتى ما يسميه بـ"فساد منهجية التفكير الإداري"، وهو ما انعكس سلباً على أداء القطاع الصناعي وإمكانات إصلاحه.
ويحمل الجواهري الجهات المسؤولة عن إدارة الملف الصناعي، وفي مقدمتها وزارة الصناعة والمعادن، جزءاً كبيراً من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، لافتاً إلى أن الوزير هو من يدير هذا القطاع عملياً، وهو أيضاً من يترأس مجلس التنسيق الصناعي، ما يعني أن القرارات والسياسات المرتبطة بالصناعة تنطلق من هذا الموقع بشكل مباشر. ويؤكد أن الخلل لا يقتصر على ضعف الإمكانات، بل يمتد إلى طبيعة الإدارة نفسها، مستشهداً بتصريحات سابقة لبعض وزراء الصناعة الذين تحدثوا عن شركات الوزارة بوصفها خاسرة من دون تقديم قراءة دقيقة لأسباب الخسائر أو حجم الأرباح الممكنة أو آفاق المعالجة.
وبحسب الجواهري، فإن هذه المنهجية أسهمت في وقف إمكانيات التطوير، وأدت إلى تعطيل قطاع يتميز أصلاً بقدرته على خلق سلاسل قيمة واسعة ومتشابكة أفقياً وعمودياً، بما ينعكس على تشغيل الأيدي العاملة وتقليل البطالة وفتح المجال أمام رواد الأعمال والمستثمرين الصغار والحرفيين. فالصناعة، من وجهة نظره، ليست مجرد معامل تنتج سلعة، بل منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على تحريك قطاعات عديدة وتوليد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. ولذلك، فإن تراجعها يعني بالضرورة تراجع فرص التشغيل واتساع الاعتماد على النشاط التجاري والاستهلاك بدلاً من الإنتاج.
ضرورة تنشيط مجلس التنسيق الصناعي
وفي حديثه عن الحلول، يدعو الجواهري إلى إعادة تنشيط مجلس التنسيق الصناعي على أسس مختلفة، تقوم على إشراك ممثلي القطاع الخاص الصناعي في رسم السياسة الصناعية منذ مرحلة التخطيط وحتى التنفيذ، بحيث يكون هذا القطاع شريكاً فاعلاً لا مجرد متلقٍ للقرارات. كما يشدد على ضرورة توافر الإرادة والقدرة والتمكين، لكن ضمن إدارة حقيقية للملف الصناعي تتجاوز الوعود إلى التنفيذ والمتابعة والمحاسبة.
ويلفت إلى أن حجم المعاناة التي يعيشها الصناعيون بات واضحا من خلال احتجاجات وتحركات غرف الصناعة في عدد من المحافظات، من الموصل إلى الناصرية، ما يعكس وجود أزمة ممتدة من شمال البلاد إلى جنوبها، سببها كثرة التعهدات الحكومية غير المنفذة.
ويخلص الجواهري الى أن إنقاذ الصناعة يتطلب تغييرا جذريا في الإدارات واليات العمل، وربط هذا المسار بجهود مكافحة الفساد الجارية في البلاد، لأن أي حديث عن نهوض صناعي، من دون معالجة الفساد المالي والإداري وفساد التفكير الإداري، سيبقى مجرد كلام يتكرر مع كل حكومة جديدة وكل وزير جديد يبدأ من نقطة الصفر.
أين هويتنا الصناعية؟
وفي السياق، اشار الخبير الصناعي عبد الحسن الشمري الى ان المصانع في العراق تعرضت إلى "تخريب كبير، سواء من خلال القوانين التي وضعتها الدولة أو بسبب عدم متابعة الدولة للمعامل والمصانع الكبيرة والصغيرة والمتوسطة".
وقال الشمري لـ"طريق الشعب"، أن واقع الصناعة في العراق يكشف تراجعا واضحا، مشيرا إلى أن زيارة أي منطقة صناعية في بغداد تظهر حجم هذا التراجع، إذ تبدو المناطق الصناعية فارغة من العمال ورؤوس الأموال والصناعيين.
وأضاف أن البضاعة الأجنبية التي تدخل إلى العراق غالبا ما تكون رديئة، لكنها في الوقت نفسه رخيصة الثمن، ما يجعلها منافسا كبيرا للمنتج العراقي، لافتا إلى وجود مشكلة في البيع والشراء أثرت بشكل مباشر على الصناعة المحلية.
وأكد الشمري أن الحكومة مطالبة بتغيير سياستها بما يصب في مصلحة الإنتاج الوطني، لأن أي دولة يجب أن تكون لها هوية في الصناعة التي تقوم بها.
وبين أن الصناعة في العراق شهدت تراجعا مستمرا منذ عام 2003 وحتى الآن، مشيرا إلى أن أغلب المعامل المسجلة في التنمية الصناعية واتحاد الصناعات متوقفة عن العمل.
ديالى.. 60 ألف عامل فقدوا مصادر رزقهم
أما الناشط العمالي في محافظة ديالى، سجاد مغامس، فيؤكد ان القطاع الصناعي في محافظته تعرض لانهيار بعد تحول أكثر من 400 معمل ومنشأة صناعية إلى خردة حديد، ما تسبب بفقدان 60 ألف عامل لمصادر رزقهم.
ويقول مغامس في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن تلك المصانع كانت تنتج أكثر من 100 منتج متنوع يلبي احتياجات الأسواق، إلا أن توقفها انعكس سلباً على الواقع الاقتصادي والاجتماعي في المحافظة، وزاد من معدلات البطالة والفقر.
ويضيف لـ"طريق الشعب"، أن من أبرز أسباب تراجع الصناعة مرتبط بغياب حماية المنتج المحلي، وانتشار المنافذ غير الرسمية، والفساد الإداري، وضعف الدعم الحكومي للقطاع الصناعي الخاص، فضلا عن نقص المشتقات النفطية، ولا سيما مادة الكاز اللازمة لتشغيل المولدات وغياب القروض الداعمة للمشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب ضعف البنية التحتية. ويرهن إعادة احياء المصانع بـ"تنفيذ قرارات دعم القطاع الصناعي على أرض الواقع، وتوفير الوقود وحماية المنتج المحلي وتسهيل الإجراءات الإدارية بما يسهم في إعادة تشغيل المعامل وخلق فرص عمل جديدة".
*******************************
كل خميس.. إذا سُلّمت البنادق.. هل يبقى النفوذ؟
جاسم الحلفي
مع الحديث عن نهاية أيلول بوصفها موعداً لاختبار جدية حصر السلاح، يعود السؤال الذي جرى تأجيله طويلاً: هل نحن حقا أمام عملية تستعيد فيها الدولة حقها الحصري في امتلاك القوة، وفي استخدامها وفق القانون، أم أننا أمام تسوية شكلية تغيّر مواقع السلاح، من دون أن تنهي وظائفه؟
لا تستقيم الدعوة إلى حصر السلاح مع بقاء الحماية السياسية. فالجهة التي تسلّم سلاحها، في حين تحمي مطلوباً، أو تعطل تحقيقاً، أو تمنع تنفيذ حكم قضائي، لم تدخل فعلاً في منطق الدولة. ولا قيمة لإعلانها فك الارتباط بالسلاح إذا بقي نفوذها مؤثرا في السياسة والاقتصاد والانتخابات.
فحصر السلاح لا يُقاس فقط بعدد القطع التي تُسلّم إلى الدولة، بل كذلك بحجم ما يتراجع من نفوذ قادة الفصائل في القرار السياسي، وفي العقود والمنافذ والهيئات الاقتصادية، وفي تشكيل الحكومات وتعيين المسؤولين وتوجيه إرادة الناخبين. قد تُسلَّم بنادق، وتُغلق مقرات، وتُرفع لافتات، لكن السلاح الذي يخلع بزته العسكرية ويرتدي ربطة عنق سياسية لا يصبح مدنياً. إنه يغيّر مظهره وحسب، فيما يحتفظ بفاعليته.
إن خطورة السلاح خارج الدولة تكمن في قدرته على منع السياسة من أن تكون مدنية، والانتخابات من أن تكون حرة، والاقتصاد من أن يخضع للقانون والمنافسة العادلة. وحين يجتمع السلاح والمال والنفوذ لدى طرف سياسي واحد، فإنه لا يعود طرفاً مساوياً للآخرين، بل يتحول إلى سلطة موازية تفرض شروطها داخل المؤسسات وخارجها.
لهذا لا يتمثل المعيار الحقيقي لنجاح نزع السلاح في مجرد الإجابة بالايجاب عن أسئلة مثل: هل تنعدم القدرة على فرض المرشحين؟ هل تُرفع اليد عن الموارد والمنافذ والعقود؟ هل تنتهي الحماية التي تمنع مساءلة المتورطين في الفساد والاغتيالات والاعتداء على المحتجين؟ وهل يصبح القانون قادراً على الوصول إلى الجميع، ولا يتوقف عند أبواب النافذين؟
لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً لتعدد مراكز القوة، ليس بالضحايا والاضطراب الأمني وحدهما، بل كذلك بإضعاف الدولة وتحويل مؤسساتها إلى مساحات لتقاسم المصالح. ودفع المحتجون والناشطون ثمناً مضاعفاً، لأنهم طالبوا بدولة لا ينازعها أحد سلطتها، وبمواطنة يحميها الدستور والقانون وليس الانتماء إلى جماعة مسلحة.
إن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على تحرير المواطن من الخوف، وإعادة السياسة إلى المواطنين، والقرار إلى المؤسسات، والقوة إلى القانون. وهذا لا يتحقق الا بإصلاح سياسي وقضائي واقتصادي، يقطع الصلات بين السلاح والمال والنفوذ.
نعم .. نهاية أيلول هي الموعد المعلن لحصر السلاح، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد تسليم البندقية: هل يغادر نفوذها معها مؤسسات الدولة، أم يبقى يتحكم ويحكم من وراء الستار؟
********************************
متظاهرون في الكوت .. يطالبون بإصدار سندات ملكية لأراضيهم
واسط ـ طريق الشعب
تظاهر العشرات من المواطنين، امس الأربعاء، أمام مبنى مديرية بلدية الكوت، للمطالبة بالإسراع في إصدار سندات ملكية الأراضي التي سبق توزيعها عليهم خلال الفترة الماضية، واستكمال الإجراءات القانونية والإدارية الخاصة بتمليكها.
وقال عدد من المتظاهرين إن تأخر إصدار السندات يحرمهم من الاستفادة القانونية من الأراضي الموزعة، مطالبين الجهات المعنية بإنجاز معاملاتهم وحسم ملف التمليك وفق الضوابط المعتمدة.
ودعا المحتجون الحكومة المحلية والدوائر المختصة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسريع عملية إصدار سندات الملكية، مؤكدين أن استكمال هذه الخطوة يمثل ضمانة قانونية لحقوقهم في الأراضي التي خصصت لهم.
وشدد المتظاهرون على ضرورة وضع جدول زمني واضح لإنهاء الإجراءات المتبقية، وإنصاف شريحة الكسبة التي تنتظر منذ فترة طويلة تثبيت ملكيتها بشكل رسمي.
*******************************
تعزية
تعزية المكتب السياسي برحيل الشخصية الوطنية لبيد بكتاش (ابو حالوب)
ببالغ الحزن والأسى، يعزي المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي عائلة واصدقاء ومحبي الشخصية الوطنية لبيد بكتاش (أبو حالوب)، الذي غادرنا الى مثواه الأخير بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء والصبر والوفاء، تاركاً وراءه سيرة إنسانية ستبقى حاضرة في ذاكرة اصدقائه ومحبيه.
شكل الراحل في سنوات المنفى، علامة بارزة بين اوساط اجيال من العراقيين الذين كانت الشام احدى مراحل حياتهم، كما عرف بدماثة خلقه وتواضعه، ونبل أخلاقه.
للفقيد العزيز (ابو حالوب) الذكر الطيب
المكتب السياسي
الحزب الشيوعي العراقي
**********************************
الصفحة الثالثة
أزمة بيئية تتفاقم عاماً بعد آخر!
التنوع الأحيائي على حافة الاندثار.. الجفاف والصيد الجائر يهددان الأمن الغذائي ومستقبل الأجيال
بغداد – تبارك عبد المجيد
تحولت أزمة التنوع الأحيائي الى تهديد حقيقي يطال مختلف البيئات الطبيعية في البلاد، من الأهوار جنوبا وحتى جبال كردستان، مروراً بنهري دجلة والفرات والصحراء الغربية.
فمع تفاقم ازمة شح المياه واشتداد اثار التغير المناخي واستمرار التلوث والصيد الجائر، ترتفع المخاوف من فقدان المزيد من الأنواع النادرة في وقت يرى فيه مختصون أن حماية التنوع البيئي أصبحت ضرورة ملحة للحفاظ على الأمن الغذائي والموارد الطبيعية ومستقبل الأجيال القادمة.
ويحمل المشهد البيئي في العراق اليوم ملامح أزمة متفاقمة تهدد تنوعه الطبيعي الفريد، الذي يمتد من الأهوار إلى الصحارى، ومن نهري دجلة والفرات إلى جبال كردستان.
وبين الجفاف والتلوث والصيد الجائر، تتعرض هذه البيئات لضغوط متزايدة جعلت الكثير من الكائنات الحية والنباتات على حافة الاندثار.
أربع بيئات رئيسية
يقول عضو مرصد العراق الأخضر، عمر عبد اللطيف، إن العراق يمتلك أربع بيئات رئيسية تتمثل في الأهوار، والصحراء والجبال وبيئة نهري دجلة والفرات، إلا أن جميعها تواجه اليوم أخطاراً متشابكة تهدد استدامتها.
ويؤكد أن شح المياه والتغير المناخي يشكلان التهديد الأكبر، ما أدى إلى جفاف مساحات واسعة من الأهوار ونفوق عداد كبيرة من الأسماك والطيور، الأمر الذي أدى إلى فقدان نحو 60 في المائة من مساحة الأهوار نتيجة انخفاض الإطلاقات المائية القادمة من تركيا وإيران.
اختلال التوازن الطبيعي
ولا تتوقف اثار الأزمة عند الأهوار، إذ يشير عبد اللطيف في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن زحف الصحراء بات يلتهم الغطاء النباتي ويقضي تدريجياً على الموائل الطبيعية، ما انعكس بصورة مباشرة على أعداد الغزلان والثعالب وغيرها من الكائنات البرية. كما تسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الملوحة في شط العرب بتدهور الشعاب والأحياء المائية في الخليج العربي، فضلاً عن دفن النباتات الطبيعية وتأثر عمليات تلقيحها نتيجة العواصف الترابية المتكررة، وهو ما أخل بالتوازن البيئي في تلك المناطق.
ويضيف أن التلوث البيئي يمثل تحديا لا يقل خطورة، حيث تتعرض مياه نهري دجلة والفرات للتلوث المستمر، بفعل مياه الصرف الصحي، ومخلفات المصانع والمبيدات الزراعية، الأمر الذي تسبب في نفوق وانقراض عدد من الأنواع المحلية.
كما أن التسربات النفطية في محافظتي البصرة وميسان أسهمت في تدمير النظم البيئية المائية، فيما تتراكم المخلفات البلاستيكية في الأهوار والأنهار، لتتحول إلى مصائد قاتلة للسلاحف والطيور المائية. ولا تزال مخلفات الحروب، من أسلحة ومتفجرات، تشكل مصدرا دائما لتلوث التربة.
ويبين عبد اللطيف أن الأنشطة البشرية غير القانونية فاقمت من حجم الأزمة البيئية، وعلى رأسها الصيد الجائر باستخدام الكهرباء والمتفجرات، وهي وسائل تفتك بالثروة السمكية وتدمر المواطن الطبيعية للكائنات المائية. كما يشهد العراق خلال فصل الشتاء تصاعداً في عمليات صيد الطيور المهاجرة، إلى جانب استمرار قطع أشجار النخيل والغابات لاستخدامها في صناعة الفحم أو التوسع الزراعي، فضلاً عن تهريب الحيوانات البرية، مثل الغزلان والقطط البرية وبعض الطيور النادرة، وبيعها في الأسواق.
ثلاثة تهديدات تواجه التنوع الأحيائي
وتنعكس هذه التهديدات على اعداد كبيرة من الكائنات الحية التي أصبحت تواجه خطر الانقراض. فمن الثدييات، يبرز غزال الريم، والخنزير البري العراقي، وابن آوى الذهبي ضمن الأنواع المهددة، في حين سجلت الأسماك المحلية، مثل البني، والشبوط، والقطان، انخفاضا ملحوظا في أعدادها. كما لم تسلم النباتات من هذه التحديات إذ تواجه أشجار البلوط والسنديان في جبال كردستان ونباتات الأهوار وعلى رأسها البردي، مخاطر متزايدة تهدد بقاءها.
ويؤكد أن المياه، والتلوث والأنشطة البشرية تمثل اليوم أكبر ثلاثة تهديدات تواجه التنوع الأحيائي في العراق، محذراً من أن استمرار هذه العوامل دون حلول جذرية سيؤدي إلى خسائر بيئية يصعب تعويضها.
وبالأرقام يوضح عبد اللطيف أن العراق يضم 23 نوعا من الثدييات المهددة و48 نوعا من الطيور المهددة و12 نوعا من الأسماك المحلية المهددة بالانقراض إضافة إلى نحو 1400 نوع من النباتات تواجه مخاطر مختلفة من بينها 60 نوعا مصنف ضمن قائمة الأنواع المهددة، وفي مقدمتها أشجار البلوط والسنديان في جبال كردستان.
134 نوعاً من الكائنات الحية مهددة بالانقراض
من جهته، حذر رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، من تفاقم أزمة التنوع الأحيائي في العراق، مؤكداً أن البلاد تواجه تراجعاً متسارعاً في أعداد الحيوانات البرية والمائية نتيجة عوامل بيئية وبشرية متراكمة، ما يجعل العديد من الأنواع على حافة الانقراض.
وقال الغراوي لـ"طريق الشعب"، أن بيانات الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة تشير إلى وجود 134 نوعاً من الكائنات الحية المهددة بالانقراض في العراق، مبينا أن الحفاظ على الحياة الفطرية لم يعد شأناً بيئياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بالأمن الغذائي وحماية صحة الإنسان وضمان حقه في بيئة آمنة.
واضاف أن التلوث، والجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، والتصحر، وتراجع مناسيب نهري دجلة والفرات، إلى جانب الصيد الجائر، تمثل أبرز الأسباب التي أدت إلى تراجع أعداد الحيوانات النادرة والمهاجرة، محذراً من استمرار هذه التهديدات دون حلول جذرية.
وأشار إلى أن العراق يحتضن أنواعا برية مميزة بينها الغزال الريمي والوعل الجبلي والذئب العراقي، والضبع المخطط، وثعلب الرمال، والقط البري، وقضاعة الأهوار، والخنزير البري، إلا أن كثيراً منها يواجه ضغوطاً متزايدة تهدد بقاءه.
وأضاف أن الأهوار العراقية ما زالت تمثل محطة رئيسية للطيور المهاجرة، مثل الحبارى الآسيوية، وأبو منجل الأصلع، وأبو منجل المقدس، والبط أبيض الرأس، والنسر المصري، والعقاب الإمبراطوري، واللقالق، فضلاً عن احتضانها أنواعاً محلية من الأسماك والسلاحف المائية.
311 نوعاً من الأسماك في العراق
وفي استعراضه للمؤشرات الرسمية، أوضح الغراوي أن العراق يضم نحو 311 نوعاً من الأسماك، فيما يوجد 234 نوعاً من النباتات والحيوانات مهدداً بدرجات متفاوتة، بينها 59 نوعاً من الأسماك، و43 نوعاً من الطيور، و20 نوعاً من الثدييات، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه التنوع الأحيائي في البلاد.
ولفت إلى أن المؤشرات العالمية لا تقل خطورة، إذ تؤكد القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة أن أكثر من 48 ألف نوع مهدد بالانقراض حول العالم، بينما تواجه قرابة ربع أنواع الكائنات التي تعيش في المياه العذبة خطر الاختفاء.
وأكد الغراوي أن استمرار تلوث الأنهار والأهوار بالمخلفات الصناعية والزراعية يهدد بانهيار الأنظمة البيئية الطبيعية، الأمر الذي سينعكس سلباً على الثروة السمكية والاقتصاد الوطني والصحة العامة، داعياً إلى تحرك عاجل لاحتواء الأزمة.
ودعا الحكومة الاتحادية ووزارات البيئة والزراعة والموارد المائية، إلى جانب حكومة إقليم كردستان والأجهزة الأمنية، إلى تنفيذ إجراءات فورية تشمل مكافحة الصيد الجائر، وتوسيع المحميات الطبيعية، وإعادة تأهيل الأهوار، وزيادة الإطلاقات المائية، فضلاً عن إطلاق برنامج وطني لحماية الأنواع المهددة بالانقراض وصون التنوع الأحيائي للأجيال المقبلة.
********************************
العراق في الصحافة الدولية
ترجمة وإعداد: طريق الشعب
في العراق.. هل تنجح عمليتا مكافحة الفساد وحصر السلاح؟
كتب علي المرياتي مقالاً لموقع منتدى الشرق الأوسط الأمريكي حول خطط الحكومة العراقية الجديدة لمكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، ذكر فيه أن فرض واشنطن عقوبات على بعض الجهات العراقية الفاعلة والشركات المالية والتجارية المرتبطة بها قد ترك تأثيرات سلبية كبيرة على هذه الجهات، لكنه فشل في تحجيم دورها أو منع حصولها على رأسمال سياسي وعسكري من الدولة، مما وفر فرصاً أكبر للولايات المتحدة من أجل ممارسة الضغط على الحكومة العراقية لإرغامها على حجب التمويل عن هذه الجهات، ومنع التعاقد معها أو منحها عقوداً حكومية، في الأراضي الزراعية أو في مجال الاتصالات وغيرها.
محاصصة في الاستثمارات
وادّعى المقال بان الجهات المستفيدة من هذه الامتيازات والعقود الاستثمارية، والتي تفرض عليها واشنطن عقوبات، لا تقتصر على القوى الحليفة لإيران وحدها، وإنما تشمل أيضاً القوى الحليفة لتركيا وقطر، مما يجعل هذه الأنشطة مفيدة لداعميها في طهران والدوحة وأنقرة.
وذكر الكاتب بأن تشديد الرقابة الأمريكية على مزاد الدولار الذي يجريه البنك المركزي العراقي دفع هذه الجهات إلى تحويل نشاطها نحو القطاعات المحلية التي تعتمد بشكل كبير على النقد، مثل شركات السياحة المحلية والمطاعم والمنتجعات الصحية والجامعات الخاصة والمدارس والمراكز الصحية، ومن ثم استثمار الأرباح في تحويل النفوذ المالي بسلاسة إلى نفوذ تشريعي، مدعومةً بتقاعس الدولة عن محاربة الفساد أو منع وصول هذه الجهات إلى النظام المالي الرسمي، الأمر الذي أدى إلى نظام شرعية مزدوجة، حيث تفرض العقوبات تكاليف دولية، بينما تستمر مؤسسات الدولة العراقية في منح الشرعية القانونية والمالية للجهات نفسها، حتى باتت العقوبات رمزية، في حين بقيت الإيرادات والنفوذ والوصول المؤسسي دون تغيير يُذكر، على حد تعبير الكاتب.
واقع قانوني لا فشل إداري
وأشار المقال إلى أن سبب حدوث هذه الازدواجية لا يعود إلى الفشل الإداري، بل إلى الواقع القانوني المحلي، الذي لا يُلزم العراق بإنفاذ العقوبات الأمريكية الأحادية على المستويين الوزاري أو الإقليمي، كما لا يسمح للبنك المركزي العراقي أن يتدخل ألا عندما تتقاطع المعاملات مع نظام مقاصة الدولار التابع للاحتياطي الفيدرالي، تاركًا عمليات العملة المحلية دون تغيير. ويبقى الحل التشريعي مستحيلاً نظرًا لهيمنة الجهات نفسها على البرلمان، وعدم سماحها بإقرار قوانين مكافحة غسل الأموال أو الإصلاحات التي من شأنها تعريض نفوذها المالي للخطر.
كسر الحلقة المفرغة
ونوه الكاتب إلى وجود أفكار لدى صانع القرار الأمريكي تتضمن فرض عقوبات على الوزارات العراقية مباشرة، وليس على هذه الجهات، إذا ما تقاعست عن تنفيذ العقوبات، إضافة الى الضغط لتطبيق ما أسماه بالإصلاحات، وإلا تحولت المؤسسات العراقية من مجرد أدوات تمويل ذاتي لهذه الجهات إلى أدوات استراتيجية مستدامة.
وذكر الكاتب، في مقال آخر على الموقع ذاته، أن الولايات المتحدة تدرك حجم اختراق هذه الجهات للمؤسسات الأمنية العراقية، بما فيها المؤسسة العسكرية، التي تتمتع ـ بطبيعة الحال ـ بسلطة قانونية وموارد حكومية وشرعية دولية واستمرارية مؤسسية تتجاوز التغييرات الحكومية. ولهذا تعتبر واشنطن إبعاد هذه الجهات عن هذه المؤسسات أجدى من حصر السلاح بيد الدولة.
وادّعى الكاتب أن واشنطن تراقب بحذر شديد التغييرات التي يجريها رئيس الحكومة الجديدة، والتي تراها خطة لفرض هيمنة إدارية على المؤسسة العسكرية والأمنية لصالح هذه الجهات، التي تعاديها الولايات المتحدة. ومن المتوقع أن يشكل تعامل الأمريكيين مع الأجهزة الأمنية العراقية، والجيش، وجهاز مكافحة الإرهاب بوصفهم شركاء ذوي سيادة، تحدياً خطيراً لواشنطن، وربما ستعمل على توفير المستلزمات المطلوبة لخوض هذا التحدي.
***************************
عين على الأحداث
ويسألونك عن سر هذا الفساد!!
اشترطت إحدى الكتل البرلمانية شمول عام 2012 بالقراءة الثانية لمشاريع قوانين الحسابات الختامية للسنوات 2013 ـ 2015، وذلك لما شهدته هذه السنة من تجاوز التخصيصات، ومنح سلف بعشرات التريليونات خارج القانون، وإطفاء بعضها من دون معززات رسمية، بجانب أخطاء السجلات وتأخير إنجاز الحسابات. تجدر الإشارة إلى أن الحسابات الختامية للأعوام 2006 ـ 2011 أقرت دفعة واحدة تحت قبة البرلمان عبر تسويات سياسية مريبة، فيما توقفت هذه العملية بعد ذلك، بما فيها السنوات التي كانت تحكم فيها الكتلة البرلمانية المعترضة، مما أدى إلى غياب الرقابة الفعلية على الإنفاق العام طوال عقدين من الزمن.
يا صياد السمچ
أعلنت وزارة الزراعة أن الأسواق تشهد حالياً وفرة ملحوظة في الأسماك المحلية، انعكاساً لنجاح برامجها الرامية إلى تنمية الثروة السمكية وتعزيز الأمن الغذائي، إذ تم إنتاج 1.6 مليون سمكة خلال السنوات الثلاث الماضية. هذا، ويستغرب الناس من فرحة الوزارة بمنجزها، إذ تشير المعطيات إلى أن إنتاج البلاد قد انخفض من 72 ألف طن في عام 2018 إلى 50 الف طن في عام 2024، جراء فشل الحكومة في معالجة شح المياه، وإهمال مربي الأسماك، وفتح الأبواب أمام الاستيراد، الذي ارتفعت قيمته من 18 مليون دولار عام 2010 إلى 79 مليون دولار عام 2022.
إنْ لم تستحِ..!
بلغت حالات العنف الأسري المُبلّغ عنها 36289 حالة في 2025، من بينها 19 الف حالة اعتداء من الأزواج على زوجاتهم، وأكثر من 16 ألف دعوى خلال النصف الأول من هذا العام. هذا، وفي الوقت الذي تمثل فيه هذه المعطيات جزءاً بسيطاً من العدد الحقيقي للحوادث، بسبب إحجام الكثيرات عن التبليغ على جرائم تعنيفهن، يثرثر المتنفذون كثيراً عن تبنيهم لحقوق المرأة، وسعيهم لتمكينها من حقوقها المسلوبة، فيما يمنعون عملياً تشريع قانون يحمي العوائل من العنف الأسري، بحيث لم تعد تكرس نتائج ملتقياتهم ومؤتمراتهم سوى اضطهاد النساء وإقصائهن عن تحقيق طموحاتهن.
خلْ ياكلون!
كشفت وثائق حكومية، عن طلب نائب من إحدى الوزارات إسناد منصب مسؤول الشؤون القانونية في إحدى شركاتها إلى ابن شقيقته، واستجابة الوزارة للطلب وتكليفه بالمنصب. الناس الذين لم تدهشهم تدخلات المتنفذين في التعيينات، إدراكاً منهم لاتساق هذه الممارسات غير القانونية مع طبيعة المنظومة الحاكمة، يتذكرون صراخ هذا النائب ووعيده لمنتقديه، وتذمره من حرية التعبير والرقابة الشعبية باعتبارهما معرقلتين للتجربة التنموية التي يعيشها البلد، ومسيئتين لرموزه الوطنية، في مشهد معبر عن منظومة المحاصصة، التي ينهب أركانها المال العام، وتعبّئ مريديها بالزبائنية السياسية وشراء الذمم وتأجيج الاستقطابات الطائفية والإثنية وتغييب الوعي.
نفطويه.. كازويه
غابت مادة "الكاز" عن محطات الوقود، ما تسبب بازدحام المركبات، وسط تأكيدات وزارة النفط بأن ارتفاع الطلب جاء بسبب تراجع الإنتاج إثر أعمال الصيانة التي تشهدها بعض الوحدات التكريرية، وزيادة استهلاك المولدات الأهلية التي منحت الحكومة أصحابها حصة من الكاز مجاناً لتشجيعهم على تخفيف الأعباء عن المواطنين خلال الصيف. هذا، وفيما لم يلتزم أغلب هؤلاء بالنصيحة الأخلاقية للحكومة رغم استلامه الحصة، تساءل الناس عن سبب عدم اتخاذ إجراءات استباقية، عبر تأمين مخزون كافٍ، وجدولة الصيانات بما يمنع حدوث نقص في المحطات، مندهشين من قدرة المؤسسات الحكومية على خلق الأزمات بهذه السرعة.
***********************************
الصفحة الرابعة
ماذا عن حملات التفتيش الوزارية؟ رواج سوق الأدوية غير المرخصة في الموصل
الموصل – عبد الله عمر
رغم استمرار الحملات الرقابية الرسمية، لا تزال سوق الأدوية غير النظامية حاضرة في مدينة الموصل، مستفيدة من نقص بعض العلاجات وارتفاع أسعار أخرى، وهو ما يدفع عددًا من المرضى إلى شراء أدوية مجهولة المصدر، في ظل تحذيرات متكررة من أضرار صحية قد تصل إلى مضاعفات خطيرة.
ويؤكد اختصاصيون أن حجم الظاهرة تراجع مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أنها لم تختفِ، مشيرين إلى ان بعض الأصناف الدوائية لا يزال يدخل إلى الأسواق عبر منافذ غير رسمية، بعيدًا عن إجراءات التسجيل والفحص التي تفرضها وزارة الصحة على الأدوية المتداولة داخل البلاد.
يأتي ذلك في الوقت الذي تشن فيه وزارة الصحة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، حملات ملاحقة واسعة في الموصل وبقية المحافظات، للحد من رواج الأدوية المهربة ومجهولة المصدر. حيث تُسفر تلك الحملات بين فترة وأخرى، عن ضبط منافذ تتاجر بالمواد الطبية خارج الضوابط القانونية وبعيدا عن الرقابة الدوائية الرسمية، فضلا عن ضبط أدوية غير مسجلة تُباع في الصيدليات.
بين غلاء الأدوية وانحسارها
في حديث لـ"طريق الشعب"، يقول صيدلي من مدينة الموصل أن انخفاض أسعار بعض الأدوية المهربة مقارنة بالمسجلة رسميًا يشكل أحد أهم أسباب استمرار الطلب عليها، إلى جانب فقدان بعض العلاجات المهمة، لا سيما أدوية الأورام والعلاجات البيولوجية".
ويضيف الصيدلي الذي طلب عدم ذكره اسمه، قائلا أن "بعض الأطباء يوصون بأدوية تنتجها شركات عالمية لم تعد مسجلة في العراق، الأمر الذي يدفع المرضى للبحث عنها خارج القنوات الرسمية. بينما تجد بعض الصيدليات نفسها أمام ضغوط لتوفير تلك الأدوية بأي وسيلة".
ويبيّن أن الفرق بين الدواء النظامي والمهرب لا يقتصر على مصدر الاستيراد، إنما يشمل إجراءات الفحص والسيطرة النوعية، موضحًا أن "الدواء المرخص يخضع لسلسلة من الاختبارات المختبرية قبل طرحه في الأسواق، في حين لا توجد ضمانات بشأن جودة الأدوية المهربة أو ظروف خزنها ونقلها".
ويشير الصيدلي إلى أن "نقابة الصيادلة سبق أن سحبت كميات من مستحضر (الألبومين) مجهول المنشأ بعد تسجيل حالات تحسس لدى مرضى استخدموه، في وقت كانت فيه المؤسسات الصحية تُعاني نقصا في هذا الدواء".
ويلفت إلى أن "جزءًا من هذه المنتجات يصل إلى الصيدليات عبر شبكات التهريب، فيما تنتشر بعض المكملات الغذائية غير المسجلة عبر صفحات التواصل الاجتماعي والمتاجر الإلكترونية"، داعيًا إلى تسريع تسجيل الأدوية الضرورية وتوفيرها داخل المؤسسات الصحية للحد من لجوء المرضى إلى السوق الموازية.
مخاطر صحية
من جهته، يحذر الطبيب الاختصاصي أحمد محمد من استخدام الأدوية غير المرخصة، مؤكدًا في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "غياب الرقابة على تصنيع الأدوية أو خزنها قد يجعلها أقل فاعلية أو أكثر خطورة، خصوصًا بالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة والسرطان الذين يعتمد علاجهم على جرعات دقيقة ومواصفات دوائية محددة".
ويضيف قوله أن "الحد من الظاهرة يتطلب رفع الوعي الصحي لدى المواطنين، وتشجيعهم على شراء الأدوية من الصيدليات المرخصة فقط، وعدم الانسياق وراء الأسعار المنخفضة أو الإعلانات المنتشرة عبر الانترنيت".
الصحة: فرقنا تتابع حركة الدواء
تواصل وزارة الصحة حملاتها لمكافحة تداول الأدوية غير المسجلة. وفي هذا السياق يقول مدير عام دائرة التفتيش في الوزارة د. صباح نوري الخزعلي، في بيان رسمي، أن الفرق الرقابية تتابع حركة تداول الدواء في المكاتب العلمية والمذاخر والصيدليات، بالتعاون مع الجهات الأمنية، لضمان وصول أدوية آمنة ومفحوصة إلى المواطنين.
وفي وقت سابق أعلنت وزارة الصحة إتلاف أكثر من 1.6 مليون قطعة دوائية مخالفة بعد ضبطها خلال حملات التفتيش.
وفي عملية أخرى، أعلنت الوزارة أن فريقًا مشتركًا مع مديرية مكافحة الجريمة المنظمة وجهاز الأمن الوطني تمكن من ضبط أكثر من 50 طنًا من الأدوية المهربة والمقلدة في بغداد وديالى ونينوى، وإغلاق عدد من المواقع المخالفة، مع إحالة 17 متهمًا إلى القضاء.
ويرى اختصاصيون أن إنهاء تجارة الأدوية المهربة لا يعتمد على الرقابة وحدها، إنما يتطلب معالجة الأسباب التي تغذيها، وفي مقدمتها نقص بعض العلاجات وارتفاع أسعارها، إلى جانب تطوير آليات تسجيل الأدوية وتوسيع مظلة توفيرها داخل المؤسسات الصحية، بما يقلل الحاجة إلى السوق غير النظامية ويحافظ على سلامة المرضى.
وينوّه الاختصاصيون إلى أن النقص الحاد في بعض الأدوية الضرورية والمزمنة داخل المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، يمثل المحرك الأساسي الذي يدفع المرضى وعائلاتهم قسرا للبحث عن بدائل مجهولة ومحفوفة بالمخاطر في السوق الموازية، مشيرين إلى أن السيطرة الفعلية تتطلب توفير الدواء المجاني في المستشفيات وتسهيل آليات الاستيراد الرسمي لقطع الطريق تماما أمام شبكات التهريب التي تستغل حاجة المواطن.
**************************
زقاق في {كمب سارة} محروم من الخدمات
متابعة – طريق الشعب
يُبدي عدد من سكان الزقاق 6 - المحلة 910 في حي كمب سارة وسط بغداد، استياء من تردي الواقع الخدمي في زقاقهم، موضحين في حديث صحفي، أن هذا الزقاق، خلافا للأزقة المجاورة، يُعاني انتشار الحفر والتخسفات وتردي شبكة المجاري، فضلا عن وجود تجاوزات أدت إلى تضييقه.
ويقول السكان أن الزقاق يفتقر إلى السواقي اللازمة لتصريف المياه، فيما تعاني شبكة المجاري مشكلات مستمرة، خصوصا خلال موسم الأمطار، لافتين إلى أن هناك أعمال تبليط جرت في عدد من الأزقة المجاورة، في حين لم تشمل زقاقهم، رغم انه يعاني ترديا أكبر ويحتاج أكثر من غيره إلى التأهيل – حسب قولهم.
ويطالب السكان أمانة بغداد والجهات البلدية المعنية بإجراء زيارة ميدانية للزقاق، والاطلاع على واقعه، وإدراجه على جدول مشاريع التبليط والتأهيل، أسوة بالأزقة المجاورة.
********************************
تحذيرات من انتشار نبتة سامة في الأنبار
متابعة – طريق الشعب
أفادت مديرية زراعة الأنبار بعودة نبات "الداتورا" السام أو ما يعرف بـ"تفاح الشيطان"، إلى الظهور مجددا في عدد من مناطق المحافظة، بعد انحساره خلال الفترات السابقة، محذرة من مخاطره على الإنسان والحيوان، وداعية في الوقت نفسه المواطنين إلى عدم التعامل معه والإبلاغ عن أماكن انتشاره لضمان إزالته بطرق آمنة.
وقال مدير شعبة الإعلام في مديرية الزراعة، عمر عبد المنعم المشهداني، ان "الداتورا" من النباتات الدخيلة التي سُجل ظهورها في المحافظة بعد 2003، مرجحاً في حديث صحفي أن يكون انتشاره ناتجاً عن انتقال بذوره ونموها في مناطق مختلفة، من دون توفر معلومات دقيقة عن كيفية وصوله إلى الأنبار لأول مرة.
وأضاف قائلا أن "الداتورا" من النباتات السامة والخطرة على صحة الإنسان والحيوان، لا سيما عند تناول أي جزء منه. وفيما دعا إلى تجنب لمسه أو التعامل معه بأي شكل، أشار إلى ان مديريته سجلت عام 2019 حالة تسمم لطفلة بعد تناولها جزءاً من النبات.
وأوضح المشهداني أن المديرية تتعامل مع أي مواقع يُرصد فيها النبات بالتنسيق مع دوائر البلدية والأجهزة الأمنية. حيث تتم إزالته والتخلص منه بالحرق لمنع انتشاره.
ولفت إلى أن ضعف الوعي بخطورة هذا النبات يمثل أحد أبرز التحديات، مبينا أن بعض المزارعين والمواطنين يعتقدون أنه نبات للزينة بسبب أزهاره التي تشبه الأبواق، والتي تتراوح ألوانها بين الأبيض والبنفسجي، وتتفتح غالباً خلال ساعات المساء.
من جهته، قال الخبير البيئي علي الفهد، أن مواجهة انتشار "الداتورا" لا يجب أن تقتصر على إزالته ميدانياً، إنما تتطلب خطة متكاملة تجمع بين المكافحة والتوعية المجتمعية، مبيناً أن النبات ينتج كميات كبيرة من البذور التي قد تبقى كامنة في التربة لفترات طويلة، ما يزيد من احتمالية ظهوره مجدداً إذا لم تُنفذ عمليات متابعة دورية.
******************************
كهرباء متردية وخدمات بائسة في قضاء العامرية
متابعة – طريق الشعب
اشتكى مواطنون ووجهاء في قضاء العامرية (عامرية الصمود) بمحافظة الأنبار، من تردي الكهرباء الوطنية والخدمات الأساسية في القضاء.
وأوضحوا في حديث صحفي، أن ساعات تجهيز الكهرباء المحدودة، انعكست سلباً على القطاع الزراعي وإمدادات المياه. فيما حذروا من اللجوء إلى خطوات تصعيدية في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه.
وأشار عدد منهم إلى ان "القضاء يشهد انقطاعاً شبه تام للكهرباء.
إذ لا تتجاوز فترة التجهيز ساعة واحدة مقابل خمس ساعات قطع، الأمر الذي تسبب في توقف مضخات الري وإلحاق أضرار كبيرة بالمحاصيل الزراعية"، مؤكدين أن "العديد من المزروعات تعرضت للتلف بسبب عدم انتظام تجهيز الطاقة".
وأضافوا القول أن "أزمة الكهرباء أثرت كذلك على مشاريع إسالة المياه.
حيث لا يصل الماء إلى المنازل بالشكل المطلوب، ما تسبب في معاناة يومية للأهالي في الحصول على مياه الشرب والاستخدامات المنزلية". وحذّر الأهالي من تنظيم احتجاجات واعتصامات واتخاذ خطوات تصعيدية للمطالبة بتحسين واقع الكهرباء والخدمات وصرف مستحقات الفلاحين، في حال استمرت الأوضاع دون معالجات ملموسة.
*******************************
أهالي الغزالية يُطالبون بتأهيل شارع حيوي
متابعة – طريق الشعب
طالب عدد من أهالي منطقة الغزالية في بغداد، أمانة العاصمة والجهات البلدية المعنية، بتأهيل شارع 60، الذي يربط المنطقة بالطريق السريع، مبيّنين في حديث صحفي أن هذا الشارع حيوي ومهم، وان تأهيله من شأنه أن يساهم في تخفيف الزخم المروري، خاصة عند جسر الغزالية.
وأوضحوا أن "شارع 60 يربط الغزالية بمناطق عديدة، ما يجعله طريقا حيويا مهما"، مستدركين "لكن إهماله وعدم رفع التجاوزات الحاصلة عليه في منطقة البكرية، حال دون الاستفادة منه".
ودعا الأهالي بلدية المنصور ودائرة الطرق في أمانة بغداد إلى إجراء زيارة ميدانية للشارع والاطلاع على واقعه، والعمل على تبليطه وإنارته وتأهيله، مؤكدين أن فتحه سيساهم في تحسين حركة المرور وخدمة أهالي الغزالية والبكرية والمناطق المجاورة.
******************************
اختناقات مرورية مزمنة في أحد شوارع الدورة
متابعة – طريق الشعب
يشكو العديد من أهالي منطقة الدورة من اختناقات مرورية متواصلة في شارع المصافي والشوارع الخدمية المحيطة به، مشيرين إلى أن الازدحامات ازدادت بصورة كبيرة بعد افتتاح طريق سريع اليوسفية، فضلا عن استمرار غلق أو استغلال بعض الطرق الخدمية المحاذية لنهر دجلة وشارع المصافي.
ويقول الأهالي في حديث صحفي أن كراج محكمة الدورة يشغل جزءا من الشارع الخدمي، ما يؤدي إلى تضييق الطريق والتسبب في اختناقات يومية، لا سيما مع وجود جامعتين وكلية في المنطقة، فضلا عن وجود عدد من الدوائر الخدمية والمستشفيات والمراكز التجارية، الأمر الذي يزيد من حركة المركبات.
ويشير الأهالي إلى أن الازدحامات أصبحت تؤثر في حركة السكان وطلبة الجامعات والموظفين، وتؤخر وصول الحالات المرضية إلى المستشفيات، مؤكدين أن معاناتهم تتفاقم مع بدء الدوام الجامعي وازدياد أعداد المركبات في المنطقة.
وطالب الأهالي الجهات المعنية بإيجاد حلول عاجلة للاختناقات، بينها دراسة نقل كراج محكمة الدورة إلى موقع بديل، بما يساهم في تخفيف الضغط عن شارع المصافي وفتح الطريق الخدمي أمام حركة المركبات.
كما طالبوا بلدية الدورة بمعالجة التجاوزات التي تتسبب في تضييق الشوارع، وإجراء كشف موقعي شامل على المنطقة.
******************************
22 زقاقا في حي النصر تنتظر رصفها بالمقرنص
متابعة – طريق الشعب
يشكو عدد من أهالي المحلة 773 في حي النصر البغدادي، من تأخر تنفيذ مشروع رصف 22 زقاقا بالمقرنص في محلتهم، مبيّنين في حديث صحفي انهم كانوا قد تلقوا وعودا بشمول الأزقة بالمشروع، إلا أن الأعمال لم تُنفذ حتى الآن.
ويشير الأهالي إلى أن استمرار تأخر المشروع يثير مخاوفهم، لا سيما عند حلول الشتاء وموسم الأمطار. إذ تتحول الأزقة الترابية إلى مساحات موحلة تعيق حركة المواطنين والمركبات، وتزيد من معاناة العائلات وطلبة المدارس.
ويطالب الأهالي أمانة بغداد والجهات البلدية المعنية بالإسراع في تنفيذ أعمال الرصف، مؤكدين أن إنجازها سيساهم في تحسين الواقع الخدمي وإنهاء معاناة استمرت سنوات طويلة.
*****************************
مواساة
• ببالغ الحزن والأسى، تلقت اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في مدينة الثورة، أول أمس الثلاثاء، نبأ رحيل الرفيق العزيز موسى عبد الرضا (أبو عمار).
كان الفقيد رفيقًا مخلصًا وفيًا لحزبه ورفاقه ورفيقاته. عُرف بأخلاقه الشيوعية النبيلة، وإيمانه الراسخ بقضايا الشعب، ودفاعه المستميت عن حقوق الكادحين. كما كان مثالًا للنشاط والالتزام في أداء واجباته الحزبية.
برحيل الرفيق أبو عمار فقد الحزب ورفاقه مناضلًا صادقًا ترك بصمة طيبة في مسيرته النضالية.
له الذكر الطيب ولأسرته ورفاقه ورفيقاته خالص العزاء والمواساة.
********************************
الصفحة الخامسة
احتجاجات تحاصر نتنياهو في واشنطن ضغوط شعبية وقانونية تلاحق رئيس حكومة الاحتلال خلال زيارته لترامب
واشنطن ـ وكالات
شهدت العاصمة الأميركية واشنطن يوماً استثنائياً تزامناً مع زيارة رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ تحولت المدينة إلى مسرح لسلسلة احتجاجات استمرت أكثر من عشر ساعات، وشاركت فيها منظمات حقوقية، وحركات يهودية وفلسطينية، وجماعات دينية وسياسية أميركية، في مشهد عكس اتساع المعارضة الشعبية لسياسات الحكومة الإسرائيلية في قطاع غزة، وتزايد الضغوط على الإدارة الأميركية بسبب استمرار دعمها العسكري والسياسي لإسرائيل.
وجاءت زيارة نتنياهو، وهي الثامنة إلى الولايات المتحدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، والسابعة إلى واشنطن خلال هذه الفترة، في ظل ظروف سياسية وقانونية معقدة، أبرزها استمرار الحرب في قطاع غزة، ومذكرة الاعتقال الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى تصاعد الانتقادات الدولية لسياسات حكومته.
وبحسب أرشيف وزارة الخارجية الأميركية، بلغ عدد اللقاءات الرسمية التي عقدها نتنياهو مع الرؤساء الأميركيين 38 لقاءً منذ توليه رئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996، وهو رقم غير مسبوق بين رؤساء حكومات الإحتلال، ما يعكس طبيعة العلاقة الخاصة التي بناها مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، من بيل كلينتون مروراً بباراك أوباما وجو بايدن، وصولاً إلى دونالد ترامب في ولايتيه.
احتجاجات عارمة
بدأت التحركات الاحتجاجية منذ الساعة الثامنة والنصف صباحاً، عندما نظمت مجموعة دينية تضم يهوداً ومسيحيين ومسلمين وقفة أمام البيت الأبيض طالبت باعتقال نتنياهو ومحاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب، كما دعت إلى وقف الحرب وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
ورفع المشاركون شعارات تدعو إلى وقف إطلاق النار، وإنهاء تجويع سكان غزة، ووقف ما وصفوه بالإبادة الجماعية، إضافة إلى مطالبات بوقف تسليح إسرائيل وإنهاء الدعم الأميركي للحرب.
وتواصلت الفعاليات بعد ذلك مع تنظيم مظاهرات قادتها مجموعات ليبرالية أميركية وناشطون عرب وفلسطينيون، حملوا الأعلام الفلسطينية ولافتات تتهم الحكومة الإسرائيلية باستهداف المدنيين والمخيمات، مطالبين بوقف التمويل الأميركي للعمليات العسكرية في غزة.
شهادات طبية تدين الحرب
ومن أبرز محطات الاحتجاجات مشاركة أطباء أميركيين، إذ تحدث الطبيب المتقاعد جون ريورر، المنتمي إلى حركة "أطباء ضد الإبادة الجماعية"، مؤكداً أن ما يجري في غزة يمثل كارثة إنسانية غير مسبوقة خلال مسيرته الطبية.
وقال إن استهداف المستشفيات والطواقم الطبية وسيارات الإسعاف لم يشهد له مثيلاً في مناطق النزاعات التي عمل فيها عبر خمس قارات، مستشهداً بقضية الطفلة هند رجب، التي تحولت إلى رمز عالمي بعد استهداف سيارة الإسعاف التي حاولت إنقاذها، إضافة إلى قضية الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية المعتقل لدى السلطات الإسرائيلية بعد رفضه مغادرة المستشفى الذي كان يعمل فيه.
انقسام داخل الأوساط اليهودية
ولم تقتصر الاحتجاجات على المنظمات الفلسطينية والعربية، بل شهدت مشاركة لافتة لتيارات يهودية مختلفة، وإن اختلفت دوافعها السياسية.
فقد نظمت جماعة "ناطوري كارتا"، المعروفة بمعارضتها الفكر الصهيوني ورفضها قيام دولة إسرائيل، وقفة احتجاجية وصفت خلالها نتنياهو بأنه "لا يمثل اليهود"، معتبرة أن الصهيونية تستخدم الدين لتبرير الاحتلال والحرب.
في المقابل، نظمت منظمة "New Jewish Narrative"، التي تصف نفسها بأنها "صهيونية تقدمية"، تظاهرة منفصلة رفعت خلالها شعار "أنقذوا إسرائيل من نتنياهو"، مؤكدة دعمها لحل الدولتين، لكنها حمّلت رئيس الوزراء الإسرائيلي مسؤولية تعميق الانقسام الداخلي والإضرار بصورة إسرائيل عالمياً.
ويعكس تنظيم الفعاليتين بشكل منفصل حجم التباين داخل المجتمع اليهودي الأميركي، بين تيارات ترفض الصهيونية بالكامل وأخرى تؤيد إسرائيل لكنها تعارض سياسات حكومة نتنياهو.
احتجاجات خلال جنازة ليندسي غراهام
وتزامنت الزيارة أيضاً مع مشاركة ترامب ونتنياهو في مراسم تشييع السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، أحد أبرز الداعمين لإسرائيل داخل الكونغرس الأميركي.
وأمام الكاتدرائية التي استضافت مراسم الجنازة، نظم ناشطون وقفة احتجاجية طالبوا خلالها بوقف الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، ورفعوا شعارات ترفض تمويل الحروب باستخدام أموال دافعي الضرائب الأميركيين، معتبرين أن استمرار الدعم الأميركي يسهم في إطالة أمد الصراع.
مسيرة حاشدة رغم الأمطار
وفي المساء، شاركت منظمات عدة، أبرزها "الصوت اليهودي من أجل السلام"، وحركة الشباب الفلسطيني، وحزب الاشتراكية والتحرير، في مسيرة كبيرة أمام البيت الأبيض، رغم هطول أمطار غزيرة.
وردد المتظاهرون هتافات تصف نتنياهو بـ "مجرم الحرب"، مطالبين بوقف الحرب في غزة، وسحب الاستثمارات من الشركات المرتبطة بالعمليات العسكرية، ووقف الدعم الأميركي لإسرائيل، كما رفعوا شعارات تطالب بإنهاء الحرب على غزة ولبنان، ووقف التصعيد الإقليمي.
وأكد متحدثون خلال المسيرة أن زيارة نتنياهو إلى واشنطن تأتي في وقت يواجه فيه اتهامات دولية خطيرة، معتبرين أن استقباله رسمياً في البيت الأبيض يمثل تجاهلاً للمطالبات الدولية بمحاسبته.
مذكرة الجنائية الدولية تزيد الضغوط
وتأتي الاحتجاجات بالتزامن مع استمرار الجدل القانوني حول مذكرة الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في 21 تشرين الثاني 2024 بحق نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وفي هذا السياق، جدد الاتحاد الأوروبي تذكير الدول الأعضاء بالتزاماتها بموجب نظام روما الأساسي، بعدما عبرت طائرة نتنياهو أجواء اليونان وإيطاليا وفرنسا في طريقها إلى الولايات المتحدة، مؤكداً دعمه الكامل للمحكمة الجنائية الدولية ومبادئ العدالة الدولية، مع التشديد على ضرورة التعاون مع المحكمة وعدم الإفلات من العقاب.
لقاء ترامب ونتنياهو
ورغم الاحتجاجات الواسعة، عقد ترامب ونتنياهو اجتماعاً في البيت الأبيض، وصفه الرئيس الأميركي لاحقاً بأنه "إيجابي جداً"، مشيراً إلى أنه تناول عدداً من الملفات المهمة، دون الكشف عن تفاصيلها.
وبالتزامن مع التحركات السياسية في واشنطن، شهدت الضفة الغربية تصعيداً ميدانياً، تمثل في اعتداءات نفذها مستوطنون على تجمعات فلسطينية، وإحراق مركبات، وتهديد عائلات بالتهجير، فضلاً عن اقتحامات نفذها الجيش الإسرائيلي في عدة مدن وبلدات.
كما أثارت تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش جدلاً جديداً بعد تبنيه عمليات هدم المنازل الفلسطينية، وإعادة تأكيده أن الضفة الغربية "جزء لا يتجزأ من إسرائيل"، في وقت يواصل فيه الدعوة إلى ضم معظم أراضي الضفة ومنع قيام دولة فلسطينية.
*****************************
إسبانيا تعيد آلاف السكان إلى منازلهم مع انحسار حرائق الغابات
مدريد ـ وكالات
بدأت السلطات الإسبانية إعادة عشرات آلاف السكان إلى منازلهم بعد انحسار حرائق الغابات التي اجتاحت عدة مناطق، مع استمرار التحذيرات من مخاطر موجة حر رابعة قد تعقّد جهود الإخماد خلال الأيام المقبلة.
وأكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن الوضع يشهد تطوراً "إيجابياً"، مشيراً إلى أن فرق الإطفاء "ترى الضوء في آخر النفق"، لكنه دعا إلى توخي الحذر بسبب استمرار الظروف الجوية القاسية. وأعلنت الحكومة 211 منطقة في 14 إقليماً "مناطق منكوبة"، ما يتيح تقديم مساعدات مالية وإعفاءات ضريبية وتسهيلات للمتضررين.
وأظهرت بيانات وزارة التحول البيئي أن الحرائق التهمت منذ بداية العام 173 ألفاً و651 هكتاراً، أي ستة أضعاف المساحة التي احترقت خلال الفترة نفسها من عام 2025، فيما سُجل 35 حريقاً حتى الآن.
وأنهت السلطات عمليات إجلاء في عدد من البلدات، وسمحت بعودة آلاف السكان، بينما لا يزال أكثر من 11 ألف شخص خارج منازلهم في مدريد، حيث بقي أحد أكبر الحرائق خارج السيطرة، في وقت تواصل فيه فرق الإطفاء جهودها لتطويق النيران ومنع امتدادها مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة واشتداد الرياح.
******************************
العالم يحترق والشركات متعددة الجنسيات تجني أرباحاً هائلة
رشيد غويلب
تفرض الشركات متعددة الجنسية أسعارا تُفقر الناس، وتدمر انبعاثاتها المناخ، لكنها ضاعفت أرباحها. ويعود ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، وأكبر ست شركات نفطية في العالم تجني حصة الأسد من الثمار. منذ أن دخلت بدء واستمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ارتفعت أسعار النفط بشكل كبير، مما أثر بشدة على المستهلكين النهائيين العاديين. ففي الربع الثاني من عام 2026، ضاعفت هذه الشركات أرباحها مقارنة بالربع الأول. بالنسبة للمستهلك العادي، ولم تعد رحلة التزود بالوقود كابوسًا فقط، بل أن ارتفاع تكاليف الطاقة يرفع أيضًا تكلفة المعيشة الإجمالية. عكس هذه الحقائق بيان صحفي صدر عن منظمة أوكسفام البريطانية الثلاثاء الفائت، والذي يستند إلى نشرة إخبارية نشرت في اليوم نفسه تؤكد أنه "من المتوقع أن تتضاعف أرباح شركات النفط الكبرى بينما يحترق العالم".
أوضح مانويل شميت، خبير منظمة أوكسفام في عدم المساواة الاجتماعية، أن شركات النفط الكبرى، مثل بي بي، وشيفرون، وتوتال، وإكسون موبيل، وشل، وإيني، تجني مليارات الدولارات من الأرباح بينما يدفع الناس في جميع أنحاء العالم الثمن. وأضاف: "تشير المعطيات أيضًا إلى أن انبعاثاتها التاريخية ساهمت بشكل كبير في زيادة تواتر وشدة موجات الحر في هذا القرن". ناهيك عن آلاف الوفيات الناجمة عن موجات الحر الأخيرة.
في الوقت نفسه، تجني إكسون موبيل 1800 دولار في الثانية! تليها شركة شيفرون الأمريكية بـ 1200 دولار، ثم شل بـ 1000 دولار في الثانية. وذكرت أوكسفام أن "إجمالي الأرباح المتوقعة لشركات النفط والغاز الست في عام 2026 سيبلغ 147 مليار دولار، وهو أكثر من أرباحها خلال الـ 21 شهرًا السابقة (من نيسان 2024 إلى كانون الأول 2025)". لقد أعلنت شركة الطاقة الفرنسية توتال وحدها، الثلاثاء الفائت، عن زيادة صافي أرباحها المعدلة في الربع الثاني بنسبة 67 في المائة، لتصل إلى ستة مليارات دولار أمريكي.
وتؤكد منظمة أوكسفام بعد تحليلها للمعطيات المتوفرة، أن الأمر لا ينحصر هذه الأرباح الناتجة عن الارتفاع الهائل في أسعار النفط الذي يعاني منه الناس في جميع أنحاء العالم منذ سنوات، بل أن شركات النفط الكبرى تسببت أيضاً في أضرار بيئية تُقدر تكلفتها بنحو 60 مليار دولار أمريكي. ومن المتوقع أن ترتفع هذه التكلفة، إذ تخطط الشركات لزيادة إنتاجها بنسبة 14 في المائة بحلول عام 2030 مقارنةً بعام 2024، وهو ما يعادل زيادة في الإنتاج قدرها 2,5 مليون برميل نفط يومياً. بعبارة أخرى، تستمر الشركات في جني الأرباح الطائلة بينما تتعمق معاناة الناس وكذلك الأضرار البيئية.
لكن هذا التطور ليس حتمياً، كما يتوقع المتحدث باسم أوكسفام، شميت، أن الحكومات ستجبر شركات الطاقة على دفع ثمن أخطائها. فالحاجة ماسة إلى تحول جذري في السياسات: "التحول الضروري نحو اقتصاد قائم على المصلحة العامة"، والذي يُموّل من خلال فرض ضرائب على أرباح الشركات الهائلة. إن الدول والشعوب الأفقر، على وجه الخصوص، تحتاج إلى دعم كافٍ لمواجهة أزمة المناخ. ومن شأن فرض ضريبة على الأرباح الفائضة للشركات في جميع القطاعات أن يُسهم في ذلك: إذ ترى منظمة أوكسفام أن فرض ضريبة بنسبة 50 في المائة على الأرباح التي تتجاوز نسبة 10 في المائة، أمرٌ مناسب. وفي قطاع الوقود الأحفوري، ينبغي تطبيق هذه الضريبة على الأرباح التي تتجاوز 3 في المائة.
وأن ضريبة على الأرباح الفائضة لشركات الوقود الأحفوري على المستوى العالمي ستوفر 400 مليار دولار في العام الأول وحده، وهو مبلغ كفيلٌ بتغطية التكاليف السنوية للتكيف مع تغير المناخ في دول الجنوب العالمي. كما ستُمكّن عائدات هذه الضريبة الحكومة الألمانية، على سبيل المثال، من الوفاء بالتزامها بتقديم 6 مليارات يورو سنويًا لدعم الدول الأفقر. ووفقًا لتحليل أوكسفام، فإن التخفيضات الحالية في الميزانية تُشير إلى أن ألمانيا قد لا تتمكن من الوفاء بهذا الالتزام، بمعنى آخر لا تريد الوفاء به.
من جانبها، امتنعت المفوضية الأوروبية حتى الآن عن التدخل في السياسات الضريبية للدول الأعضاء.
**********************************
هيومن رايتس تدين إعدام السعودية مهاجرين اثيوبيين
نيويورك ـ وكالات
دانت منظمة هيومن رايتس ووتش إعدام السلطات السعودية خمسة مهاجرين إثيوبيين بتهم تتعلق بتهريب المخدرات، معتبرة أن القضية تكشف استغلال مهاجرين يعيشون أوضاعاً إنسانية قاسية، ومحاكمتهم في إجراءات تفتقر إلى أبسط معايير العدالة.
وقالت المنظمة إن الرجال الخمسة فروا من النزاع في إقليم تيغراي الإثيوبي إلى اليمن، حيث عاشوا في ظروف من الفقر والبطالة. ووفقاً لمصادرها، عرض عليهم رجل يمني عملاً من دون الكشف عن طبيعته، وطلب منهم حمل طرد لا يعرفون محتوياته إلى نقطة تسليم محددة، قبل أن يختفي. وأضافت أن المهاجرين اعتُقلوا من قبل السلطات السعودية أثناء سيرهم، وهم لا يعلمون أنهم عبروا الحدود إلى المملكة.
وأكدت المنظمة أن الرجال احتُجزوا أكثر من ثلاث سنوات، وأُجبروا على توقيع وثائق باللغة العربية التي لا يفهمونها، فيما اقتصرت محاكماتهم على ثلاث جلسات قصيرة، بعضها عن بُعد، من دون تمثيل قانوني أو ترجمة كافية.
وأشارت هيومن رايتس ووتش إلى أن السعودية أعدمت ما لا يقل عن 17 إثيوبياً منذ مطلع عام 2026 في قضايا مخدرات، بينما يواجه 79 آخرون خطر الإعدام، داعية إلى وقف تنفيذ الأحكام وإعادة النظر فيها بما يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
******************************
تبون: الجزائر لا تتسول حقوقها من باريس
الجزائر ـ وكالات
نفى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن تكون بلاده قد طلبت من فرنسا زيادة حصة التأشيرات المخصصة للجزائريين، مؤكداً أنه لم يناقش هذا الملف مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وذلك رداً على تصريحات السفير الفرنسي في الجزائر بشأن استئناف منح 250 ألف تأشيرة سنوياً للجزائريين.
وأوضح تبون، في حوار تلفزيوني بثت الرئاسة الجزائرية مقطعاً ترويجياً منه، أن الجزائر "لن تتسول"، مشيراً إلى أن بلاده لم تطلب أيضاً اعتذاراً أو تعويضاً من فرنسا بشأن الحقبة الاستعمارية، بعد تعديل قانون تجريم الاستعمار والاكتفاء بالمطالبة باعتراف باريس بجرائمها.
وجاءت تصريحات تبون بعد جدل سياسي في فرنسا، إذ انتقدت شخصيات من اليمين واليمين المتطرف، بينها برونو روتايو ومارين لوبان، أي عودة إلى مستويات التأشيرات السابقة للأزمة التي اندلعت بين البلدين في يوليو/تموز 2024. كما أكدت المتحدثة باسم الحكومة الفرنسية، مود بريجون، أن الرئيس إيمانويل ماكرون أوضح عدم وجود أهداف رقمية محددة لمنح التأشيرات للجزائريين.
وفي الشأن الإقليمي، شدد تبون على دعم الجزائر لتونس، مؤكداً أن بلاده ستتعامل بحزم مع أي طرف "يحاول استقدام وجلب الإرهاب" إلى الأراضي التونسية، في ظل التطورات السياسية والاحتجاجات التي تشهدها تونس.
***************************************
الصفحة السادسة
الصحافة الشيوعية في العراق: كلمات ومواقف لا تنحني
الكلمة.. حين تصنع تاريخاً
يشكل تاريخ الصحافة الشيوعية في العراق أحد الفصول المهمة في تاريخ الصحافة الوطنية العراقية، ليس لأنها ارتبطت بتاريخ الحزب الشيوعي العراقي وحده، وإنما لأنها واكبت، على امتداد ما يقارب القرن، محطات مفصلية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والثقافي، وأسهمت، في ظروف العلنية والعمل السري، في الدفاع عن حرية التعبير، ونشر الفكر التقدمي، وإعلاء قيم العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وفتح صفحاتها أمام الأدب، والفن والثقافة والإبداع.
ومنذ صدور "كفاح الشعب"، أواخر تموز 1935، كأول صحيفة عراقية تصدر سرًا، دشنت الصحافة الشيوعية تقليدًا جديدًا في العمل الصحفي، فرضته ظروف سياسية لم تكن تسمح بحرية الرأي أو التنظيم. ولم يكن إصدارها مجرد خطوة تنظيمية لحزب حديث التأسيس، بل كان تعبيرًا عن إيمان عميق بأهمية الكلمة في تشكيل الوعي العام، وإيصال صوت الفئات المحرومة، وكسر احتكار المعلومات والرأي. وتعاقبت بعد ذلك صحف عديدة، سرية وعلنية، مثل الشرارة والقاعدة وئازادي والعصبة والأساس واتحاد الشعب وطريق الشعب، لتشكل، كل واحدة منها، محطة في مسيرة صحفية امتدت عبر عقود، وتأثرت بالتحولات السياسية التي شهدها العراق.
وخلال هذه المسيرة، لم تقتصر صحافة الحزب الشيوعي العراقي على نشر الأخبار أو التعبير عن مواقف الحزب السياسية، بل تحولت إلى مدرسة صحفية وثقافية خرجت أجيالًا من الصحفيين والكتاب والمترجمين والفنانين، وأسهمت في نشر الثقافة التقدمية، وتشجيع الحوار الفكري، والاهتمام بقضايا العمال والفلاحين والمرأة والشباب والطلبة، والدفاع عن الحقوق والحريات العامة، والاحتفاء بالإبداع العراقي في مختلف حقوله. كما أدت دورًا بارزًا في التعريف بتيارات الفكر والأدب العالميين عبر الترجمة والمتابعة والنقد، وربطت بين الثقافة وقضايا المجتمع، وبين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة.
ولم تكن هذه التجربة معزولة عن التضحيات التي رافقتها. فقد تعرضت صحف الحزب للإغلاق والمصادرة، وواجه صحافيوها وكتّابها ومراسلوها مختلف أشكال الملاحقة والاعتقال، وقدم عدد منهم حياته دفاعًا عن الكلمة الحرة وحق المجتمع في المعرفة. كما كان وراء استمرار هذه الصحف، في أشد الظروف صعوبة، مئات المراسلين والعاملين المجهولين الذين نقلوا أخبار الناس وهمومهم، وأسهموا في أن تبقى صحافة الحزب قريبة من نبض المجتمع.
ولا يسعى هذا الملف إلى كتابة تاريخ شامل للصحافة الشيوعية في العراق، فذلك تاريخ ما زال يحتاج إلى المزيد من الدراسات والوثائق والشهادات، وإنما يحاول أن يضيء جوانب من هذه التجربة عبر مقالات ودراسات وشهادات ومواد توثيقية وإبداعية، كتبها باحثون وصحفيون ومثقفون عايش بعضهم هذه المسيرة وأسهم فيها، فيما تناولها آخرون بالبحث والتحليل، لتقديم صورة متعددة الزوايا عن إحدى التجارب المؤثرة في تاريخ الصحافة العراقية الحديثة.
وإذا كان هذا الملف يستعيد الماضي، فإنه يفعل ذلك بعين تتطلع إلى الحاضر والمستقبل. ففي زمن تتجدد فيه التحديات التي تواجه الصحافة وحرية التعبير، تبقى هذه التجربة جديرة بالتأمل، لا بوصفها ذاكرة سياسية فحسب، بل بوصفها جزءًا من تاريخ الكلمة الحرة في العراق، وتجربة أكدت أن الصحافة تستطيع، رغم كل الصعوبات، أن تكون منبرًا للمعرفة، وصوتًا للمجتمع، ومساحة للدفاع عن الحرية والعدالة وكرامة الإنسان.
وبهذه الروح، يضع هذا الملف بين يدي القارئ صفحات من ذاكرة الصحافة الشيوعية في العراق، تحيةً للرواد الذين أسسوا هذا التقليد الصحفي، وللشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم، وللصحفيين والكتّاب والمراسلين الذين آمنوا بأن الكلمة الحرة مسؤولية قبل أن تكون مهنة، وأن الصحافة، في أفضل تجاربها، تبقى إحدى الركائز الأساسية في بناء مجتمع ديمقراطي يليق بالعراقيين.
المحرر
********************************
ديمومة صدور الصحافة الشيوعية يؤكد سلامة نهجها ورؤيتها وتصويت الجمهور لصالح استمرارها
تيسير عبد الجبار الآلوسي
هيلا يا بو جريدة.. هيلا كلنه نريده، تلك الأغنية التي باتت تتردد على ألسنة الفقراء والقراء من طبقات وفئات اجتماعية متنوعة ومختلفة المناهج والرؤى قاسمها المشترك محبة الناس وتلبية مطالبهم وحاجاتهم من قراءة الصحيفة.. وهي ضمنا التي أشارت وتشير إلى حجم التضحيات التي دفعتها عناصر تحرير الجريدة وتوزيعها ووصولها إلى جمهورها ومعاني تكريم تلك التضحيات وإعلاء مكانها ومكانتها بقصد تحويل الحدث إلى دروس غنية ثرة تجدد الحياة والأمل بالانعتاق والتحرر وبالعيش الحر الكريم.. إن ذلك الحديث بات معروفا عند قارئ هذا التناول وما يعنيه من طريق الشعب والثقافة الجديدة ومجمل صحافة شيوعية هي صحافة اليسار صحافة الناس والوطن فكل عام والأمل ينمو ويكبر حتى تسود الأفراح وتتحول الأيام إلى أعياد متصلة مستمرة كما الصدور وديمومته..
صحافة اليسار (الشيوعية)، إذ تحتفل بعيدها الحادي والتسعين؛ فإنها تجدّد العهد مع جمهورها الذي احتفظ ويحتفظ لها بأسمى مكان ومكانة وبأولوية بحث لقراءتها والعثور على إجابة أسئلته بشأن بيئته ومسارها ومستجدات الحدث ومعالجاته.. وما كان لأية صحافة أن تستمر من دون أن تجد بيئة للحياة والاستمرار بمعنى أن تجد القراءة لما تتناوله وتعالجه..
فأية صحافة لا يمكنها أن تحيا وتستمر بنجاح إلا بحال تلبيتها الحاجات الأساس للناس، وعلى رأس ذلك تلبية أسئلة البحث عن الحقيقة من جهة، ومتابعة الأحداث اليومية وبيئاتها وتفاعلاتها ومخرجاتها، إلى جانب التعرف إلى ما يدور حول العالم.
ومن الطبيعي أن نتائج اللقاء مع الجمهور ومخرجاته في التعرف إلى امتلاك تلك الصحافة لكل من (المصداقية) و (نقلها الحقيقة) بما أكد ويؤكد التزامها بتدقيق الأخبار قبل نقلها من جهة اتسامها بالصدق والدقة. هنا فقط تُبنى (ثقة بنيوية متينة) مع الجمهور عبر عدم نشر أية معلومات إلا الموثوق منها وبها فقط وهو ما لا يمكن تلبيته إلا بالتحقق من الوقائع قبل تجد طريقها للنشر في صفحاتها.
غير أن المصداقية وحسن النية في البحث عن الثقة بسلامة الخبر ومصداقيته لا تكمل المشوار بل هناك أمر آخر جد مهم ويمتلك أثره في احتفاظ الجمهور باحترام الصحافة المحددة المختارة ألا وهي سمة تلبية حاجات ذلك الجمهور باختيار الموضوعات التي يتم تناولها ومعالجتها ومثلها أضواء كاشفة فعليا ومنتجة للبدائل والحلول عند إجراء التحقيقات وربطها بكل ما يمس حيوات الناس وبيئتهم أو الوطن. وهنا تبرز قضية مواكبة الأحداث والوقائع العامة السياسية منها والاجتماعية وبصورة لا تلكؤ فيها أو تقطع وانفصال أو بوصف أشمل المتابعة والرصد لحظة بلحظة.
وهنا يبقى الجمهور باحثا عن تحليل علمي يطمئن إليه بمنطق العقل ويساعده ذلك على استطلاع الموقف الأنسب والأنجع تجاه القضايا المعقدة الملتبسة الصعبة.. وحتى هذا ليس بكافٍ إذ ينبغي أن يجد القارئ سمة التجدد ومواكبة العصر سواء بأساليب العمل والأداء الصحفي بالانتقال من الورقي إلى توظيف السيبراني بتفاصيل العمل الرقمي الإلكتروني وما يشتمل عليه من منصات حديثة قادرة على التحديث الآني وتمتلك الرؤية الاستراتيجية في اشتغالها لا حال التقلب حيثما مالت الأمور.. وعندما نشير إلى الفضاء الرقمي فإنما نشير إلى مجمل الوسائل الجديدة الأحدث في عرض البيانات والمعلومات وفي سرعة الاتصال و\أو الوصول إلى القارئ في أي زمكان بحث عن الصحافة.
إن الصحافة الشيوعية إذ تواصل الاحتفال فذلك ليس إلا إضافة أخرى لنهجها في التنوير القائم على التحول بالحدث من الغرق في بحاره المظلمة بتعقيدات مسار اليوم العادي إلى الخروج بالإنسان لفضاء الاجتهاد وشحذ الهمم وطاقات التحدي بما يعزز فرص الانتصار للإرادة الإنسانية الحرة..
إذن نحن لسنا بلقاء آخر يكرر رتابة حدث عادي في سياقات روتينية بلا جديد يساهم بصنع خطى الحياة فاحتفال صحافة اليسار هو احتفال إنساني عميق المعاني والدلالات والوظائف إذ يشكل احتفال الصحافة الشيوعية \ صحافة اليسار ومن ثم وصفها الحقيقي الأشمل كونها صحافة الناس أقول يشكل الاحتفال ظاهرة اجتماعية ونفسية عميقة؛ متعددة المهام حيث يبدأ الهدف منها بتأكيد الوجود والحضور واستمرارية الحياة والتحدي، مثلما يضيف الاحتفال وظيفة التعبير عن الفرح والمسرة بوصفهما طاقة دافعة لتفعيل الأداء ومزيد إصغاء للجمهور ومن تبني موضوعاته عن قرب، وحتما سيتحقق ذلك عبر توطيد الروابط الاجتماعية بتحويل الحضور الجمعي في الاحتفال إلى قوة فعل وحركة.
ولمزيد قراءة لاحتفال الصحافة الشيوعية فإننا سنجد الأسباب النفسية والاجتماعية له حيث مهام استرجاع مسيرة عام من العمل والبحث في مناطق نجاحاته ومواضع هناته بقصد لا يقف عند مجرد التنفيس والتخفيف أو تقليل الضغوط النفسية و\أو التخلص من أعباء الحياة ومصاعب المسيرة وأوصابها بل لاستقراء يؤشره الجمع الجماهيري للاحتفال ويؤكد ملاحظاته بوساطة فعل المسرة والمرح وتمكين البهجة من منح دفقات أمل وتنوير لفضاء التحديات بما يسهّل مزيد الخطى إلى أمام.
والاحتفال يبقى بهذا المعنى وسيلة لتقوية الروابط والصلات وبناء شعور (جمعي) قوي بالانتماء إلى عائلة حركة اليسار بوصفها عائلة إنسانية شاملة كونها النهج الفكري والاجتماعي الذي يحتضن كل ما ينقي جسور العلاقات الإنسانية ويجعلها صافية نقية زكية.. وحتما سيتبنى الاحتفال تخليد الذكريات وحفظ المناسبات والأحداث المهمة في الذاكرة الجمعية ليتم إدامة تناقلها دروسا حية وسط الأجيال المتعاقبة.. وهذا الفعل يكرس بالضرورة أسمى وسيلة لإثبات الذات وتعظيم قدراتها في مجابهة مصاعب الحياة وأوصابها وتعظيم طاقة الأمل ومهام التفاؤل في المواجهة وفي متابعة المسار.
بهذه المعاني ومداليلها يمكننا القول باطمئنان إلى أنّ الصحافة الشيوعية تجدد خطاها ووسائل المعالجة التي تقترحها فيما لا تغفل ولا للحظة متابعة تفاصيل اليوم العادي للإنسان ومطالبه لتتناولها وتضع الحلول والبدائل التي تسأل عنها ومن ثمّ بات من يرصد الاحتفال السنوي لهذه الصحافة يجده احتفالا لكل تيار فكري سياسي واجتماعي يحتضن الشعب وفئاته بوسائل تطمين الحاجات التي تحملها الصحافة في رسائلها اليومية منها والاستراتيجية وتلكم هي أروع رسائل حيواتنا المعاصرة التي كثرما أرادت قوى الظلام أن تبثها وتشيع أو تفشي تغلغلها بقصد إثارة الرعب والهلع وسط الناس أداة تكرس السلبية والرتابة والاستسلام والركون لنهج الاستعباد والاستغلال..
بلى إننا نجد في الصحافة الشيوعية تمسكا بكل ما يصنع الإيجاب ويحيي الأمل ويثير التفاؤل ويعزز مقاومة الظروف الصعبة لنصل ميناء سلام بغض النظر عن خياراتنا وتنوعاتها وربما اختلافها لكن في ثابت وحيد يجمعنا هو القاسم المشترك أن نحيا باستقلالية وكرامة وحرية وانعتاق إرادة في خياراتها.
فإلى من ضحى من أجل الكلمة الحرة ومصداقية العهد والوعد وإلى حاملي مشاعلها ودروسها اليوم وإلى ما بقي منها صامدا كما بصحيفة (طريق الشعب) ومجلة (الثقافة الجديدة) وكل منابرها ومنصاتها البهية تحايا وتبجيل وكل عام وأنتم القدوة والأسوة القادرة على تحطيم أشكال الحصارات والمصادرات فأنتم عنوان لا يضيّعه سائل متطلع لإجابة هي الكلمة الفعل..
أستذكر وإياكم محتفلا بكم اليوم ومعكم ومع جموع الفقراء وأصحاب الأنفس الكبيرة؛ أستذكر لعقود بعيدة خلت لكنها مازالت حية، يوم كنتُ واحدا ممن وزّع جريدة الطريق مترنما مع كل نسخة تصل طالبها أو متلقيها: (هيلا يا بو جريدة)..
فلتعلو ترانيم الاحتفال بجموع الشعب بتنوعات فئاته وطبقاته ومكوناته القومية وانتماءاته أقصد من يتقاسم والناس الهمّ والأمل بعالم جديد يخلو من الآلام والمواجع وما أكثرها وما أقل مختلقيها وما أكثر حاملي آمالها بالتغيير.
***********************************
الصفحة السابعة
ذاكرة النضال وأحلام المستقبل لقاء مع هيئة تحرير جريدة (النصير الشيوعي)
أجراه: محمد الگحط
خمسة أعوام مضت على انبثاق جريدة (النصير الشيوعي)، صوتًا يحمل ذاكرة النضال وأحلام المستقبل، لتغدو اليوم علامةً مميزة في فضاء الصحافة اليسارية العراقية. فمنذ صدورها الأول، لم تكن مجرد صحيفة تستعيد تاريخ الأنصار الشيوعيين وتوثّق تضحياتهم ومسيرتهم الكفاحية، بل تحولت إلى منبر حيّ يتفاعل مع قضايا الوطن وهموم مواطنيه، ويعبّر بجرأة ومسؤولية عن تطلعات العراقيين إلى دولة العدالة والمواطنة والكرامة الإنسانية. في عيدها الخامس، تواصل الصحيفة أداء رسالتها بثبات، مستندةً إلى إرث نضالي عريق ورؤية تنحاز إلى قيم التقدم، وبهذه المناسبة كان لنا هذا الحوار مع الأعزاء في هيئة تحريرها.
كان اللقاء الأول مع رئيس هيئة التحرير، الرفيق مزهر بن مدلول، وطلبنا منه، التحدث عن رؤيته لمسيرة الصحيفة بشكل عام: هل أدّت الجريدة رسالتها وتسير في الاتجاه الصحيح، وكيف تقيّم مكانتها اليوم بعد خمس سنوات من صدورها؟
ــ في البداية، اتوجه بالتحية والتهنئة الى جميع من عمل وساهم وساند جريدة النصير الشيوعي. اما فيما يتعلق بمسيرة الصحيفة، اعتقد انها نجحت نسبيا في اداء الرسالة التي انطلقت من اجلها، واستطاعت ان تجد لنفسها هوية واضحة تجمع بين التوثيق التاريخي لفترة الكفاح المسلح، ومتابعة النشاط الاجتماعي والثقافي المتنوع للأنصار، بالإضافة الى رصد وتغطية فعاليات رابطة الانصار وفروعها ومؤسساتها. مرّ تاريخ الحزب الشيوعي العراقي بمشكلات عديدة في مجال التدوين التاريخي، وعانى طويلا من الاهمال وعدم القدرة على توثيق مختلف مراحله بصورة شاملة ودقيقة. وعلى الرغم من الانجازات المهمة التي تحققت، فأن فترات تاريخه لم تحظ بالتدوين الدقيق والصادق والمباشر كما حظيت فترة الحركة الانصارية. يعود ذلك الى اقلام من شاركوا فيها وصنعوا احداثها. وخير من قام ويقوم بنقل كتابات الانصار وشهاداتهم ونقاشاتهم جريدة النصير الشيوعي، التي استطاعت ان تحتل مكانة متقدمة في هذا المجال. أستطيع ان اختم بالقول ان الجريدة، رغم ما حققته من حضور ملموس بين الانصار واصدقائهم والمهتمين بهذا الشأن، ما زال طموحنا يتجه نحو توسيع دائرة قرّائها والوصول الى اوساط ثقافية واكاديمية اوسع. بالإضافة الى تطلعنا لان تشغل قضايا الوطن والشعب حيزا أكبر في موادها.
أما اللقاء الثاني فكان مع: مدير الإدارة الرفيق عبد الرحمن الخالدي (أبو وائل)، حيث طلبنا منه الحديث عن إمكانية استمرار المشروع، وكيفية تنظيم العمل وتنسيقه بين أعضاء هيئة التحرير...؟ كما سألناه عن تقييمه لمكانة الصحيفة اليوم بعد مرور خمس سنوات على صدورها.
ــ ((أرى، من خلال عملي في هيئة التحرير منذ بدايات صدور الجريدة، أن إمكانية استمرارها تعتمد على التزام أعضاء هيئة التحرير بخطة العمل التي اجمعوا عليها. كما تبرز أهمية التواصل من خلال الاجتماعات الدورية للمتابعة والتقييم وتوزيع المهام وفق اختصاصات الأعضاء وقدراتهم، إلى جانب توفير قنوات تواصل فعالة تضمن تبادل المعلومات والآراء بصورة مستمرة.
إن نجاح (جريدة النصير الشيوعي) واستمرارها يتطلبان العمل بروح الفريق الواحد، والبحث الدؤوب عن كل ما يسهم في تطويرها وتعزيز دورها الإعلامي والثقافي. ولا يسعني هنا إلا أن أحيّي الجنود المجهولين الذين يدعمون هيئة التحرير من خلف الكواليس، ويسهمون بجهودهم المخلصة في إنجاز العمل على أفضل وجه. وعن مكانتها اليوم، وبعد مرور خمس سنوات على صدورها، ارى أنها نجحت في ترسيخ حضورها بين الأنصار والمهتمين بالحركة الأنصارية، وأدت دورا مهما في توثيق ذاكرتها النضالية والثقافية. كما ان استمرار صدورها يعكس حجم الدعم والثقة اللذين تحظى بهما من الأنصار وأصدقائهم. أتمنى أن تواصل الجريدة دورها بوصفها جسرًا يربط بين جيل الرواد والأجيال الجديدة، وأن تبقى مساحة للحوار والتوثيق والثقافة والوفاء للرفاق الذين صنعوا تلك التجربة النضالية)).
وكان اللقاء الثالث مع مدير التحرير، الرفيق ماجد لفتة العبيدي (كريم كرمياني)، حيث طلبنا منه الحديث عن السياسة التحريرية للصحيفة، وكيفية تقييمه للمحتوى والموضوعات التي تنشرها.
ــ ان سياسة التحرير في جريدة النصير الشيوعي تعتمد المصداقية في المعلومات، الشفافية في التعامل مع المصادر، الدقة والتوازن في الكتابة والتوثيق للأحداث والمواضيع، ويتسم العمل بالتعاون ومد الجسور مع الأنصار وعوائلهم وأصدقائهم واشراكهم في تحرير المواضيع واجراء المقابلات وتشجيع النصيرات والانصار على الكتابة، تتسم إدارة التحرير في مراعاة المعايير الأخلاقية في تناول المواضيع والاحداث، دقة المعلومات عبر المصادر المختلفة والموثوقة وتجنب تضاربها والفصل بين الرأي وحقيقة الخبر والحدث، إعطاء مساحة واسعة ومتكافئة لحق الرد والتعقيب للقراء، التنوع والشمولية والتوازن في نشر المواد المختلفة، الاستقلالية والانحياز التام لقضايا الشعب والوطن والتعبير عن ذلك عبر المقال الافتتاحي للجريدة. نعتمد معايير حقوق الملكية الفكرية، نسعى لأشراك جمهرة واسعة من النصيرات والانصار في تحرير جريدتنا التي تشعل الشمعة الخامسة احتفالا في صدورها واستمراها.
أما سكرتيرة التحرير، الدكتورة جمانة القروي (الرفيقة شهلة)، والتي طلبنا منها الحديث عن آلية إعداد العدد، وكيفية إدارة المواد الصحفية وتحريرها وإخراجها بصورة مهنية.
ــ غالبا ما يكون دور سكرتير التحرير في الصحف الصغيرة. أوسع بكثير من دوره في المؤسسات الكبيرة، لأنه يجمع بين التنسيق والتحرير والمتابعة والإخراج بدرجات متفاوتة. كما ان طبيعة العمل أكثر مرونة، لذا لا يقتصر دور سكرتير التحرير على التنسيق الإداري والتحريري فقط، بل المشاركة المباشرة في إعداد المحتوى، حيث نقوم بالتخطيط لكل عدد، كتحديد الموضوعات والمساحات المتاحة لها، ومتابعة جمع المواد الصحفية من المراسلين والكتاب بالتنسيق مع رئيس التحرير، بالإضافة الى قيامنا بمراجعة النصوص وتحريرها لغوياً ومهنياً، والتأكد من دقة المعلومات وسلامة العناوين. في جريدة النصير الشيوعي يتعاون الجميع، وفي أكثر من مهمة لضمان صدور العدد في موعده وبالمستوى المطلوب!
وكان اللقاء الأخير مع الرفيق شاكر عبد جابر (كاوه طريق)، السكرتير الفني للصحيفة، حيث تحدث إلينا عن تجربته في إخراج الجريدة بصريًا خلال السنوات الخمس الماضية، وعن أبرز التحديات التي واجهته في تحويل المواد النصية والوثائق إلى صفحات منظمة وجذابة.
ــ في البدأ واثناء الحوارات التي سبقت انطلاقتها، كنت في حيرة، هل من الممكن اصدار صحيفة...؟، لأنه لا يكمن التحدي في اصدار جريدة ما، ولكن التحدي هو ان تستمر، نعم ممكن ان تستمر سنة أكثر وبعدين!؟ هكذا كنت أفكر، هم وطموح الرفيق ابو هادي وثم فريق العمل بعد تشكيله خففت كثيرا من هذا الهم، هم اصدار صحيفة انصارية وان تستمر، وهكذا ونحن في خضم العمل وهو في أكثر الأحيان يومي، ما ان تنتهي من عدد حتى تبدأ بالذي بعده. انا اليوم اشعر بالسعادة اننا نحتفل بذكراها الخامسة ونحن لدينا نفس الطموح، بل وأكبر ان نستمر. ان تكون النصير الشيوعي ارشيفا مهما لتاريخنا الانصاري المجيد، وواجهة اعلامية مهمة رابطتنا الانصارية.
وفي ختام هذه الحوارات، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى أعضاء هيئة تحرير صحيفة (النصير الشيوعي) على ما أبدوه من تعاون وحرص في الإجابة عن أسئلتنا، متمنين للصحيفة المزيد من النجاح والتطور، للحفاظ على الإرث النضالي للأنصار ومواصلة رسالتها الإعلامية والوطنية في خدمة قضايا الشعب العراقي والدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
********************************
الصحافة الشيوعية في العراق.. مدرسةٌ للتنوير والثقافة
زهير كاظم عبود
منذ بداية تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، تبنت صحافته دورًا مهمًا في نشر الثقافة والفكر التنويري في العراق خلال حقبة زمنية كانت تحتاج إلى هذا الجهد الإنساني. فقد صدرت جريدة (كفاح الشعب)، وتلتها عدد من الصحف السرية، منها القاعدة والشرارة واتحاد الشعب، وصولًا إلى طريق الشعب. ولم تتوقف صحافة الحزب على نشر الأخبار السياسية ومتابعة احتياجات المواطن العراقي، بل امتدت لتشمل مجال الأدب والفن والتعليم والتربية الاجتماعية والوعي الاجتماعي. هذا الأمر جعلها متميزة بين الصحافة العراقية، وتمكنت من إبراز عدد من الكتاب التقدميين الذين تبنوا إرادة وتطلعات الشعب العراقي بكل فئاته.
وبالرغم من تبني الشارع العراقي لأفكار الحزب والانتماء إلى تنظيماته السرية، إلا أن ذلك لم يوقف اهتمام الصحافة الشيوعية بنشر المقالات الفكرية والأدبية والعلمية، بهدف رفع مستوى الوعي الثقافي لجميع العراقيين، بما فيهم أعضاء وأصدقاء الحزب، وأتاحت مساحات من صفحاتها لنشر أعمال الشعراء والروائيين والنقاد، وأسهمت بذلك في إبراز العديد من المواهب الأدبية في العراق.
هذه الصحافة التي تبنت فكرة الدعوة إلى التحرر والمساواة وحقوق الإنسان والدفاع عن المرأة، فإنها ربطت الثقافة بشكلها العام بقضايا التنمية والمجتمع، كما اهتمت بالانفتاح على الثقافات العالمية، وأعطت حيزًا مهمًا لدور الترجمة، حيث نشرت ترجمات لمقالات أدبية وفكرية من مختلف دول العالم، حفزت الوعي العراقي للتعرف على التيارات الفكرية والثقافية في دول العالم. ولعل من بين أعنف المواجهات التي واجهتها صحافة الحزب الشيوعي في العراق مواجهة الأمية الفكرية والتعصب الاجتماعي، ولهذا دعت إلى نشر التعليم وتشجيع التفكير النقدي ومحاربة الطائفية والانغلاق الفكري الذي كان ينتشر في تلك الفترة.
وكان من بين القضايا الرئيسية التي تهتم بها ما يتعلق بالقضايا الوطنية، وما يتعلق بالهوية الوطنية واستقلال العراق، وحقوق العمال والفلاحين، وهما ركيزتان من ركائز عمل الحزب، بالإضافة إلى تفعيل دور المثقف في خدمة المجتمع.
وسواء كانت الصحافة السرية أو العلنية التي تشكل صوت الحزب، فقد ساهمت جريدة اتحاد الشعب وطريق الشعب بالدور المهم والريادي لما تكتبه عن الشأن السياسي والاجتماعي والثقافي. وهناك من يجد أن صحافة الحزب الشيوعي في العراق تعبر بشكل خاص عن سياسة الحزب الشيوعي العراقي وأفكاره الأيديولوجية، غير أن الحقيقة التي عاشها المواطن المنصف يجد، وفقًا للمنظور السياسي والأكاديمي، أنها أسهمت في نشر الثقافة التقدمية والدفاع عن حرية الفكر ضمن إطار وضعها التاريخي والسياسي بشكل عام. وبالرغم من المضايقات الأمنية التي يتعرض لها العاملون في الصحافة العلنية، إلا أنها كانت الأولى من بين الصحف بجدارة.
وشكلت الصحافة الشيوعية مدرسةً صحفية تخرج منها عدد كبير وأسماء بارزة من الكتاب الذين لهم الحضور الفاعل حتى اليوم، ولم تزل تغطي الأحداث ومتابعة حراك الشعب وتبني قضية الدفاع عن حقوق المظلومين والمضطهدين، وتستمر في تجسيد دورها في التعبير عن تطلعات الشارع العراقي لتحقيق عراق ديمقراطي فيدرالي وموحد.
*******************************
رسالة العراق: منبر المنفى في مواجهة الاستبداد وتفكيك النظام البائد
إعداد: ماجدة الجبوري
تُعد مجلة (رسالة العراق) واحدة من أبرز التجارب الإعلامية التي ارتبطت بتاريخ المعارضة العراقية في المنفى خلال عقد التسعينيات، إذ أسهمت في نقل صورة الواقع العراقي إلى الرأي العام العربي والدولي، ووثقت جانبًا مهمًا من نشاط الحزب الشيوعي العراقي وقوى المعارضة في مواجهة النظام الدكتاتوري. وقد تجاوز دورها حدود النشرة الحزبية التقليدية، لتتحول إلى منبر سياسي وثقافي وإعلامي اتسم بالمهنية والرصانة، وأسهم في توثيق مرحلة مفصلية من التاريخ العراقي المعاصر.
الجذور الأولى للمجلة
تعود البدايات الأولى لـ (رسالة العراق) إلى ستينيات القرن العشرين، عندما أصدر الحزب الشيوعي العراقي نشرة داخلية محدودة التداول، كانت تُطبع بطريقة الاستنسل (الرونيو)، وتحمل الاسم نفسه. وقد وُجهت أساسًا إلى منظمات الحزب خارج العراق، وتضمنت أخبار التنظيم ونشاطاته داخل الوطن.
وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي استؤنف إصدار النشرة في مدينة عدن، ولكن بصيغة أكثر انفتاحًا، حيث صدرت مطبوعة ورقية موجهة إلى جمهور أوسع. ولم يطل الأمر حتى انتقل إصدارها إلى بيروت، لتتحول إلى مجلة دورية تضم أبوابًا سياسية وثقافية وصفحات متنوعة، وكانت تشرف عليها منظمة الحزب في لبنان بإشراف الرفيق فخري كريم زنكنة.
انطلاقة جديدة في لندن
شهدت العاصمة البريطانية لندن، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، مرحلة جديدة في مسيرة المجلة، تزامنت مع اشتداد قبضة النظام الدكتاتوري على وسائل الإعلام داخل العراق، وهيمنة خطاب (الصوت الواحد) على المجال الإعلامي. وفي هذا السياق برزت مجلة (رسالة العراق) بوصفها نافذة إعلامية للحزب الشيوعي العراقي، ومنبرًا لقوى المعارضة العراقية في الخارج، وجسرًا لنقل المعلومات والتحليلات التي كانت محجوبة عن الداخل العراقي.
ولم يكن صدور المجلة في لندن عام 1994 حدثًا معزولًا، بل جاء ترجمة عملية لمقررات المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي عام 1993، الذي رفع شعار (التجديد والديمقراطية)، وأكد أهمية تطوير إعلام الخارج ليكون أكثر قدرة على مخاطبة الجاليات العراقية والرأي العام العربي والدولي.
الإدارة والتحرير
صدرت (رسالة العراق) بوصفها مجلة سياسية وإعلامية شهرية عن إعلام الخارج للحزب الشيوعي العراقي في لندن. ومن أبرز عوامل نجاحها إسناد رئاسة تحريرها إلى المؤرخ والصحفي البارز الدكتور فائق بطي، أحد أعلام الصحافة العراقية، الذي منح المجلة طابعًا مهنيًا رصينًا، قائمًا على التوثيق والتحليل والالتزام بأصول العمل الصحفي.
كما أسهمت كوادر إعلام الحزب خارج الوطن في تطوير المجلة وإدارتها، وأسهمت في تنسيق النشاط الإعلامي للحزب وتطوير أدواته، الأمر الذي عزز حضور المجلة وتأثيرها، ورسخ مكانتها منبرًا إعلاميًا وثقافيًا. وبفضل هذا الجهد المهني، لم تعد (رسالة العراق) مجرد مطبوعة حزبية، بل أصبحت مصدرًا إعلاميًا يعتمد عليه عدد من وكالات الأنباء والباحثين ومراكز الدراسات المهتمة بالشأن العراقي.
منبر للمثقفين والمعارضة العراقية
تميزت المجلة بانفتاحها على مختلف الاتجاهات الوطنية والديمقراطية، واستقطبت نخبة واسعة من الكتاب والمفكرين العراقيين المقيمين في المنافي. وأسهم في صفحاتها عدد من الصحفيين والباحثين، إلى جانب عشرات الكتاب من التيارات الديمقراطية واليسارية والقومية والكردية والمستقلة، الأمر الذي منحها طابعًا وطنيًا جامعًا، يتجاوز الإطار الحزبي الضيق.
التوثيق وكشف انتهاكات النظام
من أبرز ما ميز (رسالة العراق) اعتمادها على شبكة واسعة من المراسلين والكوادر التنظيمية داخل العراق، الذين كانوا ينقلون، بسرية تامة، المعلومات والتقارير والوثائق من بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب، مستخدمين أسماء مستعارة حفاظًا على أمنهم الشخصي.
وقد أتاحت هذه الشبكة الشجاعة للمجلة نشر تقارير موثقة عن الانتهاكات التي ارتكبها النظام، شملت حملات الاعتقال والإعدام، والتصفيات السياسية، وما أعقب انتفاضة آذار/مارس 1991 من عمليات قمع واسعة، فضلًا عن رصد أوضاع السجون والمعتقلات.
كما أولت المجلة اهتمامًا خاصًا بتوثيق جريمة تجفيف أهوار جنوب العراق وما ترتب عليها من آثار إنسانية وبيئية واجتماعية، وسلطت الضوء على ملفات المقابر الجماعية والمفقودين والتصفيات الجسدية، في وقت كانت هذه القضايا شبه غائبة عن وسائل الإعلام الدولية.
وفي الجانب السياسي، عملت المجلة على تفكيك الخطاب الإعلامي الرسمي للنظام، من خلال نشر دراسات وتحليلات اقتصادية وسياسية تناولت تداعيات الحروب والحصار الاقتصادي، وانعكاساتها على حياة المواطنين، وقدمت قراءة نقدية للسياسات التي انتهجها النظام خلال تلك المرحلة.
نهاية مرحلة وبداية أخرى
واصلت مجلة (رسالة العراق) صدورها بانتظام طوال عقد التسعينيات، محافظة على مكانتها بوصفها واحدة من أهم منابر الصحافة العراقية في المنفى. ومع سقوط النظام الدكتاتوري في نيسان/أبريل 2003، انتهت المهمة التاريخية التي اضطلعت بها المجلة، إذ عاد عدد من كوادرها، إلى جانب قيادات الحزب الشيوعي العراقي، إلى بغداد ومدن عراقية أخرى، لينتقل النشاط الإعلامي والسياسي إلى داخل الوطن.
وفي هذه المرحلة استعادت الصحافة الشيوعية العراقية حضورها العلني، وفي مقدمتها جريدة (طريق الشعب)، التي واصلت أداء دورها في إطار البيئة السياسية والإعلامية الجديدة.
خاتمة
تمثل مجلة (رسالة العراق) تجربة بارزة في تاريخ صحافة المنفى العراقية، ليس بوصفها مطبوعة حزبية فحسب، وإنما باعتبارها مشروعًا إعلاميًا جمع بين التوثيق المهني والدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. وقد أسهمت، عبر سنوات صدورها، في كسر احتكار النظام للمعلومة، وإيصال صوت المعارضة العراقية إلى الخارج، كما أرست نموذجًا للصحافة الملتزمة التي استطاعت، في ظروف استثنائية، أن تؤدي دورًا مهمًا في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق جانب مهم من تاريخ العراق المعاصر.
*********************************
الصفحة الثامنة
الصحافة الشيوعية وحرية التعبير
يوسف أبو الفوز
لا تُقاس قيمة الصحافة بعدد ما تنشره من أخبار أو بما تحققه من انتشار، وإنما بقدرتها على الدفاع عن حق الإنسان في المعرفة، وإتاحة المجال لتعدد الآراء، وحماية حرية التعبير بوصفها إحدى الركائز الأساسية لأي مجتمع ديمقراطي. ومن هذا المنطلق، ارتبط تاريخ الصحافة في مختلف بلدان العالم بتاريخ النضال من أجل الحريات العامة، وكان العراق، بما شهده من تحولات سياسية واجتماعية عميقة، أحد الميادين التي خاضت فيها الصحافة معاركها دفاعًا عن الكلمة الحرة.
وفي هذا السياق، تحتل الصحافة الشيوعية في العراق مكانة خاصة في تاريخ الصحافة الوطنية. فمنذ صدور جريدة (كفاح الشعب) بشكل سري، في ٣١ تموز ١٩٣٥، وما تلاها من صحف سرية وعلنية، لم تقتصر مهمتها على نقل الأخبار أو التعبير عن مواقف الحزب الشيوعي العراقي، بل سعت إلى بناء فضاء ثقافي وفكري يربط بين حرية التعبير والوعي المجتمعي، وبين الدفاع عن الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والإيمان بأن المعرفة شرط أساسي لأي مشروع إصلاحي أو تقدمي.
لقد ولدت معظم صحف الحزب الشيوعي العراقي في ظروف لم تكن حرية الصحافة فيها مكفولة، بل كانت خاضعة لتقلبات الحياة السياسية، وللقوانين الاستثنائية، الرقابة، الإغلاق والملاحقة. ولهذا اكتسبت الكلمة المنشورة قيمة تتجاوز وظيفتها الإخبارية، لأنها كانت، في كثير من الأحيان، تعبيرًا عن حق المجتمع في الاطلاع على آراء ورؤى لم تكن تجد مكانًا لها في الإعلام الرسمي. ومن هنا جاءت أهمية الصحافة السرية، التي مثلت وسيلة للحفاظ على استمرارية الحوار السياسي والفكري في ظروف بالغة الصعوبة.
ولم يكن دفاع الصحافة الشيوعية عن حرية التعبير مقتصرًا على القضايا السياسية، بل امتد إلى ميادين الثقافة، الأدب، الفنون والعلوم. فقد احتضنت صفحاتها كتابًا وشعراء وفنانين ومترجمين ونقادًا، وأسهمت في التعريف بتيارات فكرية وأدبية عالمية، وشجعت الترجمة والنقد والحوار، إيمانًا منها بأن حرية التعبير لا تكتمل إلا بحرية التفكير، وأن بناء مجتمع ديمقراطي يحتاج إلى ثقافة نقدية، لا إلى تكرار الشعارات.
كما أولت اهتمامًا واضحًا بقضايا العمال والفلاحين والمرأة والشباب والطلبة، وعدّت إتاحة المجال أمام هذه الفئات للتعبير عن قضاياها جزءًا من مفهوم الحرية نفسه. فحرية التعبير لا تعني فقط حق الكاتب أو الصحفي في الكتابة، بل تعني أيضًا أن تجد مختلف فئات المجتمع منبرًا يعكس همومها وآمالها، ويمنحها حق المشاركة في النقاش العام.
ولأن الكلمة الحرة كانت، في مراحل كثيرة من تاريخ العراق، محفوفة بالمخاطر، فقد دفع عدد من الصحفيين والكتاب والعاملين في الصحافة الشيوعية أثمانًا باهظة نتيجة مواقفهم، بين الاعتقال، الملاحقة، المنع والاستشهاد. ويشكل هذا السجل جزءًا من تاريخ الصحافة العراقية عمومًا، ومن تاريخ النضال من أجل حرية التعبير على وجه الخصوص، بصرف النظر عن الانتماءات السياسية والفكرية، لأن الدفاع عن حق الإنسان في إبداء رأيه ظل، ولا يزال، من القضايا الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية.
واليوم، تبدو قضية حرية التعبير أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في الماضي. فمع أن وسائل الإعلام والمنصات الرقمية أتاحت إمكانات واسعة للوصول إلى المعلومات ونشر الآراء، فإنها أفرزت في الوقت نفسه تحديات جديدة، من بينها حملات التضليل، وخطاب الكراهية، والاستقطاب الحاد، والضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تؤثر في استقلالية المؤسسات الإعلامية، فضلًا عن المخاطر التي ما زال يواجهها الصحفيون في كثير من أنحاء العالم، ومنها العراق.
ومن هنا، فإن استذكار تجربة الصحافة الشيوعية في العراق لا ينبغي أن يكون استغراقًا في الماضي أو مجرد احتفاء بتاريخها، بل مناسبة للتأمل في القيم التي دافعت عنها، وفي مقدمتها حق المجتمع في المعرفة، احترام العقل، تشجيع الحوار، والدفاع عن حرية الرأي والتعبير. فهذه القيم لا تخص تيارًا سياسيًا بعينه، وإنما تمثل أساسًا لأي صحافة مهنية تسعى إلى خدمة المجتمع، وتعزيز ثقافة المواطنة، وإعلاء شأن الحقيقة.
لقد كانت الصحافة الشيوعية، في جانب مهم من تجربتها، جزءًا من حركة أوسع في تاريخ العراق الحديث، سعت إلى توسيع المجال العام، وإشراك المواطنين في النقاش حول قضايا وطنهم، وربط الثقافة بالحياة اليومية، والدفاع عن الفئات الأقل تمثيلًا في المجال العام. ولهذا فإن قراءة هذه التجربة اليوم ينبغي أن تكون قراءة تاريخية نقدية ومنصفة، تستحضر إنجازاتها، تعترف بتحدياتها، وتضعها في سياقها السياسي والاجتماعي، بعيدًا عن التمجيد المطلق أو الأحكام المسبقة.
وفي زمن تتجدد فيه الأسئلة حول مستقبل الصحافة، واستقلالها، وحدود حرية التعبير، تظل تجربة الصحافة الشيوعية في العراق جزءًا من الذاكرة الوطنية للصحافة العراقية، وتجربة جديرة بالبحث والتوثيق والدراسة، لا لأنها تمثل تاريخ حزب سياسي فحسب، بل لأنها أسهمت، مع غيرها من التجارب الوطنية، في ترسيخ فكرة أن الكلمة الحرة ليست امتيازًا تمنحه السلطة، بل حقًا من حقوق الإنسان، ومسؤولية أخلاقية ومهنية تجاه المجتمع، وركنًا لا غنى عنه في بناء دولة ديمقراطية تحترم التعددية وتصون كرامة مواطنيها.
*******************************
صحافةٌ هزّت عروش الملوك
داود أمين
يمكن القول أن صدور جريدة (الصحيفة) التي أصدرها حسين الرحال في 18 كانون الآول عام 1924 هو الميلاد الحقيقي للصحافة الشيوعية في العراق، بالرغم من أن هذه الصحيفة كانت أدبية علمية إجتماعية، إلا أنها تميزت بنهج يساري ماركسي، وقد توقفت بعد صدور أربعة أعداد منها، ثم أعيد إصدارها قبل أن تتوقف بشكل نهائي. وعلى صعيد اخر لعب الرفيق فهد دوراً بارزاً في إرساء أسس راسخة للصحافة الشيوعية في العراق، فقبل تأسيس الحزب، عمل الرفيق فهد مراسلاً لجريدة الاهالي في الناصرية، وكان يكتب الآخبار والتقارير التي تكشف معاناة الفلاحين والكادحين والطبقات المسحوقة، وكان يوقع مقالاته بإسم (ياسين خلف) او(إبن المنتفك) أو(مراسلكم)، وعندما أصدر الحزب صحيفته الأولى (كفاح الشعب) في 31 تموز 1935، كان الرفيق فهد خارج الوطن، لكنه كان من أبرز كتابها، لآنه يدرك الدور الكبير الذي تلعبه الصحيفة، ليس بإعتبارها داعيا جماعيا ومحرضا جماعيا فقط، بل كمنظم جماعي أيضا!
وبعد صحيفة (كفاح الشعب) صدرت (الشرارة) نهاية عام 1940، ثم جريدة (القاعدة) مطلع عام 1943، كما صدرت جرائد (العمل) و(وحدة النضال) و(النجمة) و(الاتحاد) و(شورش) ونجح الحزب في إصدار صحيفتين علنيتين هما (الأساس) و (العصبة). وفي السجن أصدر الحزب ما بين عام 53 - 1954 جريدة (كفاح السجين)، وفي نيسان 1944 اصدر الحزب جريدة ازادي (الحرية) السرية باللغة الكردية، وكان فهد والشهيد زكي بسيم (حازم) يشرفان عليها، بالإضافة لملا شريف عثمان، كما أصدر الحزب جريدة (همك) ومعناها القاعدة وهي ناطقة بإسم الفرع الأرمني للحزب. كما أسس الحزب دار نشر بإسم (دار الحكمة) لإصدار الكتب التقدمية، إلآ أنها لم تعمر طويلاً وأغلقتها السلطات الملكية. ووظف الشيوعيون الصحافة العلنية للأحزاب والقوى الوطنية العراقية، لنشر أفكارهم والتعبير عن مواقفهم السياسية، في مختلف القضايا، ويذكر الجواهري في مذكراته، كيف قدم له فهد أوراقاً دفعها فوراً الى المطبعة لتكون إفتتاحية صحيفته ليوم غد، حتى دون أن يقرأها ثقة بما يكتبه الشيوعيون، وقائدهم فهد بشكل خاص.
مميزات صحافة الحزب: هناك مميزات شكلية تتعلق بنوع الورق مثلاً، فهو عموماً غير جيد بحكم ظروف العمل السري، والمكان الذي يحفظ فيه وتكلفته.. الخ، أما بالنسبة للطبع والإخراج، فهما عموماً دون المستوى المطلوب، إذ يتم ألإخراج من قبل رفاق غير متخصصين، وتطبع الجريدة في ظروف بالغة الصعوبة، وبحجم صغير وبحروف صغيرة متداخلة، لا تقرأ إلا بصعوبة أحياناً، ومن يتذكر رواية (أيام صعبة) لبهاء الدين نوري، يستطيع أن يتخيل كيف كانت تطبع صحافة الحزب السرية، وأي مشاق يتحملها الرفاق من أجل إستمرارها، والجانب الشكلي يرتبط بظروف العمل السري، حيث المطاردة البوليسية من قبل أجهزة النظام، والتبدل المستمر للبيوت السرية خوفا من الوشايات والخيانات والإنهيارات ، بالاضافة الى صعوبة الإمكانيات المادية للتنظيم! أما ما يتعلق بالمضمون فيختلف تماماً، بل هو يزيح كل أو معظم السلبيات الشكلية، فكتاب الجريدة هم قادة الحزب وكوادره المثقفة، ولديهم وضوح كامل في المواضيع السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يتناولونها، وقد كتبوا عن القضايا الوطنية والطبقية والقومية، وهم كتاب شعبيون، بمعنى إنهم لا يعيشون في أبراج عاجية، ولا يكتبون من خلف مناضد في مكاتب معزولة، إنهم يختلطون بالناس ويكتبون عن معاناة الناس، لذلك كانت كتاباتهم صادقة وواقعية وقريبة من تطلعات الجماهير! كما أن حجم الجريدة الصغير، وكونها شهرية أو دورية أحياناً، يجعل التكثيف والإقتصاد ضرورياً، لذلك تميز الصحفيون الشيوعيون في تلك الفترة بالإختصار والتكثيف ورفض الإنشاء، كان شعارهم (أعمق الأفكار وأهمها ولكن بأقل الكلمات)، كما تميزوا أيضاً في أنهم أحرار، بمعنى أن ليس هناك رقيباً سلطوياً يحد من حريتهم في ما يكتبون، لذلك كانت كتاباتهم فاضحة للسلطة ولسياستها ولعمالتها، وسلوك أجهزتها وموظفيها! ولكن هذه الحرية كانت محكومة أيضاً، بتوجهات الحزب وبسياسته وبشعاراته في كل مرحلة! وكان الصحفي الشيوعي يدرك كل ذلك ويتحرك في إطاره! ويمكن القول إن الصحفيين الشيوعيين في تلك الفترة، لم يكونوا خريجي مدارس صحفية أو دورات خاصة، وهم لا يمكن أن يتطوروا صحفياً في صحيفة شهرية سرية، ولكنهم عموماً سياسيون مثقفون، وقد إرتبطت كلمة الثقافة بالشيوعية، وقد برز من بين هؤلاء عدا الرفيق فهد وحازم وصارم، الرفيق زكي خيري وبهاء الدين نوري وذو النون أيوب وجمال الحيدري وعامر عبد الله وعشرات غيرهم!
*****************************
الصحافة الشيوعية.. منبر الثقافة التقدمية وصوت التنوير
سعد عزيز دحام
في عيد الصحافة العراقية، لا نستذكر الصحافة بوصفها مهنة لنقل الأخبار فحسب، بل بوصفها رسالة اجتماعية وثقافية ووطنية، أسهمت في تشكيل الوعي العام، والدفاع عن قيم الحرية والعدالة والديمقراطية. ومن بين أبرز التجارب التي تركت أثراً عميقاً في تاريخ الصحافة العراقية، تبرز الصحافة الشيوعية التي ارتبطت منذ نشأتها بقضايا الشعب، وحملت هموم المثقفين والمبدعين، وجعلت من الثقافة التقدمية مشروعاً دائماً لمواجهة الجهل والتعصب والاستبداد.
لقد أدركت الصحافة الشيوعية مبكراً أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الدولة، وأن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل قوة قادرة على تغيير المجتمع والدفاع عن كرامته.
لذلك لم تقتصر صفحاتها على السياسة والأحداث اليومية، وإنما تحولت إلى فضاء رحب للأدب والفن والفكر والنقد، تستقبل الأقلام الجديدة، وتحتفي بالتجارب الإبداعية، وتفتح أبواب الحوار أمام مختلف الاتجاهات الديمقراطية والتنويرية.
وكانت صحيفة طريق الشعب، ومعها الصحف والمجلات التي أصدرها الشيوعيون في مراحل مختلفة، مدرسة حقيقية لاحتضان المواهب الأدبية والفنية.
فقد نشرت قصائد الشعراء، وقصص الروائيين، ودراسات النقاد، ومقالات المفكرين، وواكبت الحركة المسرحية والتشكيلية والسينمائية والموسيقية، مؤمنة بأن الثقافة الوطنية لا يمكن أن تزدهر إلا في مناخ الحرية والتعدد واحترام الرأي الآخر.
ولم يكن معيار النشر الانتماء الحزبي، بل القيمة الفكرية والإبداعية.
ولهذا وجد في هذه الصحافة كثير من الأدباء والفنانين والمثقفين الديمقراطيين منبراً حراً للتعبير عن أفكارهم، حتى وإن اختلفوا معها في بعض الرؤى السياسية.
فقد جمعتها جميعاً قناعة مشتركة بأن الدفاع عن العقل والتنوير والعدالة الاجتماعية هو دفاع عن مستقبل العراق.
لقد دفعت الصحافة الشيوعية ثمناً باهظاً لهذا الدور.
تعرّض صحفيوها وكتّابها إلى الملاحقة والاعتقال والنفي، وأُغلقت صحفها مراراً، وصودرت مطابعها، واستشهد عدد من العاملين فيها وهم يؤدون رسالتهم.
ومع ذلك بقيت الكلمة الحرة أقوى من محاولات إسكاتها، وعادت هذه الصحافة في كل مرة لتواصل دورها في الدفاع عن حرية التعبير وحقوق الإنسان.
وإذا كانت الصحافة قد وُصفت بأنها (السلطة الرابعة)، فإن الصحافة الشيوعية العراقية كانت أيضاً سلطة أخلاقية، لأنها انحازت دائماً إلى الفقراء والكادحين، وإلى قيم المواطنة والمساواة، وإلى حق الإنسان في التعليم والثقافة والعمل الكريم. ولم تفصل بين النضال السياسي والعمل الثقافي، بل رأت فيهما وجهين لمشروع حضاري واحد، يقوم على تحرير الإنسان من الخوف والجهل والاستغلال.
كما كان حضورها الثقافي مؤثراً في ترسيخ قيم الحوار والانفتاح، ومواجهة الخطابات الطائفية والعنصرية والمتطرفة، عبر نشر الفكر النقدي، وتشجيع القراءة، وإبراز النتاجات الإبداعية العراقية والعربية والعالمية.
ولهذا أسهمت في تكوين أجيال من القراء والكتّاب الذين وجدوا فيها نافذة على آفاق الفكر الإنساني الحديث.
واليوم، في زمن تتزاحم فيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تظل الحاجة قائمة إلى صحافة تحمل المسؤولية الأخلاقية نفسها، وتؤمن بأن الحقيقة ليست سلعة، وأن الثقافة ليست زينة، وأن الكلمة يمكن أن تكون جسراً لبناء الوطن، لا أداة لتمزيقه.
فالتكنولوجيا تتغير، لكن الرسالة النبيلة للصحافة تبقى ثابتة: الدفاع عن الإنسان، وصون الحقيقة، وإعلاء قيمة العقل.
في عيد الصحافة العراقية، نستذكر باحترام كل الصحفيين الذين جعلوا من الكلمة موقفاً، ومن القلم ضميراً، ونخص بالتقدير الصحافة الشيوعية العراقية التي كانت، وما تزال، منبراً للثقافة التقدمية، وحاضنة للأدباء والفنانين والمثقفين التنويريين والديمقراطيين، وأسهمت في ترسيخ قيم الحرية والعدالة والجمال، لتبقى صفحاتها جزءاً مضيئاً من تاريخ العراق الثقافي والوطني، وشاهداً على أن الكلمة الحرة لا تموت، مهما اشتدت العواصف.
*******************************
الصفحة التاسعة
عاملات في القطاع الخاص.. {نوقع على 350 ألف دينار ونتقاضى 125 ألفا فقط}
بغداد- نورس حسن
في الوقت الذي يُفترض فيه أن تشكل عقود العمل ضمانة قانونية تحفظ حقوق العاملات، تحولت في كثير من مؤسسات القطاع الخاص إلى وثائق شكلية لا تعكس واقع العمل بصورة حقيقية. فالعقد الذي يُوقّع أمام الجهات الرسمية، على سبيل المثال، ينص على أن ساعات العمل لا تتجاوز ثماني ساعات يومياً، وأن الأجر الشهري يبلغ 350 ألف دينار. لكن الحقيقة التي تعيشها عشرات العاملات، ولا سيما من تعمل منهن في المولات التجارية، تختلف تماماً، إذ لا يتجاوز أجرهن 125 ألف دينار شهرياً، مقابل دوام يمتد إلى أكثر من 12 ساعة يومياً.
وبحسب عاملات، أصبحت هذه الممارسات شائعة في أغلب مؤسسات القطاع الخاص، حيث تُجبر الموظفات على توقيع عقود لا تعكس الأجر الحقيقي أو ساعات العمل الفعلية، فيما يتجنبن الاعتراض خوفا من فقدان مصدر رزقهن في ظل قلة فرص العمل.
تقول حنين عقيل، وهي عاملة مبيعات في أحد المولات التجارية في بغداد، إنها وقعت عقد عمل ينص على أن راتبها الشهري يبلغ 500 ألف دينار، وأن ساعات دوامها اليومية ثماني ساعات فقط، لكنها فوجئت، بعد مباشرتها العمل، بأن الراتب الذي تستلمه لا يتجاوز 300 ألف دينار.
وتضيف: "عندما سألت إدارة المول عن سبب الفرق بين العقد والراتب الحقيقي، قيل لي إن هذا هو النظام المتبع، وإنه في حال الاعتراض، يمكن فسخ العقد العمل، فهناك عشرات الفتيات ينتظرن فرصة التوظيف".
وتوضح أن دوامها يبدأ صباحاً وينتهي في وقت متأخر من الليل، مع استراحة قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة، مؤكدة أنها تقضي أكثر من 12 ساعة يومياً داخل المول، دون أن تحصل على أجر إضافي أو تعويض عن الساعات الإضافية.
أما رسل كاظم، وهي معلمة في مدرسة أهلية، فتقول لـ "طريق الشعب" إن مديرة المدرسة طلبت منها، منذ اليوم الأول، عدم الحديث عن تفاصيل الراتب مع زميلاتها، مشيرة إلى أن العقد الموقع يختلف كليا عن الواقع.
وتضيف: "العقد يتحدث عن حقوق وإجازات وراتب 350 ألف دينار، لكننا نستلم 125 ألف دينار فقط".
وتؤكد أن زميلاتها لا يجرؤن على تقديم شكوى، لأنهن يعلن أسرهن أو يحتجن إلى العمل لتغطية نفقات الدراسة أو المعيشة، وهو ما يدفع إدارة مديرة المدرسة إلى استغلال حاجتهن.
من جانبها، تقول آيات فراس، التي تعمل في أحد متاجر مستحضرات التجميل، إن ساعات العمل الطويلة تسببت لها بإرهاق جسدي ونفسي كبيرين. وتوضح: "نقف طوال اليوم تقريباً، ولا يسمح لنا بالجلوس إلا لدقائق معدودة، والأجر الذي نتقاضاه لا يتجاوز 400 ألف دينار، وهو مبلغ لا يكفي حتى لتغطية أجور النقل والطعام".
وتضيف أن الإدارة ترفض احتساب ساعات العمل الإضافية، رغم أن الدوام يمتد يومياً إلى أكثر من 12 ساعة، لافتة الانتباه إلى أن العاملات يشعرن بأن العقود ليست سوى أوراق تهدف إلى تجنب المساءلة القانونية.
ويؤكد المحامي والمختص في الشأن العمالي جعفر عبد الله لـ"طريق الشعب" أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً واضحاً لقانون العمل العراقي، الذي ألزم أصحاب العمل بتحديد الأجر الحقيقي في العقد، واحترام الحد الأدنى للأجور، وعدم تجاوز ساعات العمل القانونية إلا مقابل أجر إضافي ووفق ضوابط محددة.
ويشير إلى أن تسجيل راتب أعلى من الراتب الفعلي في العقد يستخدم لإظهار التزام المؤسسة بالقوانين أمام الجهات الرقابية، بينما يجري دفع مبلغ أقل للعاملات، وهو ما يعد مخالفة تمس حقوقهن المالية والقانونية.
كما يؤكد أن "استمرار هذه الانتهاكات يرتبط بضعف الرقابة على مؤسسات القطاع الخاص، وقلة الزيارات التفتيشية، فضلا عن تردد العاملات في تقديم الشكاوى خوفاً من الفصل أو إدراج أسمائهن في قوائم تمنع تشغيلهن في مؤسسات أخرى".
وتطالب العاملات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتكثيف حملات التفتيش المفاجئة على المولات والأسواق التجارية، والتأكد من تطابق العقود مع الواقع الفعلي، سواء من حيث الأجور أو ساعات العمل، واتخاذ إجراءات قانونية بحق المؤسسات المخالفة.
كما يطالبن بتوفير آليات آمنة وسرية لاستقبال شكاوى العاملات، بما يضمن عدم تعرضهن للانتقام أو الفصل التعسفي، إلى جانب تفعيل دور النقابات والمنظمات العمالية في الدفاع عن حقوق العاملين في القطاع الخاص.
*******************************
عين المرأة.. النساء في المناطق العشوائية معاناة يومية
انتصار الميالي
تواجه النساء اللواتي يسكنّ المناطق العشوائية معاناة يومية قاسية ومؤلمة، تتمثل في تحمّل الأعباء الاقتصادية بوصفهن معيلات لأسرهن، في ظل غياب أبسط مقومات البنية التحتية والخدمات الأساسية، وانعدام الشعور بالأمان، والعيش في بيئة هشة تفتقر إلى التخطيط العمراني، سواء في مبان متهالكة أو على أراضٍ غير مخصصة للبناء، ولا تصلح للعيش اللائق. وقد تكون حالة المباني جيدة، ألا أنها تفتقر إلى مقومات الأمان البيئي أو الاجتماعي، وتقع وسط محيط من المكبات، فضلاً عما تعانيه من نقص في الخدمات والمرافق الأساسية.
إن واقع الضغوط الحياتية التي تتعرض لها المرأة في المناطق العشوائية لا يعبّر فقط عن معاناة فردية، بل يُسلّط الضوء على خلل بنيوي في توزيع الفرص والموارد داخل المجتمع، ويعكس فشل السياسات العامة في توفير الحماية والرعاية للفئات الأكثر احتياجاً. ويُعدّ التركيز على هذه الفئة ودراسة أوضاعها بصورة معمقة خطوة أساسية نحو بناء سياسات وبرامج اجتماعية عادلة تُنصف المرأة، سواءً المعيلة لأسرتها أو ربة بيت، كما تعزز تمكينها بما يحقق الاستقرار الأسري والمجتمعي.
إن نساء المناطق العشوائية يعانيّن عوزاً مالياً حاداً وفقراً مدقعاً، يدفعان أعداداً كبيرة منهن إلى العمل في مهن شاقة وغير مستقرة لإعالة أسرهن. كما يحاصرهن شظف العيش وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية من الغذاء والدواء والملابس، في ظل غلاء المعيشة وارتفاع معدلات البطالة بين أرباب الأسر أو الشباب، فضلاً عن أعباء غياب الخدمات الأساسية وانعدام البنية التحتية، مثل شبكات الصرف الصحي، ومياه الإسالة والكهرباء، ومشقة الحركة والتنقل نتيجة وعورة الطرق، وغياب وسائل النقل الآمنة، ناهيك عن انعدام المدارس والمراكز الصحية.
ويولد كل ذلك شعوراً مستمراً بالخوف بسبب التهديدات الأمنية والاجتماعية، وانتشار مظاهر التهميش المجتمعي والجريمة والبطالة، بما يخلق بيئة غير آمنة للنساء والأطفال. وبسبب التضحية المستمرة والضغطوط النفسية والتنازل عن الاحتياجات الأساسية، تضع المرأة نفسها دائماً في آخر قائمة أولويات الإنقاذ أو الرعاية داخل الأسرة، مقدمةً الأبناء والزوج على حساب صحتها وراحتها النفسية. وفي المقابل، تعكس المناطق العشوائية صورة صارخة للتفاوت الطبقي وغياب العدالة في توزيع الثّروة الوطنية، التي استولى عليها أصحاب السلطة والنفوذ عبر سنوات طويلة من الفساد والإهمال.
وتتطلب حماية نساء المناطق العشوائية وأطفالهن وأسرهن توفير البنى التحتية الأساسية، والرعاية الصحية والنفسية، وتعزيز الأمن والتمكين الاقتصادي، للحد من المخاطر البيئية والاجتماعية التي يواجهنها. وتبقى هذه القضية واحدة من أهم القضايا التي تستوجب تسليط الضوء عليها، نظراً لما تتعرض له هذه الفئة من مخاطر وما تعانيه من مشكلات، فهي الأكثر معاناةً وفقراً ومرضاً وظلماً وتهميشاً وحرماناً. ويستوجب ذلك اتخاذ إجراءات عاجلة لتحقيق الحماية الاجتماعية وتوفير الأمن بكافة أشكاله، بالإضافة إلى إيجاد حلول قانونية لمشكلة التخطيط، تضمن توفير السكن الآمن واللائق، بوصفه حقاً كفله الدستور لضمان العيش الكريم للمواطنين.
***************************
لا تراجع عن حقوق النساء
لم تولد الصحافة الشيوعية العراقية لتكون شاهداً صامتاً على الظلم، بل لتكون طرفاً في مواجهته والمساهمة في معركة التغيير. ولهذا حملت الكلمة كما يحمل المناضل رايته، ووقفت في الصفوف الأولى دفاعاً عن العمال والفلاحين والكادحين، وكانت حقوق المرأة دائما في قلب هذا المشروع التحرري، لا على هامشه.
لم تكن "طريق الشعب" يوما صحيفة تكتفي برصد معاناة النساء، بل كانت، وما تزال، جبهة نضال مفتوحة. كتبت حين صمت الآخرون، وواجهت حين اختار كثيرون المساومة، ودافعت عن المرأة رغم حملات الإساءة والتشهير التي تتعرض لها المدافعات عن حقوقها، لأن الانحياز للمرأة، بالنسبة إليها، لم يكن شعاراً، بل موقفاً لا يخضع للمساومات.
وفي زمن تحولت فيه المرأة في كثير من وسائل الإعلام، إلى مادة للإثارة، واستُخدمت صورتها وجسدها لتسويق الصحف والمواقع ولزيادة انتشارها، حافظت "طريق الشعب" على انحيازها الأخلاقي والإنساني. لم تتاجر بجسد المرأة، ولم تجعلها وسيلة لجذب القراء، بل تعاملت معها بوصفها مواطنة كاملة الحقوق، ومناضلة، وعاملة، ومثقفة، وصاحبة رأي وقضية.
حضرت المرأة في صفحاتها شريكة في النضال وصناعة التغيير، لا سلعة إعلامية، ولا وسيلة للدعاية. ولم يكن ذلك مجرد خيار مهني، بل تعبيراً عن هوية صحيفة ولدت من رحم الحركة الوطنية، وآمنت بأن احترام المرأة جزء لا يتجزأ من مشروع العدالة الاجتماعية والتحرر.
إن الحقوق التي نالتها المرأة العراقية لم تكن هدايا من سلطة، ولا فضلًا من مشرّع، بل انتزعتها عبر سنوات طويلة من النضال والتضحيات، وقدمت في سبيلها الشهيدات حياتهن، والمناضلات أثمانًا باهظة.
واليوم، تجد المرأة نفسها أمام معارك جديدة تمس جوهر حقوقها، وفي مقدمتها ما يتعلق بالحضانة والأسرة. إن أي تشريع أو إجراء ينتقص من حقوق المرأة، أو يضعف موقعها القانوني، لا يستهدف امرأة بعينها، بل يستهدف فكرة المساواة نفسها، ويهدد الاستقرار الأسري والاجتماعي الذي ناضلت أجيال من العراقيات من أجل ترسيخه.
في ذكرى تأسيس الصحافة الشيوعية (31 تموز)، لا نكتب للتذكير بالماضي، بل لتجديد العهد؛ عهدٍ بأن تبقى "طريق الشعب" منحازة إلى قضايا المرأة، وإلى كل حق يُنتزع، وكل مكتسب يُراد مصادرته، وكل محاولة لإسكات الأصوات المطالبة بالعدالة.
فالصحافة التي وُلدت من رحم النضال لا تعرف الحياد أمام الظلم، والكلمة التي قاومت الدكتاتورية، وواجهت السجون والمنافي، لن تتردد اليوم في مواجهة كل مشروع ينتقص من حقوق النساء أو يحاول الالتفاف على ما حققنه من مكتسبات.
وفي عيد الصحافة الشيوعية، لا نجدد الاحتفال بتاريخ مضى، بل نجدد موقفًا لن يتغير. ستبقى "طريق الشعب" صحيفة تناضل بالكلمة، كما يناضل أصحاب القضايا في الميدان، وستظل المرأة العراقية شريكة في صناعة المستقبل، لا صورة على غلاف، ولا جسدًا في إعلان، ولا عنوانًا عابرًا في صحيفة.
المحرر
****************************
وجهة نظر* المنظومة الاجتماعية بين حفظ الحقوق وصناعة الظلم
مرتضى المياحي **
الأخطاء التي يقترفها بعض الرجال بحق المرأة ليست تصرفات فردية تُمثّل كل الرجال، كما أنها ليست نابعة بالضرورة من سلوك عدائي خاص. وكذلك فإن الأخطاء التي تقترفها بعض النساء بحق الرجل ليست تصرفات فردية تمثل كل النساء، ولا تنبع بالضرورة من سلوك عدائي خاص.
كيف يمكن فهم ذلك؟
إن المنظومة الاجتماعية، التي تقوم على العادات والتقاليد والدين، تتمتع بقدر من المرونة يجعل بعض الحقوق عرضة لسوء الفهم أو الاستغلال، وهو ما يؤدي إلى تحويل هذه الحقوق، في بعض الحالات، من أدوات للحماية إلى وسائل قد تُستخدم ضد الطرف الآخر.
في هذا السياق، يُمنح الرجل، وفق بعض الاجتهادات الفقهية والأعراف الاجتماعية، حق الولاية على المرأة (كالزوجة، والأم، والأخت، والبنت)، ويكون الهدف من هذا الحق الحماية والإنفاق والرعاية. كما يُمنح حق التأديب ضمن شروط وضوابط محددة في الفقه الإسلامي.
غير أن هذا الحق قد يُساء استخدامه من قبل بعض الرجال، فيتحول من إطار للحماية إلى وسيلة للظلم أو التسلط، الأمر الذي أسهم في ترسيخ صورة ذهنية سلبية في المجتمع حول العلاقة بين الرجل والمرأة، وأنتج أمثالًا شعبية ومقولات تعكس هذه النظرة، مثل "شني المرأة ما تنعل".
وفي المقابل، يولي الفقه الإسلامي أهمية كبيرة لحماية المرأة من الطعن في شرفها، ويشدد في إدانة أي اعتداء لفظي أو معنوي يمس عرضها أو كرامتها. إلا أن هذه الحماية قد تُستغل، في بعض الحالات، من قبل بعض النساء في ممارسات غير مشروعة، بما قد يترتب عليه آثار اجتماعية وقانونية خطيرة، من بينها إشكالات تتعلق بإثبات النسب أو نفيه.
كما يميل المجتمع، في كثير من الأحيان، إلى تشديد الحماية تجاه المرأة، حتى في بعض الحالات التي تكون فيها معتدية، ويمنح أقوالها مصداقية عالية، مما قد يؤدي إلى إساءة استغلال هذه الحماية ضد الرجل.
وعليه، فإن الاعتداء على الرجل أو المرأة من خلال استغلال أي حق من الحقوق لا يمكن اعتباره سلوكًا مرتبطًا بالشخص، بقدر ما هو انعكاس لخلل في كيفية تطبيق المنظومة التي تحدد الحقوق والواجبات. ولذلك، لا ينبغي النظر إلى هذه الممارسات بوصفها تصرفات فردية معزولة، بل باعتبارها جزءاً من خلل أوسع في البنية الاجتماعية التي ينتمي إليها الأفراد من كلا الجنسين.
ومن هنا، تبدو الحاجة قائمة إلى إعادة النظر في المنظومة نفسها، ومعالجة أوجه القصور التي قد يستغلها ضعاف النفوس من الجنسين، كما أنها تعاني من إشكالية أخلاقية تتمثل في التمييز بين الرجل والمرأة على أساس الجنس، فتتسبب نفسها أحيانًا في ظلم أحد الطرفين أو كليهما.
ــــــــــــــــــــــــ
* الحلقة السابعة من عدد من معالجات الباحث لقضايا الأحوال الشخصية
** مختص بفقه الإمامية وباحث في مشاريع تعديل قانون الأحوال الشخصية
******************************
أجور النساء وغياب العدالة
حوراء فاروق
على الرغم من أن النساء يُمثّلن اليوم أكثر من نصف القوى العاملة في أمريكا الشمالية وشرق آسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا، و40 في المائة من القوى العاملة على مستوى العالم، فإن هناك فجوة كبيرة نسبياً بين أجورهن وأجور الرجال عند أداء نفس العمل. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، منها اضطرارهن إلى العمل بدوام جزئي أو غير منتظم، أو دفعهن إلى التمركز في قطاعات ذات أجور منخفضة، مثل الرعاية الصحية، والمساعدة الاجتماعية، والتعليم والتدريب، وتجارة التجزئة، وخدمات الإقامة والإطعام.
وتبقى علاقات الإنتاج الرأسمالية العامل الحاسم في استمرار هذه المشكلة، فبسبب زيادة المنافسة بين فئات الطبقة العاملة، وممارسة ضغط متواصل على أجور العمال، وتقليص المكاسب التي حققوها، يلجأ أصحاب العمل إلى توظيف النساء بأجور متدنية وبدوام جزئي، مستغلين حاجتهن الاقتصادية، وضعف مساهمتهن في النضال النقابي والسياسي، والقبول المجتمعي النسبي للتمييز ضدهن.
وإضافة إلى شتى أشكال المعاناة التي تفرضها هذه الاستراتيجية الخبيثة على النساء، فإنها تفضي إلى إثارة غضب بعض الرجال العاطلين، الذين يتوهمون، فينظرون إليها بوصفها منافسة غير عادلة، الأمر الذي يضر بوحدة العمال ويوفر فرصاً أكبر لنجاح سياسة "فرق تسد" التي تستفيد منها الرأسمالية.
كما تتضمن هذه السياسة استبدال العاملات المتزوجات بأخريات غير متزوجات، إما بصورة مباشرة عبر اختلاق الذرائع أو اللجوء الى الفصل الكيفي، أو بصورة غير مباشرة، من خلال الإبقاء على بيئة عمل غير ملائمة للأمهات العاملات، بسبب غياب مؤسسات رعاية الأطفال أثناء العمل (مثل الحضانات ورياض الأطفال)، وصعوبة التنقل من مكان العمل الى البيت وبالعكس بيسر وسرعة. وتشير الدراسات إلى أن النساء العاملات غير المتزوجات، اللواتي ليس لديهن أطفال، يحققن دخلاً أعلى من الأمهات العاملات. كما أن الأمهات، اللواتي يقل متوسط أجورهن عن متوسط أجور الرجال، أكثر عرضةً لترك العمل لرعاية أطفالهن الصغار لفترات طويلة، إذ تضطر العائلة إلى الإبقاء على الأب، الأعلى دخلًا، في العمل، بينما تتولى الأم رعاية الأطفال.
ولا تختلف الأوضاع في العراق كثيراً عن بقية أنحاء العالم الرأسمالي، حيث يشير تقرير الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء والفتيات، اللواتي تبلغ أعمارهن 10 سنوات فأكثر، يقضين ربع أوقاتهن في أعمال الرعاية المنزلية غير المدفوعة الأجر، مقارنةً بحوالي 4 في المائة من وقت الرجال. كما أن 41 في المائة فقط من المؤشرات اللازمة لقياس استثمار جهود النساء العراقيات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة متوفرة، في ظل وجود ثغرات كبيرة في مجالات رئيسية، ولاسيما العنف ضد المرأة، وفجوة الأجور بين الجنسين، وفقر النساء، والتعرض للتحرش الجسدي والجنسي، والقدرة على امتلاك الأصول، بما في ذلك الأراضي. وفي الوقت الذي تشكل فيه النساء 24.7 في المائة من الذين يتقاضون الرواتب التقاعدية، يمثل الرجال 73.3 في المائة، فيما تبلغ معدلات البطالة بين الشابات ضعف معدلاتها بين الشباب.
ولما كان القاسم المشترك بين تجارب القمع التي تواجهها مختلف فئات النساء هو تدني الدخل، والتمييز في العمل، وانعدام الخدمات، فإن إحدى أهم المعالجات تتمثل في الانخراط في النضال النقابي والسياسي ضد الاستغلال، فبدون مشاركة النساء في النضال ضد التمييز الجنسي، ومن أجل التحرر والعدالة، لا يمكن لهن توقع إنهاء أشكال الظلم التي يتعرضن لها.
**********************************
الصفحة العاشرة
كيف تتحول كتابة التاريخ إلى فعل مقاومة ضد الاحتلال؟
فرنسا تحتفي بالمؤرخ مارك بلوخ ورؤيته المعاصرة وكتب جديدة عنه
مارلين كنعان
تزامن حدث إدخال المؤرخ الفرنسي مارك بلوخ إلى "البانثيون" مع صدور كتاب جماعي بعنوان "مارك بلوخ، التاريخ بوصفه مقاومة" (منشورات سوي، 2026)، بإشراف المؤرخين فلوريان مازيل ويان بوتان، ليعيد قراءة إرثه الفكري والإنساني على ضوء الأسئلة التي تشغل بال مؤرخي اليوم.
يقع الكتاب في نحو 600 صفحة، ويضم إسهامات 25 باحثاً من تخصصات متعددة، تجمعهم قناعة راسخة بأن مارك بلوخ لا يزال حاضراً في قلب النقاشات التاريخية المعاصرة، إضافة إلى بعض النصوص التي وقّعها المؤرخ وبقيت غير منشورة.
ولا يقتصر هدف الكتاب على استعراض سيرة بلوخ أو التعريف بمؤلفاته، وإنما سعى إلى الكشف عن العلاقة العميقة التي ربطت مشروعه العلمي بموقفه الأخلاقي والسياسي، وإلى تفسير السر الذي جعل من أفكاره مصدر إلهام لأجيال متعاقبة من المؤرخين في فرنسا وخارجها.
يبتعد الكتاب من الصورة التقليدية التي نظرت إلى بلوخ على أنه أحد أبطال المقاومة الفرنسية وأحد مؤسسي "مدرسة الحوليات"، إذ ينظر المسهمون فيه إلى حياة هذا المؤرخ على أنها وحدة متكاملة، يتداخل فيها النشاط الأكاديمي بالالتزام المدني، ويتحول البحث عن الحقيقة إلى موقف أخلاقي يرفض الاستسلام للأكاذيب والدعاية والتعصب. ومن هذا المنطلق، يبدو دخول رفاة بلوخ إلى "البانثيون" تتويجاً لمسار فكري وإنساني ظل قائماً على الدفاع عن قيم الحرية والعقل والمسؤولية.
وُلد مارك بلوخ عام 1886 في مدينة ليون لأسرة يهودية ألزاسية اختارت الانتماء إلى فرنسا بعد ضم مقاطعتي الألزاس واللورين إلى ألمانيا عام 1871. نشأ في بيئة أولت التعليم مكانة مهمة، وترسخت فيها مبادئ الجمهورية والمواطنة والمساواة، فكان من الطبيعي أن يتجه الشاب إلى الدراسات التاريخية، وأن يبرز سريعاً كأحد ألمع الباحثين في جيله. وقد جمع منذ بداياته بين التكوين الكلاسيكي الصارم والانفتاح الواسع على العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهي سمة ستصبح لاحقاً من أهم ملامح مشروعه العلمي الذي ارتبط قبل كل شيء بتجديد علم التاريخ.
علم التاريخ
ففي زمن كانت الكتابة التاريخية تدور حول الملوك والحروب والقرارات السياسية وسجلات الوثائق الرسمية، دعا بلوخ إلى توسيع مجال البحث ليشمل كل مكونات المجتمع من أنماط الحياة اليومية والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والعقليات الجماعية والمعتقدات والرموز وتفاصيل البيئة الطبيعية التي عاش فيها الناس. وبذلك أسهم في نقل علم التاريخ من مجرد سرد للأحداث إلى علم يدرس المجتمعات في مختلف أبعادها. وتجسد هذا التوجه بوضوح عندما أسس مع لوسيان فيفر عام 1929 مدرسة "الحوليات" ومجلتها التي أصبحت واحدة من أكثر المجلات تأثيراً في مجال الدراسات التاريخية، إذ فتحت أبواب الحوار بين التاريخ وعلم الاجتماع والاقتصاد والجغرافيا والأنثروبولوجيا، مشجعة الباحثين على تجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات وعدم النظر إلى الوثيقة المكتوبة على أنها مصدر وحيد للمعرفة التاريخية، بل الاهتمام بالصور والخرائط واللقى الأثرية والمناظر الطبيعية والعادات الشعبية ضمن المواد التي يمكن للمؤرخ أن يستند إليها لفهم الماضي.
ومن أبرز ما ميّز منهج بلوخ أيضاً رفضه التعامل مع الوقائع باعتبارها حقائق جاهزة، إذ رأى أن المؤرخ يبدأ عمله بطرح الأسئلة، وأن قيمة الوثيقة لا تكمن في وجودها وحده، وإنما في نوعية الأسئلة التي تُوجَّه إليها. ولهذا السبب دعا إلى استخدام كل الشواهد الممكنة، وإلى إخضاعها للنقد حتى تتكون صورة أكثر دقة عن المجتمعات القديمة. كذلك، منح المقارنة بين المجتمعات مكانة في البحث التاريخي، إذ لم يكُن مقتنعاً بأن تاريخ أي بلد يمكن فهمه بمعزل عن تجارب الشعوب الأخرى. وساعده هذا المنهج في تجاوز الرؤية القومية الضيقة التي سادت لدى عدد كبير من المؤرخين في مطلع القرن الـ20.
ولعل أشهر مثل على جرأته العلمية يتمثل في كتاب "الملوك أصحاب القدرة على الشفاء" الذي نشره عام 1924 والذي درس فيه الاعتقاد السائد خلال العصور الوسطى بأن ملوك فرنسا وإنجلترا يملكون قدرة خارقة على شفاء بعض الأمراض، باحثاً عن فهم الأسباب الاجتماعية والثقافية التي دعت الناس إلى الإيمان بهذا الاعتقاد، وإلى الدور الذي قام به في ترسيخ السلطة الملكية. وفتح هذا الكتاب أفقاً جديداً أمام دراسة العقليات والتمثّلات الجماعية، وأصبح لاحقاً واحداً من النصوص المؤسِسة للتاريخ الثقافي والأنثروبولوجيا التاريخية.
أما في كتابه "المجتمع الإقطاعي"، فقدّم بلوخ قراءة جديدة للعالم في العصور الوسطى، مبتعداً من الصور النمطية التي اختزلت الإقطاع في مجموعة من القواعد القانونية الجامدة. وحاول فيه فهم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وشبكات الولاء والسلطة، مبيّناً أن المجتمع الوسيط كان أكثر تعقيداً وتنوعاً مما كان يُعتقد. وساعد هذا العمل في إعادة صياغة دراسة العصور الوسطى داخل الجامعات الأوروبية، وظل مرجعاً أساسياً لعقود طويلة.
بين الدقة العلمية والسرد المشوق
ولم تنحصر قيمة مارك بلوخ في ابتكار مناهج جديدة، بل امتدت إلى أسلوبه في الكتابة، لإيمانه أن المعرفة التاريخية ينبغي أن تكون في متناول الجميع، وأن المؤرخ لا يكتب لزملائه وحدهم، وإنما يخاطب أيضاً القارئ العادي. لذلك جاءت مؤلفاته واضحة البناء وغنية بالأمثلة وتجمع بين الدقة العلمية والسرد المشوق، مما منحها قدرة على الصمود أمام الزمن، وجعلها تعتمد كمرجع في الجامعات وخارجها.
ولئن كانت مؤلفات بلوخ أحدثت تحولاً عميقاً في دراسة الماضي، فإن حياته الشخصية منحت مشروعه الفكري بعداً أخلاقياً.
عاش مارك المؤرخ الحربين العالميتين وتجنّد في صفوف الجيش الفرنسي، ونال أوسمة تقدير لشجاعته خلال الحرب العالمية الأولى. وعندما اندلعت الحرب الثانية كان في الـ53 من عمره، لكنه أصرّ على الالتحاق بالخدمة العسكرية، لأن الدفاع عن الوطن مسؤولية لا يعفي منها العمر ولا المكانة العلمية. ومن موقعه داخل المؤسسة العسكرية شهد الانهيار السريع لفرنسا عام 1940، فخرج من تلك التجربة بواحد من أهم الكتب السياسية والتاريخية في القرن الـ20، "الهزيمة الغريبة" الذي حاول فيه تفسير الأسباب التي انتهت باحتلال فرنسا، منتقداً أخطاء القيادة العسكرية وجمود الإدارة وعجز النخب السياسية والثقافية عن إدراك التحولات التي شهدها العالم. وكتب هذا النص في لحظة كانت فيها الجراح لا تزال مفتوحة، فغدا نموذجاً لتأريخ الزمن الحاضر الذي يدرس فيه المؤرخ الحدث وهو لا يزال يعيش آثاره المباشرة.
ازدادت محنة بلوخ بعد وصول حكومة فيشي إلى السلطة، فبسبب أصوله اليهودية طُرد من الجامعة وصودرت مكتبته، وأصبح هدفاً للقوانين العنصرية التي فرضها الاحتلال. ومع ذلك لم يتراجع عن قناعاته، واختار طريق المقاومة السرّية مشاركاً في تنظيم شبكاتها، مستعملاً أسماء حركية متعددة في إعداد المنشورات وتنسيق الاتصالات بين المجموعات المناهضة للنازية. وشهد رفاقه على دقته في العمل وقدرته على الجمع بين صرامة الباحث وجرأة المناضل.
في مارس (آذار) 1944 اعتقلت قوات "الغيستابو" بلوخ في مدينة ليون، فتعرض لتعذيب قاسٍ، من دون أن يدلي بأية معلومة عن رفاقه في المقاومة. وفي الـ16 من يونيو من العام نفسه أُعدم رمياً بالرصاص قرب مدينة ليون، عن عمر لم يتجاوز57 سنة.
المؤرخ والمقاوم
لهذا السبب ترفض دراسات الكتاب الجماعي الجديد على اختلاف مقارباتها الفصل بين شخصية المؤرخ وشخصية المقاوم، وترى أن المقاومة لم تبدأ مع انضمام بلوخ إلى العمل السرّي، وإنما كانت حاضرة في مشروعه العلمي منذ أعوام طويلة، إذ قاوم بلوخ التفسيرات السطحية ورفض الانغلاق داخل التخصص ودافع عن حرية البحث وآمن بأن الحقيقة لا تُبنى إلا بالنقد والمراجعة والحوار، جاعلاً من الدراسات التاريخية نفسها فعلاً من أفعال المقاومة لأنها تواجه التزييف وتدافع عن العقل، وتمنح المجتمع القدرة على فهم ماضيه بعيداً من الأساطير والدعاية.
ختاماً، يكتسب الكتاب الجديد "مارك بلوخ، التاريخ بوصفه مقاومة"، أهمية خاصة لأنه يقدم قراءة جماعية لتراث بلوخ في ضوء تطور البحث التاريخي خلال العقود الأخيرة. وحرص المشرفان على نشره فلوريان مازيل ويان بوتان على إشراك باحثين ينتمون إلى مجالات مختلفة، من تاريخ العصور الوسطى، إلى تاريخ الحربين العالميتين، وتاريخ الأفكار، وعلم الاجتماع التاريخي، من أجل إبراز تعدد الأبعاد التي يتضمنها إرث بلوخ الذي تجاوز حدود الدراسات الوسيطة التي تخصّص فيها، متوقفاً عند أثره في أجيال متلاحقة من مؤرخي الأزمنة الحديثة والمعاصرة، والباحثين في التاريخ الثقافي والذاكرة الجماعية وتاريخ العقليات، والدارسين لعلوم السياسة والأنثروبولوجيا الذين وجدوا في أعماله نموذجاً للتجديد المنهجي القائم على الانفتاح على الأنثروبولوجيا، والاستفادة من الاقتصاد وعلم الاجتماع، والاعتماد على المقارنة بين المجتمعات، والاهتمام بالبنى الاجتماعية، وتوسيع مفهوم الوثيقة التاريخية ليشمل كل ما خلفه الإنسان من آثار مادية ورمزية. ولذلك لم يعُد حضوره مقتصراً على الجامعات الفرنسية، بل أصبح جزءاً من التراث الفكري العالمي.
لذا يندرج تكريم مارك بلوخ في إطار تخليد ذكرى الشخصيات التي دفعت حياتها ثمناً لمواقفها الفكرية والوطنية وتأكيداً لقيمة المعرفة الحرّة في بناء المجتمع الديمقراطي. وحمل هذا التكريم دلالة إضافية بدخول زوجته معه إلى "البانثيون"، في اعتراف بدور العائلات التي أسهمت في المقاومة وتحملت تبعات الاحتلال، مما جعل الحدث استحضاراً جماعياً لمرحلة مفصلية من تاريخ فرنسا وتأكيداً على أن الدفاع عن الحرية مسؤولية مشتركة.
ولا تزال أعمال بلوخ اليوم حاضرة وفاعلة بفضل حيوية الأسئلة التي تطرحها والتي يبرز الكتاب الجماعي أبعادها من خلال مناقشة وظيفة التاريخ في زمن الأخبار الزائفة وفي سياق استعمال الماضي لأغراض أيديولوجية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"اندبندنت عربية" – 1 تموز 2026
*******************************
{ريكسونا} واستغلال شخصية لومومبا
لتبييض تاريخها الاستعماري في الكونغو
كريبسو ديالو
لست من أنصار نظرية المؤامرة، ولا أميل إلى تفسير كل حدث بخيوط خفية تدار من وراء الستار. لكن بعض الوقائع تفرض نفسها، وتجعل من الصعب تجاهل الترابط بين الأحداث. بعد أن بدأ ميشيل كوكا مبولادينجا تجسيد وضعية تمثال باتريس لومومبا خلال كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب، بدأ كثيرون، ولا سيما في أوروبا، يتساءلون: من باتريس لومومبا؟ وما قصته؟ وسجل ارتفاع ملحوظ في عمليات البحث عن اسمه على محركات البحث، كما ازدادت معدلات شراء سيرته الذاتية والكتب التي تتناول حياته، ولم يتوقف الأمر عند حدود الفضول التاريخي. فمع اتساع معرفة الرأي العام الأوروبي بلومومبا وتاريخ الكونغو، شهدت الاحتجاجات التي نظمتها الجاليات والمنظمات الكونغولية في عدد من العواصم الأوروبية، تنديداً بالحرب في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، مشاركةً أوسع، حدث اهتمام إعلامي للمسار الذي تخوضه أسرة لومومبا من أجل كشف الحقيقة الكاملة حول اغتياله ومحاكمة المتورطين. وفي ظل تنامي هذا الوعي في أوروبا بطبيعة الصراع في جمهورية الكونغو الديمقراطية، تصاعدت الدعوات إلى مقاطعة عدد من الشركات متعددة الجنسيات المتهمة بالاستفادة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من اقتصاد الحرب، أو من سلاسل التوريد المرتبطة بعمالة الأطفال واستغلال الموارد الطبيعية، التي كان رأسمالها الأولي قد تكوَّن في سياق النظام الاستعماري الذي أتاح الاستيلاء على الأراضي واستغلال الموارد الطبيعية والقوى العاملة في الكونغو عبر أنظمة العمل القسري والسخرة المنظمة.
”ريكسونا”، إحدى أشهر العلامات التجارية التابعة ليونيليفر، تعود جذور إمبراطوريتها الصناعية إلى شركة “ليفر براذرز”، التي اعتمدت بصورة كبيرة على زيت النخيل المستخرج من الكونغو إبان الحقبة الاستعمارية البلجيكية. ففي عام 1911، حصل مؤسس الشركة، ويليام ليفر، على امتياز استعماري من الحكومة البلجيكية شمل نحو 750 ألف هكتار من الأراضي في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وأُنشئت شركة زيوت الكونغو البلجيكية (Huileries du Congo Belge – HCB) لاستغلال غابات النخيل وتحويل زيتها إلى المادة الخام الأساسية لصناعة الصابون في بريطانيا. وقد بلغت مساحة هذه الامتيازات حداً جعلها تعادل تقريباً ضعفي مساحة بلجيكا ونصفها. ثم لجأت الشركة إلى التعاون مع الإدارة الاستعمارية البلجيكية لتعويض النقص في العمالة، فاستفادت من نظام العمل القسري الذي فرضته السلطات على آلاف الكونغوليين. كان السكان يُجبرون على جمع ثمار النخيل وفق نظام حصص صارم، ومن يعجز عن تحقيق الكمية المطلوبة كان يتعرض للسجن أو للجلد بسوط الشيكوت (Chicotte)، أحد أكثر أدوات العقاب الاستعماري وحشية، والذي ارتبط بالحكم الدموي للملك ليوبولد الثاني. كما استولت السلطات الاستعمارية على ما اعتبرته “أراضي شاغرة” ومنحتها للشركة، رغم أنها كانت جزءًا من المجال المعيشي للمجتمعات المحلية. وهكذا ارتبط توسع شركة “ليفر براذرز” بنزع الأراضي، وإخضاع السكان، وتحويل الموارد الطبيعية في الكونغو إلى مصدر للثروة الصناعية الأوروبية. وفي عام 1930 اندمجت “ليفر براذرز” مع شركة “مارغرين يوني”، لتولد شركة “يونيليفر”. ومع وصول باتريس لومومبا إلى السلطة عام 1960 وطرحه مشروعاً يقوم على استعادة السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية وتقليص النفوذ الاقتصادي الأجنبي، أصبحت مصالح العديد من الشركات الغربية الكبرى، ومن بينها “يونيليفر”، مهددة. لهذا الإطاحة بلومومبا، كانت في مصلحتها لأنها كانت من أبرز المستفيدين من النظام الاقتصادي الذي ساد بعد اغتياله، إذ واصلت نشاطها في الكونغو خلال حكم موبوتو سيسي سيكو، الذي حافظ لعقود على بيئة مواتية للامتيازات الاقتصادية الموروثة من الحقبة الاستعمارية، واستمرت الشركة في امتلاك مزارع النخيل في الكونغو حتى عام 2009، حين قررت بيعها.
اختيار “ريكسونا” لشخصية مثل باتريس لومومبا لترويج منتجاتها لا يمكن فصله عن محاولة تبييض تاريخ صعودها، الذي لم يكن ممكناً لولا الامتيازات الاستعمارية، ونهب الموارد، والعمل القسري في الكونغو. ويأتي هذا الإعلان في توقيت بالغ الدلالة، بعد منع ميشيل كوكا مبولادينجا من دخول الولايات المتحدة لتشجيع منتخب بلاده بسبب سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة والتأشيرات، وكأن الرسالة هي: انظروا، نحن نتضامن معه وندعمه بإعلان لمزيل العرق.
الرأسمالية لا تكتفي باستغلال عمل البشر، وإنما تستولي على ذاكرتهم أيضاً. فعندما يُفرَّغ الرمز الثوري من مضمونه وتاريخه، ويُشيَّأ ليصبح أداةً لتسويق السلع، يفقد قدرته على التعبئة والتحريض، ويغدو جزءاً من دورة الاستهلاك. عندها يختزل إرثه في عبوة مزيل عرق، أو ملابس داخلية، أو كيس نقانق، تنتزع من قضيته قوتها التحررية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منصة "تقدم" – 5 تموز 2026
********************************
استقالة ديناو منغيستو من رئاسة {القلم الأميركية} لتهميشها الكتّاب الفلسطينيين
تسلّط استقالة الروائي الأميركي من أصل إثيوبي ديناو منغيستو من رئاسة منظمة القلم الأميركية (PEN America)، الضوءَ على الانقسامات العميقة داخل المؤسسة الأدبية، سواء بشأن موقفها من حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أو حرية التعبير بشكل عام. فبعد سبعة أشهر فقط من تولّيه المنصب، أعلن الكاتب (48 عاماً) استقالته، الأحد الماضي، احتجاجاً على ما وصفه بفشل المنظّمة في الدفاع عن القضية الفلسطينية بالقدر نفسه الذي تدافع به عن قضايا أخرى، معتبراً أن بعض مواقفها ساهمت في تهميش معاناة الفلسطينيين.
وجاءت الاستقالة بعد نشر المنظمة تقريراً بعنوان "تعليق صامت" في التاسع من الشهر الجاري، تناول الضغوط المهنية والنفسية التي واجهها كتّاب إسرائيليون ويهود في ظل حملات المقاطعة المرتبطة بالحرب على غزة. وانتقد منغيستو التقرير بشدة، معتبراً أنه ركّز على معاناة فئة واحدة وأغفل حجم الدمار الذي لحق بالكتّاب والمثقفين الفلسطينيين في غزة، كما رفض توصيف حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) باعتبارها أداة تمييز، مؤكداً أنها شكل من أشكال الاحتجاج السلمي وحرية التعبير.
وتأتي أزمة منغيستو ضمن سلسلة طويلة من الخلافات التي واجهتها منظمة القلم الأميركية منذ بداية الإبادة الصهيونية في غزة عام 2023. ففي يناير/كانون الثاني 2024، أثارت حادثة إخراج الكاتبة الفلسطينية الأميركية رندا جرار من فعالية للمنظمة في لوس أنجليس جدلاً واسعاً، بعدما شاركت في قراءة أسماء كتّاب وشعراء قُتلوا في غزة. واعتبر منتقدون الحادثة مثالاً على ازدواجية المعايير في تعامل المنظمة مع الأصوات الفلسطينية.
تصاعدت الأزمة في إبريل/نيسان 2024 مع انسحاب عشرات الكتّاب والمترجمين من جوائز المنظّمة احتجاجاً على ما وصفوه بعدم اتخاذ موقف واضح تجاه ما يحدث في غزة، ما أدى إلى إلغاء حفل الجوائز السنوي. كما أدّت موجة الانسحابات إلى تعطيل مهرجان "أصوات العالم" الأدبي، وزادت الضغوط على قيادة المنظمة، التي انتهت باستقالة الرئيسة التنفيذية السابقة سوزان نوسل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بعد انتقادات متواصلة لطريقة تعاملها مع الملف الفلسطيني.
وفي بيان استقالته، أوضح منغيستو أن قراره لم يكن مرتبطاً بتقرير "هدنة صامتة" وحده، بل جاء نتيجة تراكمات طويلة شعر خلالها بأن المنظمة ابتعدت عن التزامها المعلن بالدفاع عن حرية التعبير للجميع. وانتقد ما وصفه بـ"اللامبالاة المؤسسية" تجاه معاناة الفلسطينيين، مشيراً إلى أن اختزال النقاش في المخاوف التي يواجهها كتّاب إسرائيليون ويهود، من دون وضعها في سياق الدمار الواسع الذي أصاب المجتمع الثقافي الفلسطيني، يعكس خللاً في طريقة تناول المنظمة للأزمة.
وردّت منظمة القلم الأميركية على استقالة منغيستو بتأكيد احترام قراره، والإعلان عن تولي نائبة رئيس مجلس الإدارة تريسي هيغينز القيادة مؤقتاً إلى حين اختيار رئيس جديد. كما رفضت المنظمة الاتهامات بأنها تراجعت عن دعم الكتّاب الفلسطينيين، مؤكدة استمرار برامجها المتعلقة بمساندة الكتّاب والفنانين الفلسطينيين، لكنها شددت في الوقت نفسه على موقفها الرافض للمقاطعات الثقافية والأكاديمية، مع دفاعها عن حق الأفراد في المشاركة فيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"العربي الجديد" – 17 تموز 2026
********************************
الصفحة الحادية عشر
جديد المجلات •مجلة قضايا فكرية
عن مركز آفاق جديدة للدراسات / السودان، صدر العدد الجديد من المجلة الالكترونية "قضايا فكرية" 12/ 2026، والتي يراس تحريرها د. صديق الزيلعي.
ضم العدد ملف/ الانتقال الديمقراطي، التشريح البنيوي واسباب التعثر. ومن الموضوعات المهمة الاخرى: الاقتصاد والمؤسسات واصلاح المنظومة الامنية، قواعد الحوكمة ومراقبة الامتثال للقوانين، جدلية السلام والحرب والمدنية، المدنية خيار الشعب، المصالحة ودورها في تحقيق الوحدة الوطنية.
• مجلة المأمون
عن دار المأمون في وزارة الثقافة، صدر العدد الجديد من مجلة "كلكامش" باللغة الانكليزية وقد حمل الغلاف صورة الشاعر الراحل صادق الصائغ، وعبارة اثيرة تقول: " خط يبدأ من بغداد وحوار يتسع الى العالم". وضم العدد مقالات ونشاطات عراقية ترجمت الى الانكليزية.
*************************************
النص الشعري الأنثوي .. تمثلات الاضطهاد المزدوج
عبد علي حسن
إنَّ الاضطهاد بوصفه ظاهرةً اجتماعية وثقافية ليس مجرد سلوكٍ فردي عابر، بل هو نتاجُ منظوماتٍ رمزيةٍ وتشريعيةٍ وقيميةٍ كرَّست عبر قرونٍ طويلةٍ هيمنةَ الثقافة الذكورية، وأعادت إنتاجها داخل الأسرة والمؤسسة الاجتماعية والخطاب الثقافي، وفي كثيرٍ من المجتمعات التقليدية، ومنها المجتمع العربي، تتعرض المرأة لأشكالٍ متباينةٍ من الإقصاء والتهميش، تبدأ بتقييد حريتها بوصفها ابنةً خاضعةً لسلطة الأب ثم الأخ الأكبر ، ولا تنتهي بخضوعها لسلطة الزوج بعد انتقالها إلى مؤسسة الزواج، الأمر الذي يجعل الاضطهاد يتخذ طابعاً مزدوجاً تتعاقب فيه السلطات من دون أن تنكسر بنيتها العميقة ، وقد انعكست هذه البنية على الإبداع النسوي الذي لم يعد يكتفي بتسجيل التجربة الشخصية، بل غدا فضاءً لمساءلة النسق الثقافي وكشف آليات الهيمنة التي تنتج الظلم وتمنحه شرعيةً اجتماعية. ومن هنا يغدو النص الشعري الأنثوي وثيقةً جماليةً وثقافيةً في آنٍ واحد، إذ يحوّل المعاناة الفردية إلى خطابٍ احتجاجي يفضح البنية الذكورية ويكشف أثرها في تشكيل هوية المرأة ووعيها بذاتها. وعلى هذا الأساس، تسعى هذه المقاربة إلى تتبع تمثلات الاضطهاد المزدوج في النص الشعري الأنثوي، والكشف عن الكيفية التي يعيد بها النص بناء تجربة المرأة بوصفها ابنةً وزوجةً واقعتين تحت سلطتين متعاقبتين، بما يجعل الشعر فعلاً للمقاومة الرمزية، وإدانةً للأنساق الثقافية التي ما تزال تعيد إنتاج الاضطهاد بأشكالٍ مختلفة، وقد اخترنا نصاً للشاعرة العراقية نور درويش نموذجاً:
( وانا صغيرة طردني ابي ،
وأنا كبيرةٌ طردني زوجي.
من حينها وأنا أعيش
حياةَ المطرودين
في بيوتٍ لا أملكها.
في المرة الأولى، حين سمعتُ: اخرجي من البيت،
ذهبتُ إلى المطبخ،
وبقيتُ فيه حتى استوى الألم.
وفي الثانية، حين قال: لا تعودي إلى البيت مرةً أخرى،
بقيتُ جالسةً على الأريكة
حتى ذابت رُكبتي.
عيشةُ المطرودين توفّر الدموع،
غيرَ أنَّ الإحساسَ يتعفّن من قلّة الاستعمال.
نحري يحمل ذبحًا مؤجلًا،
وأحذيتي تحلم نيابةً عني.)
الشاعرة نور درويش/ الصفحة الشخصية 19/7/2026
*ينفتح النص السالف للشاعرة نور درويش --التي اراقب وأتابع مشروعها الشعري منذ سنوات قبل صدور ديوانها الاول( شجرة مقطوعة بشفرة حلاقة) دار ابجد / .2024 ,..ومساهمتها في الجلسات الشعرية لاتحاد أدباء وكتاب العراق كما وتضمن ( كتاب القلق العراقي /انطولوجيا الشعر العراقي الجديد ) الصادر عن الاتحاد العام الادباء في العراق بعضا من نصوصها الشعرية -- على منطقة شديدة الحساسية ، فهو لا يقدّم المرأة بوصفها ضحية حادثة فردية، بل بوصفها ذاتًا تقع داخل نظام اجتماعي يجعل الإقصاء جزءًا من سيرورة تكوينها منذ الطفولة وحتى الزواج ، وهي إذ تقول: «وأنا صغيرةٌ طردني أبي، وأنا كبيرةٌ طردني زوجي» لا يؤسس لمفارقة سردية فحسب، وإنما يكشف عن استمرارية السلطة الذكورية وانتقالها من الأب إلى الزوج، بما يجعل المرأة تدور داخل دائرة مغلقة من الوصاية والإقصاء، وكأن حياتها لا تعرف لحظة تتحقق فيها ذاتها المستقلة، ومن منظور النقد النسوي لا يمثل الأب والزوج شخصين بعينهما، بل يمثلان مؤسستين اجتماعيتين تمارسان السلطة نفسها بأدوات مختلفة؛ فالأب يحتكر حق الانتماء الأول، والزوج يحتكر حق الانتماء الثاني، بينما تظل المرأة محرومة من امتلاك فضائها الخاص ، ولهذا يكتسب فعل «الطرد» دلالة تتجاوز معناه المباشر ليصبح آلية لإلغاء الذات وتجريدها من حقها في المكان والهوية ، ويزداد هذا المعنى رسوخًا في قولها: «في بيوتٍ لا أملكها»، إذ يتحول البيت، الذي يُفترض أن يكون رمز الأمان، إلى فضاء مؤقت لا يمنحها الإقامة بقدر ما يمنحها الإذن المشروط بالبقاء ، فالمرأة هنا لا تمتلك بيتًا، بل تُستضاف فيه حتى إشعار آخر، ولذلك فإن وجودها كله يصبح معلقًا بإرادة الآخر ، وهذه إحدى أهم القضايا التي اشتغل عليها النقد النسوي، حين كشف أن السيطرة على المكان ليست قضية عمرانية، بل هي ممارسة للهيمنة على الجسد والهوية والقرار ، ولا يقف النص عند حدود كشف هذا الاضطهاد، بل يبتكر لغة شعرية تجعل الألم يتجسد في تفاصيل الحياة اليومية ، ففي المرة الأولى، عندما تسمع عبارة «اخرجي من البيت»، لا تصرخ ولا تواجه، وإنما تذهب إلى المطبخ وتنتظر حتى «استوى الألم». إن استعارة الاستواء، المستعارة من فعل الطبخ، تحوّل الألم إلى مادة تنضج ببطء داخل الجسد، وكأن المرأة تعيد إنتاج معاناتها بصمت، لأن الثقافة الأبوية لم تمنحها لغة للاعتراض بقدر ما دربتها على التحمل ، أما في التجربة الثانية، فإنها تبقى جالسة على الأريكة حتى «ذابت ركبتي»، وهي صورة تجمع بين السكون القسري والانهيار الداخلي، فالجلوس ليس راحة، وإنما شلل وجودي، والذوبان لا يعني الفناء الجسدي بقدر ما يعني تآكل القدرة على الحركة واتخاذ القرار ، وهنا ينجح النص في تصوير أثر العنف الرمزي، الذي لا يحتاج إلى الضرب أو الإهانة المباشرة، لأن الكلمة وحدها قادرة على تحطيم الإنسان عندما تصدر عن سلطة تمتلك حق الطرد ، طومن اللافت أن الشاعرة لا تبالغ في الانفعال، بل تعتمد اقتصادًا لغويًا يجعل الصورة أكثر قسوة، لأن البرودة التعبيرية نفسها تكشف حجم الاعتياد على الألم. ولهذا تأتي العبارة: «عيشةُ المطرودين توفّر الدموع، غير أن الإحساس يتعفّن من قلّة الاستعمال» بوصفها ذروة الرؤية الفكرية للنص. فالمطرود لا يفقد المكان فقط، بل يفقد تدريجيًا قدرته على الإحساس، لأن التكرار يحول المأساة إلى حالة اعتيادية ، إن تعفن الإحساس صورة بالغة العمق؛ فهي تشير إلى أن الإنسان حين يتعرض باستمرار للإقصاء يتوقف عن الشعور، لا لأنه تجاوز الألم، بل لأن الألم استهلك جميع طاقاته العاطفية. ومن منظور نسوي، فإن هذه الجملة تفضح أخطر نتائج القهر، إذ لا يقتصر أثره على الخارج، بل يعيد تشكيل الداخل النفسي للمرأة حتى تصبح عاجزة عن استثمار مشاعرها في بناء ذاتها ، ويختتم النص بصورتين بالغتي الكثافة: «نحري يحمل ذبحًا مؤجلًا، وأحذيتي تحلم نيابةً عني». فالذبح المؤجل يوحي بأن التهديد لا ينتهي، وإنما يستمر بوصفه قدرًا مفتوحًا، وهو ما يجعل المرأة تعيش تحت سلطة الخوف حتى عندما لا يقع العنف فعليًا، أما الأحذية التي تحلم نيابة عنها، فهي من أجمل الاستعارات في النص؛ إذ تنتقل القدرة على الحلم من الإنسان إلى الشيء، لأن الذات فقدت حتى حقها في تخيل المستقبل. لقد أصبحت الأحذية، بما تمثله من حركة وارتحال، أكثر قدرة على الحلم من صاحبتها التي أرهقها الطرد المتكرر. وهكذا ينجح النص في تحويل التجربة الفردية إلى شهادة على بنية اجتماعية كاملة، حيث يتجسد الاضطهاد المزدوج في انتقال المرأة من سلطة الأب إلى سلطة الزوج دون أن تمر بمحطة تمتلك فيها ذاتها أو بيتها أو قرارها ، ومن هنا تتجلى قيمة النص في أنه لا يدعو إلى مواجهة مباشرة مع الرجل بوصفه خصمًا بيولوجيًا، وإنما يكشف البنية الثقافية التي تجعل المرأة موضوعًا للامتلاك والإقصاء في آن واحد ، لذلك فإن القراءة النسوية لهذا النص لا تنشغل بالبكاء على مصير امرأة واحدة، بل ترى فيه تفكيكًا لمنظومة الهيمنة الذكورية التي تجعل الطرد ممارسة متوارثة، وتحوّل المرأة إلى كائن يعيش دائمًا على هامش المكان، منتظرًا اعترافًا لا يأتي، أو بيتًا لا يُطرد منه، أو حلمًا يستطيع أن يحمله بنفسه بدل أن تحمله أحذيته.
لقد نجح النص في بلوغ ذروته الشعرية في نهايته لا في بدايته ولو استطاع أن يحافظ على هذا المستوى من التكثيف والاحياء منذ المطلع لازدادت قيمته الفنية ، ولأصبحت رسالته النسوية أكثر تأثيرا ، لأن الشعر يقنع بالإيحاء أكثر مايقنع بالتصريح .
ويختتم النص بصورتين بالغتي الكثافة: «نحري يحمل ذبحًا مؤجلًا، وأحذيتي تحلم نيابةً عني». فالذبح المؤجل يوحي بأن التهديد لا ينتهي، وإنما يستمر بوصفه قدرًا مفتوحًا، وهو ما يجعل المرأة تعيش تحت سلطة الخوف حتى عندما لا يقع العنف فعليًا ، أما الأحذية التي تحلم نيابة عنها، فهي من أجمل الاستعارات في النص؛ إذ تنتقل القدرة على الحلم من الإنسان إلى الشيء، لأن الذات فقدت حتى حقها في تخيل المستقبل. لقد أصبحت الأحذية، بما تمثله من حركة وارتحال، أكثر قدرة على الحلم من صاحبتها التي أرهقها الطرد المتكرر. وهكذا ينجح النص في تحويل التجربة الفردية إلى شهادة على بنية اجتماعية كاملة، حيث يتجسد الاضطهاد المزدوج في انتقال المرأة من سلطة الأب إلى سلطة الزوج دون أن تمر بمحطة تمتلك فيها ذاتها أو بيتها أو قرارها ، ومن هنا تتجلى قيمة النص في أنه لا يدعو إلى مواجهة مباشرة مع الرجل بوصفه خصمًا بيولوجيًا، وإنما يكشف البنية الثقافية التي تجعل المرأة موضوعًا للامتلاك والإقصاء في آن واحد ، لذلك فإن القراءة النسوية لهذا النص لا تنشغل بالبكاء على مصير امرأة واحدة، بل ترى فيه تفكيكًا لمنظومة الهيمنة الذكورية التي تجعل الطرد ممارسة متوارثة، وتحوّل المرأة إلى كائن يعيش دائمًا على هامش المكان، منتظرًا اعترافًا لا يأتي، أو بيتًا لا يُطرد منه، أو حلمًا يستطيع أن يحمله بنفسه بدل أن تحمله أحذيته.
لقد نجح النص في بلوغ ذروته الشعرية في نهايته لا في بدايته ولو استطاع أن يحافظ على هذا المستوى من التكثيف والاحياء منذ المطلع لازدادت قيمته الفنية ، ولأصبحت رسالته النسوية أكثر تأثيرا ، لأن الشعر يقنع بالإيحاء أكثر ما يقنع بالتصريح.
********************************
مجلة "الثقافة الجديدة" (العدد 460).. استمرار المشروع التقدمي وتجدّد أسئلة الثقافة العراقية
د. إسماعيل نوري الربيعي
ليست قيمة المجلات الثقافية الرصينة في عدد الصفحات التي تنشرها، ولا في تنوع الأسماء التي تستكتبها حسب، وإنما في قدرتها على المحافظة على مشروع فكري واضح، يتجدد مع كل عدد من دون أن يفقد هويته. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة العدد (460) من مجلة الثقافة الجديدة الصادر في تموز 2026، بوصفه امتداداً واعياً لمسار ثقافي بدأ منذ تأسيس المجلة عام 1953، وظل محافظاً على هويته بوصفه منبراً للتنوير والعقلانية والنقد الاجتماعي والفكر التقدمي. وتكشف بنية العدد، منذ الغلاف وحتى أبوابه الأخيرة، عن رؤية تحريرية متماسكة تجمع بين الفكر السياسي والاجتماعي والنقد الثقافي والأدب والفنون والترجمة والحوار، بما يجعل المجلة فضاءً للحوار المعرفي أكثر من كونها مجرد وعاء للنشر. ولا تبدو هذه الرؤية التحريرية مجرد ترتيب شكلي للمواد، بل تتجسد في اختيار موضوعات تتناول أسئلة الدولة، والفساد، والتحول الحضاري، والاقتصاد، والهوية، والفن، والنقد، والترجمة، بما يؤكد أن الثقافة، في تصور المجلة، ليست نشاطاً جمالياً معزولاً، وإنما ممارسة اجتماعية وسياسية تسهم في تفسير الواقع والدفاع عن قيم الحرية والعدالة والتقدم. كما يعكس تنوع أبواب العدد، من المقالات إلى النصوص المترجمة، ومن الحوارات إلى الأدب والفنون، استمرار المجلة في الجمع بين المعرفة الإنسانية العالمية والانشغال بالقضايا العراقية والعربية.
مشروع ثقافي يواجه أسئلة الدولة والمجتمع
يفتتح العدد بمقال يركز على الفساد المالي والإداري والسياسي بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه العراق، ولا تكتفي بوصف الظاهرة، وإنما تربطها بالبنية السياسية القائمة، وتؤكد أن المعالجة لا يمكن أن تكون أمنية أو إعلامية فقط، بل تتطلب إصلاحاً مؤسسياً شاملاً يقوم على المساءلة والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة. كما تربط الكلمة بين الفساد وبين تراجع الخدمات، وأزمات الكهرباء والسكن والبطالة والاحتجاجات الشعبية، لتقدم رؤية تعتبر أن الأزمة بنيوية وليست مجرد خلل إداري عابر. وتكتسب هذه الكلمة أهمية خاصة لأنها تحدد الإطار الفكري الذي تتحرك داخله بقية مواد العدد. فالمجلة لا تتعامل مع الثقافة بوصفها انعزالاً عن الواقع، بل باعتبارها أداة لفهم الأزمات الوطنية ومساءلة البنى السياسية والاجتماعية التي تنتجها. وفي هذا السياق تأتي الدراسات المنشورة في باب المقالات لتوسيع هذا الأفق. فدراسة محمد الربيعي حول "شفرة البقاء الحضاري" تقدم محاولة لقراءة الأزمة الحضارية العربية من خلال توظيف مفاهيم مستمدة من البيولوجيا التطورية ونظرية الميمات، في مقاربة تجمع بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية وتحاول تفسير العلاقة بين الثقافة والمؤسسات والدولة. سواء اتفق القارئ مع جميع استنتاجات الدراسة أم اختلف معها، فإن أهميتها تكمن في جرأتها النظرية وسعيها إلى تجاوز التفسيرات التقليدية للأزمة العربية نحو إطار مفاهيمي جديد.
أما دراسة ماجد الياسري عن "العبودية الطوعية"، فتعيد استحضار أحد أهم المفاهيم الفلسفية المرتبطة بالعلاقة بين السلطة والإنسان، في محاولة لفهم كيف تتحول الطاعة إلى بنية ثقافية تتجاوز الإكراه المباشر، وهو موضوع ينسجم مع الخط النقدي الذي دأبت المجلة على تبنيه. وفي السياق نفسه، يناقش معتز محي عبد الحميد المشهد الأمني في سوريا، بينما تتناول نجاة تميم قضية العبودية في العالم الإسلامي، في حين يقدم إسماعيل نوري الربيعي دراسة عن العلاقة بين حرية السوق وهيمنة الرأسمالية، بما يضيف بعداً اقتصادياً وسياسياً للنقاش الفكري الذي يميز هذا العدد. وتكشف هذه الموضوعات مجتمعة عن رغبة واضحة في معالجة قضايا الفكر والسياسة والاقتصاد ضمن رؤية نقدية لا تنفصل عن هموم المجتمع العربي المعاصر.
التنوع المعرفي بوصفه فلسفة تحريرية
من أبرز نقاط القوة في العدد أنه لا يحصر الثقافة في مجال معرفي واحد، بل يقدم تصوراً واسعاً للثقافة باعتبارها شبكة مترابطة من العلوم الإنسانية والآداب والفنون. فإلى جانب المقالات الفكرية، يضم العدد باباً للنصوص القديمة، بما يؤكد أهمية التواصل مع التراث بوصفه مادة للحوار وليس مجرد موضوع للحفظ. كما يضم باباً للنصوص المترجمة، ويخصص مساحة لترجمة دراسة عن شخصية إيلون ماسك وسياسات الأثرياء، الأمر الذي يربط القارئ العربي بالنقاشات العالمية المعاصرة حول التكنولوجيا ورأس المال والنفوذ الاقتصادي. أما باب الحوارات، فيتضمن حواراً مع الخبير النفطي أحمد موسى جياد، وهو اختيار يعكس إدراك المجلة لأهمية الاقتصاد النفطي في تشكيل الواقع العراقي، ويؤكد أن الثقافة لا تنفصل عن الاقتصاد ولا عن السياسات العامة. وفي باب الأدب والفنون، تتسع مساحة العدد بصورة لافتة، إذ تتناول المواد المنشورة الرواية، والشعر، والمسرح، والنقد التشكيلي، والسيرة، والترجمة الأدبية، والقراءة النقدية للكتب، بما يمنح القارئ رؤية متكاملة للمشهد الثقافي العراقي والعربي والعالمي. وهذا التنوع لا يبدو عشوائياً، بل يخدم فلسفة واضحة مؤداها أن الثقافة عملية مركبة لا يمكن اختزالها في السياسة أو الأدب أو الاقتصاد وحدها، وإنما تنشأ من التفاعل المستمر بين هذه الحقول جميعاً.
الأدب والفنون بوصفهما فضاءً للنقد والتجديد
يمثل باب "أدب وفن" أحد أكثر أبواب العدد ثراءً، لأنه لا يكتفي بنشر النصوص الإبداعية، وإنما يقدم قراءات نقدية في الرواية والشعر والمسرح والفنون التشكيلية. فالاهتمام بتحولات النقد التشكيلي، ودراسة تجربة الفنان قاسم محسن، وقراءة "رأس المال" مسرحياً، والنقاش حول روايات عالمية، يعكس رؤية تعتبر الفن وسيلة لفهم المجتمع، وليس مجرد إنتاج جمالي منفصل عن الواقع. كما أن قراءة أعمال شعرية وروائية عراقية وعربية وعالمية تؤكد استمرار المجلة في أداء دورها التقليدي بوصفها وسيطاً بين القارئ العراقي والحركة الثقافية الإنسانية. ومن الجوانب المهمة أيضاً أن المجلة تمنح مساحة للنقد الأدبي والفني إلى جانب الإبداع، وهو ما يسهم في بناء ثقافة الحوار، لأن الإبداع من دون نقد يتحول إلى تراكم نصوص، بينما يسهم النقد في تطوير الذائقة وإعادة إنتاج المعنى. كما أن حضور الترجمة الأدبية ضمن هذا الباب يمثل استمراراً لواحدة من أهم وظائف المجلات الثقافية العربية منذ منتصف القرن العشرين، وهي نقل الخبرات الإنسانية وإغناء الثقافة الوطنية بالتجارب العالمية.
استمرارية النهج التقدمي
إذا كان لكل مجلة ثقافية شخصية فكرية، فإن الشخصية الفكرية لـ"الثقافة الجديدة" تبدو واضحة في هذا العدد من خلال أربعة عناصر رئيسة. أولها الإيمان بالعقل النقدي، إذ تكاد جميع الدراسات المنشورة تنطلق من مساءلة الواقع، لا من تبريره، وهو ما يجعل النقد جزءاً من هوية المجلة. وثانيها الانحياز إلى قضايا الإنسان والعدالة الاجتماعية، ويتجلى ذلك في كلمة العدد، وفي المقالات التي تناقش الفساد، والدولة، والاقتصاد، والحريات، وفي الاهتمام بالقضايا الاجتماعية إلى جانب القضايا الفكرية. وثالثها الانفتاح على المعرفة العالمية، سواء عبر الترجمات أو عبر توظيف النظريات الحديثة في العلوم الاجتماعية والفلسفة والاقتصاد. أما العنصر الرابع فهو الإيمان بوحدة الثقافة، بحيث لا توجد حدود فاصلة بين الأدب والفكر والسياسة والاقتصاد والفنون، وإنما تتكامل هذه الحقول في تشكيل الوعي العام. ومن اللافت أيضاً أن المجلة لا تكتفي باستضافة أسماء معروفة، بل تجمع بين باحثين ومفكرين ونقاد ومترجمين ومبدعين من اتجاهات متعددة، الأمر الذي يمنحها حيوية فكرية ويحولها إلى منصة للحوار بدلاً من أن تكون صوتاً أحادياً. ولا يقل أهمية عن ذلك استمرار المجلة في المحافظة على معاييرها التحريرية، سواء في تنظيم أبوابها أو في اهتمامها بالتوثيق وسلامة اللغة وأصول النشر، وهو ما يعكس حرصها على ترسيخ المهنية الأكاديمية والثقافية في آن واحد.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن العدد (460) لا يمثل مجرد إصدار دوري جديد، بل يؤكد أن مجلة الثقافة الجديدة ما تزال تؤدي دورها التاريخي بوصفها مؤسسة ثقافية تسعى إلى إنتاج المعرفة النقدية، والدفاع عن قيم الدولة المدنية، وتعزيز الحوار بين الفكر والأدب والفنون. كما يبرهن هذا العدد على أن المجلة استطاعت، رغم التحولات الكبيرة التي شهدها العراق والمنطقة، أن تحافظ على هويتها التقدمية، وأن تجدد أدواتها الفكرية من دون أن تتخلى عن رسالتها الأساسية في الانتصار للعقل، والحرية، والعدالة الاجتماعية، والانفتاح على التجارب الإنسانية. ولهذا فإن قيمة هذا العدد لا تكمن في جودة الدراسات المنشورة فحسب، وإنما في الصورة الكلية التي يقدمها عن مشروع ثقافي مستمر منذ أكثر من سبعة عقود، مشروع يؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية وحضارية، وأن بناء المستقبل يبدأ دائماً من بناء الوعي.
*********************************
الصفحة الثانية عشر
قف.. مهزلة..
عبد المنعم الأعسم
امتناع وزير النقل العراقي وهب الحسني، المشارك في وفد رفيع المستوى، يترأسه رئيس الحكومة علي فالح الزيدي، إلى تركيا، عن التوقيع (علنا) على اتفاقية شراكة بين البلدين، ينطوي على موقف لا سابق لفجاجته، إنْ على مستوى إدارة الحكومات، أو على مستوى إدارة مزرعة بصل، فكيف إذا كان الأمر يجري أمام الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء والشاشات العالمية، موصولا بمفاوضات ذات طبيعة حساسة، واستراتيجية، وفي عهد حكومة جديدة تضع خطواتها الأولى على طريق استعادة الثقة المفقودة مع الرأي العام العراقي، فاقد الثقة بالحكومات المتعاقبة أصلاً.
وبصرف النظر عن طبيعة اتفاقية "طريق التنمية" التي وُقعت مع الحكومة التركية، وخلفياتها، والتجاذبات التي تدور حول جدواها، ومستقبلها، فإن ما حدث كان فضيحة بروتوكولية وأخلاقية، وقد كشفت عن الحقيقة القرعاء بأن وزراء حكومة الزيدي، والحكومات السابقة، يأخذون أوامرهم، لا منه، بل من زعاماتهم السياسية، الذين لا يرخصون لهم التوقيع قبل أن يضمنوا حصتهم من الصفقة، فضلا عن رائحة "الدواعي الإيرانية" لهذا الامتناع.. واذا عُرف السبب بطل العجبْ.
*قالوا:
"للفضيحة رائحة لا تُشمّ بالأنوف".
حكمة
******************************
أطفال غزة يتعلمون الموسيقى في خيام النزوح
متابعة – طريق الشعب
يحاول "مركز إدوارد سعيد" الوطني للموسيقى في قطاع غزة، البحث عن فرصة للترفيه والفرح بين الأطفال النازحين في مراكز الإيواء، عبر تعليمهم الموسيقى بما توفر من إمكانات وأدوات. في حديث صحفي، تقول الطفلة ملاك التلمس، التي تتعلم الموسيقى في أحد مراكز الإيواء، إنها وجدت في الموسيقى والغناء "الشيء الحلو" الذي يمكنها عبره "نسيان الزعل وأحزان الماضي". لذلك انخرطت في برنامج لتعليم العزف على آلة الغيتار.
أما الطفل يزن التلمس، وهو طالب عود ومغنٍ، فيعبر عن فرحه وسعادته الكبيرة بالالتحاق بالمركز وتعلم الموسيقى والغناء. وعلى وقع أغنية فيروز "نسّم علينا الهوى"، يتمنى يزن لو أن شقيقه المصاب مهند يكون معه ليعزفا سويا الأغنية، ويرددا كلماتها معا!
من جهته، يقول منسق نشاطات المعهد فؤاد خضر، إنهم يُعلّمون في البرنامج الموسيقي المستهدف بهذه المرحلة، الكورال والغناء الجماعي والعزف على الآلات الموسيقية، مثل الكمان والعود والغيتار والإيقاع. وكان المعهد قبل الحرب - بحسب خضر- يعمل بشكل منظم ويستقبل الطلبة داخل مقره، لكن أثناء الحرب انتقل لتجربة جديدة فرضتها الظروف، عبر الذهاب إلى مراكز الإيواء في جميع المناطق من شمال غزة إلى جنوبها، وذلك لتقديم الدعم النفسي للأطفال من خلال الموسيقى.
*******************************
البصرة.. عن {التفكير العلمي وصناعة الوعي}
البصرة – طريق الشعب
شهدت "قاعة الشهيد هندال" في مقر اللجنة المحليّة للحزب الشيوعي العراقي في البصرة، أول أمس الثلاثاء، محاضرة بعنوان "التفكير العلمي - صناعة الوعي"، ألقاها المهندس د. علاء جاسب غالب، بحضور جمع من المثقفين والمهتمين بالشأن العلمي.
المحاضرة التي نظمها "ملتقى جيكور الثقافي"، ادارتها الكاتبة سرى الحداد. واستهلتها بالحديث عن العلم وتأثيره في حياة الناس. ثم عرّجت على سيرة المحاضر العلمية.
وفي معرض محاضرته، شرح د. غالب عبر شاشة عرض كبيرة (داتا شو)، بعض القضايا العلمية. ثم ألقى الضوء على أهم المفاصل التي تربط العلم بحياة الناس، مشيرا إلى آلية صناعة الوعي من خلال الممارسة العلمية والعملية للنظريات التي يجري طرحها.
وفي سياق المحاضرة، قدم عدد من الحاضرين مداخلات، بضمنهم فائز الكنعاني، خالد خضيّر، قاسم حنون، د. محمد حميد، سهاد البندر وحسين فالح.
**********************************
بيت الشعب.. حين يُبنى الوطن بالحجر النظيف
فراس البصري
ليس من الصعب أن تشيد المقرات عندما يكون المال العام مستباحا أو حين تتدفق الأموال السياسية من الخارج أو عندما تتحول مؤسسات الدولة إلى غنائم تتقاسمها القوى المتنفذة. الصعوبة الحقيقية أن تبني بيتا من عرق المؤمنين بفكرة ومن اشتراكات الأعضاء ومن تبرعات الأصدقاء ومن الثقة التي يمنحها الناس لمن حافظ على استقلاله ونظافة يده.
لهذا يكتسب مشروع بيت الشعب للحزب الشيوعي العراقي قيمته الأخلاقية قبل أن تكون له قيمته العمرانية.
فعلى امتداد تاريخه الطويل ورغم كل ما مر به العراق من انقلابات وحروب واحتلالات وتحولات سياسية لم يعرف عن الحزب الشيوعي العراقي أنه استولى على أملاك الدولة أو اتخذ من المال العام وسيلة لبناء مؤسساته أو جعل من الدعم الخارجي ركيزة لاستمراره.
لقد اختار الطريق الأصعب طريق الاعتماد على الذات وهو طريق قد يكون أكثر مشقة لكنه يمنح صاحبه استقلال القرار وكرامة الموقف.
ولم يكن هذا الخيار وليد الظروف بل امتدادا لمسيرة طويلة من النضال الوطني.
فمنذ تأسيسه كان الحزب حاضرا في أهم المحطات التي شهدها العراق الحديث حاملا شعاره الذي أصبح جزءا من الذاكرة الوطنية “وطن حر وشعب سعيد”. وفي سبيل هذا الشعار قدم آلاف المناضلين وارتقى شهداء وامتلأت السجون والمعتقلات بأعضائه وتعرض للمطاردة والحظر والتنكيل في عهود مختلفة لكنه لم يستبدل مبادئه بامتيازات ولم يحاول أن يعوض ما خسره بالاستحواذ على ما ليس له.
من هنا فإن بيت الشعب ليس مجرد مقر حزبي. إنه عنوان لفكرة ورمز لثقافة سياسية نادرة في عراق اليوم ثقافة تؤمن بأن المؤسسة التي تبنى بأموال أصحابها تبقى حرة وأن القرار الذي لا يشترى يبقى وطنيا.
وسيكون هذا البيت فضاء للنشاط الثقافي والفكري والاجتماعي ومنبرا للحوار ومكانا يلتقي فيه المؤمنون بالدولة المدنية وقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية. إنه بيت لكل من يرى أن السياسة ليست تجارة وأن العمل الوطني ليس بابا للإثراء بل مسؤولية تجاه المجتمع.
إن المساهمة في بناء هذا الصرح ليست تبرعا لبناء جدران وسقوف بل هي مساهمة في ترسيخ منظومة من القيم التي يحتاجها العراق اليوم أكثر من أي وقت مضى، قيم النزاهة، الاستقلال، العمل الطوعي، والإيمان بأن التغيير يبدأ من المبادئ قبل الإمكانات. وهي أيضا مشاركة في تعزيز الحركة الوطنية العراقية ودعم أحد روافدها التاريخية التي أسهمت وما زالت تسهم في الدفاع عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان.
قد يختلف الناس مع الحزب الشيوعي العراقي في الرؤية أو البرنامج أو الموقف السياسي وهذا حق طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي، لكن ما يصعب إنكاره هو أن بناء بيت الشعب بجهود أعضائه وأصدقائه يقدم نموذجا مختلفا في زمن أصبحت فيه السياسة في كثير من الأحيان مرادفا للنفوذ والمال والامتيازات.
ولهذا فإن كل حجر يوضع في هذا البناء يحمل معنى يتجاوز الإسمنت والحديد. إنه شهادة على أن المؤسسات الوطنية يمكن أن تنهض بإرادة أصحابها وأن النزاهة ليست شعارا يرفع بل ممارسة تترجم إلى أفعال.
وحين يبنى البيت بمال نظيف يبقى الباب مفتوحا لوطن أنظف ولمستقبل يستحقه العراقيون.
******************************
أما بعد.. دناءة
منى سعيد
يقال (نسيان الحق خيانة، والاشتغال عنه دناءة).. وها نحن مذ فتحنا أعيننا على الدنيا ونحن نعيش ظروفا صعبة وقاسية في عراق (الخيرات)، لم يمر عام إلا وتلقينا الصفعات من كل جانب، سعينا بكل جهودنا وسقينا أرضنا بدماء شهدائنا دفاعا عن الحق وتحقيق عدالة اجتماعية ولم نحصد إلا خيبات ولدت خيبات أخرى للأسف.
لم نزل ممسكين بأمل غد أفضل، لكننا في الوقت نفسه نذرف دموعا ساخنة حتى عند لحظات أفراحنا المفترضة. كثير من فرح لمجريات أحداث (صولة الفجر) التي تعجز عنها حتى مخيلة هوليود (الأكشن) لكني اعترف بغصة ومرارة جعلتني أصاب بكآبة على غير عادتي في تجاوز الصعاب.
فمن كان يتصور مشاهدة مواردنا المالية معبأة في قناني الطرشي، وفي مياه الصرف الصحي وتحت أعماق الأرض؟ّ! سمعنا وعرفنا عن روايات اللصوص الكثير والكثير لكننا لم نصدق أعيننا بعد ونحن نشاهد سبائك الذهب بالكيلوات وساعات الرولكس بالجملة والسيارات الفارهة والخيول الثمينة بحوزة من لا يسوون قطف سيكارة استولوا عليها بألاعيب يعجز عنها الخيال وتحت ستار أحزاب الإسلام السياسي.
منذ سنوات وشعبنا يردد (باسم الدين باكونا الحرامية) ويعلم يقينا بأننا شعب منهوب لكن لم نتصور يوما بذاءة وامتهان المال العام بهذه الطرق الرخيصة.
بكيت وطن الحضارة والنضال والعقول النيرة ممن تنتظر رواتب لا تكفي لسد احتياجات نصف الشهر بفارغ الصبر، كيف لهؤلاء السفلة امتصاص قوت الشعب، بينما خريجو كليات الطب، مثلا، لسنوات عديدة لم يجدوا أماكن للتعيين، وان حصل الأوائل منهم على عقود لا تزيد على الستمائة الف دينار؟ّ!
أمثلة العوز والفقر وتدهور الخدمات لا تُعد ولا تحصى، وإن استبشرنا بصولة الفجر وبأمل الضوء في نهاية النفق، لكني اعترف بأني ما زلت كئيبة اذرف الدمع في حالة مشابهة لما حدث لي عند مشاهدة صدام في أرذل حالاته عندما فحص أسنانه العسكري الأمريكي بعد إلقاء القبض عليه في وضع مهين مخجل. حينها كنت أعيش في أبو ظبي توالت علي تهاني وتغاريد فرحة الجالية العراقية هناك، حتى أن مجلس العمل العراقي رتب حفلا ساهرا احتفاء بالمناسبة، وأتذكر أنهم خصصوا جائزة قيمة لأطرف عقوبة يمكن أن يحصل عليها صدام من قبل الشعب قبل إعدامه، وتعددت الاقتراحات من خيال مدهش وسط ذلك الاحتفاء، إلا أنا بقيت معتكفة في شقتي أنوح وأذرف الدمع ساخنا، مسترجعة مع نفسي ضياع بلدي ومقتل آلاف الشهداء وتدمير كل شيء.. اردد وبصوت مخنوق هذا التافه أمامي على شاشة التلفزيون غرَّبني عن بلدي ويتَّم ابنتي وافقدني زوجي الشاب بعمر الثمانية والعشرين عاما.. لم أفرح أبدا مثلما اليوم تخنقني العبرة كلما توالت أمام عيني مشاهد استرداد مليارات الدنانير وملايين الدولارات وأكوام الذهب مرددة فعلا الانشغال عن نيل الحق دناءة وخيانة.
****************************
في اتحاد الأدباء
احتفاء بالشاعر هادي الحسيني وتجربته
متابعة – طريق الشعب
احتفى الاتحاد العام للأدباء والكتاب، أخيرا، بالشاعر هادي الحسيني وتجربته، في جلسة حضرها جمع من الأدباء والمثقفين ومتذوقي الشعر.
الجلسة التي التأمت على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد، أدارها الشاعر منذر عبد الحر، واستهلها بكلمة وصف فيها الحسيني بأنه "صوت عراقي أصيل ومبدع متميز"، مستعيدا ذكرياته معه عبر محطات الشعر والحياة والثقافة.
وأشار إلى أن "الحسيني، وهو مثقف من الطراز الأول، استطاع أن ينجو من مختلف التحديات والفخاخ التي واجهت جيله". من جانبه، ابتدأ المحتفى به حديثه بالإشارة إلى أن "العديد من أدباء العراق، مثل جان دمو ومحمد تركي النصار وعلي السوداني، إلى جانب عدد من الفنانين التشكيليين، تمكنوا من إحداث حراك ثقافي مهم خلال وجودهم في العاصمة الأردنية عمّان إبان تسعينيات القرن الماضي، وذلك بدعم مستمر من الشاعرين الراحلين سعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي".
وكان الحسيني قد غادر العراق عام 1994 نحو الأردن. حيث أقام هناك بضعة سنوات قبل أن ينتقل للإقامة في النرويج.
واستعاد المحتفى به ذكرياته عن لحظة فوز قصيدته "تماثيل الموت" بجائزة المكتبة العالمية للشعر والإبداع في شمال أمريكا عام 1998 ، وذلك بعد أن ترجمها إلى الإنكليزية الشاعر جان دمو ومترجم آخر.
ثم تطرق إلى بداياته مع الشعر، مستذكرا مجموعته الشعرية الأولى، التي طُبعت بدعم من الشاعر عبد الوهاب البياتي، بعد فوز الأخير ب "جائزة سلطان بن علي العويس" الثقافية في الإمارات. ولفت الحسيني إلى انه بدأ كتابة الشعر منذ الصف الرابع الابتدائي، بعد أن تعرّف من خلال أخيه الأكبر، على شعر مظفر النواب، لا سيما ديوانه الشهير "الريل وحمد".
ثم انتقل للحديث عن كتابه "الحياة في الحامية الرومانية". وهو عبارة عن سيرة توثق تجربة المثقفين العراقيين الذين عاشوا سنوات في عمّان خلال فترة الحصار الاقتصادي، وما رافق تلك المرحلة من صعوبات معيشية قاسية تمثلت في الجوع والخوف والغربة، إضافة إلى القلق من المصير المجهول، والسعي المستمر إلى البحث عن العمل.
واستعاد المحتفى به ذكرياته مع الشاعر جان دمو، متوقفاً عند حوار صحفي مهم أجراه معه، إلى جانب حوارات أخرى أجراها مع عدد من الأدباء والمثقفين العراقيين المقيمين في المهجر. ليقرأ بعدها مجموعة من القصائد، مهداة إلى الشعراء حسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف وجان دمو وعبد الوهاب البياتي وحسن النواب ونصيف الناصري.
وفي الختام، قدم رئيس الاتحاد الشاعر د. عارف الساعدي، شهادة تقدير إلى الشاعر هادي الحسيني.