اخر الاخبار

أَمِنَ المنونِ ورَيبِها تَتَوجَّعُ... والدَّهرُ ليسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

عينيّةُ أبي ذؤيبِ مِنْ عيونِ المَراثي الباقيةِ على الزمنِ؛ قالها في أبنائِه الخمسةِ، وقيلَ السَّبعةِ، حينَ ذهبَ بهم الوباءُ في دمشقَ، أو في مصر، زمنَ الخلافةِ الراشدةِ، لمّا خرَجَ بهم مع جُندِ الفتح؛ مَطلِعُها:

أَمِنَ المنونِ ورَيبِها تَتَوجَّعُ

والدَّهرُ ليسَ بمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

وقد أقبلَ عليها الرُّواةُ بالعنايةِ والتدوينِ، وجعلوها مِن مستجادِ الشِّعر؛ فهي في ديوانِه، وفي ديوانِ الهُذليينَ، وفي المفضّليّاتِ، وفي جَمهرةِ أشعارِ العرب؛ ولم تخلُ كتبُ الأدبِ الأخرى مِن أبياتٍ منها؛ يُستشهدُ بها في مقامٍ يقتضيها؛ لصدقِها، وتوقّدِ معانيها، ومتانةِ بنائها.

تمّتِ القصيدةُ عند المُفضّلِ الضّبّيّ، وعند أبي سعيد السُّكريّ في شرحِ أشعارِ الهُذَليين، في ثلاثةٍ وستينَ بيتًا، وعند أبي زيدٍ القرشيّ، صاحبِ الجمهرةِ، في سبعةٍ وستينَ بيتًا؛ على أنّ موردَ الصَّيد منها جاء عند المُفضّل بخمسة وثلاثين بيتًا، وبأربعةٍ وثلاثينَ بيتًا عندَ أبي سعيد، وعندَ أبي زيد.

وأبو ذؤيب، على ما قال ابنُ سلّام، "شاعرٌ فحلٌ لا غَميزةَ فيه ولا وَهْن"، في الطبقةِ الثالثةِ من طبقاتِ الجاهليينَ، في صفِّ نابغةِ بني جَعدَة، والشمّاخِ بنِ ضِرار، ولَبيد بنِ ربيعة. وهو عنده أشعرُ هُذَيل غيرَ مُدافَعٍ. وشعرُه كلُّه على "نمطٍ في الجَودةِ وحُسنِ السَّبكِ"؛ على ما قال ياقوت في الإرشاد.

نشأ أبو ذؤيب في ديارِ قومِه بالحجاز، في الجاهليّةِ، القريبةِ من الإسلام؛ فأدركَ ظهورَ الدينِ، حينَ ظهرَ، وسطَعَ أمرُه؛ فأسلمَ  وحسُنَ إسلامُه، وقصد المدينةَ، وأقامَ فيها حينًا. ولمّا اندفعَ المسلمونَ إلى الفتحِ؛ اندفعَ في جملتهم غازيًا، مصطحبًا أبناءه؛ فكان في الشَّام، وكان في مصر؛ وهناك، في دمشق، أو في مصر، أُصيبَ في بنيه الخمسةِ أو السبعةِ، فرثاهم بكلمةٍ فاخرةٍ، عُدّتْ في جياد المراثي؛ ثمّ تعزّى وائتسَى، وغزا إفريقيّةَ في جُندِ عبدِ الله بنِ سعدِ بنِ أبي سَرح، وقيلَ في جُندِ عبدِ الله بنِ الزُّبيرِ - وإفريقيّةُ عندَ الأوائلِ هي، اليومَ، تونسُ - وفيها حانتْ منيّتُه، وكانَ مَدفنُه. وقيلَ بل أدركَه الأجلُ منصرَفَه مِن إفريقيّة، في أرضِ مصر؛ فقامَ على شأنِه، ابنُ الزُّبير؛ دَفَنَهُ فيها، وسوّى قبرَه؛ وعلى أيّةِ حالٍ؛ فإنّ وفاتَه كانت في نحوِ السّنةِ السابعةِ والعشرين من الهجرةِ، في أرضِ نأيٍ وغُربة.

أقامَ أبو ذؤيب قصيدتَه على ضربٍ من التسليمِ بما يأتي به القدرُ؛ فاستهلّها مُنكِرًا على نفسِه التوجّعَ من المنونِ وريبها؛ إذ الدَّهرُ لا يَعبأُ بجَزَعِ الجازعِ، ولا بوجعِ المتوجِّعِ، ولا يلتفتُ إليه. على أنَّه، مع تسليمه بصَرفِ الدهر، متوجّعٌ، شديدُ الأسى، قد أُقِضَّ مَضجعُه، وامتنعَ عليه النومُ، لا تنقضي حسراتُه؛ يُريد، على ذلك كلِّه، أنْ يأخذَ بزِمامِ نفسِه، ويردَّها إلى شيءٍ من القصدِ؛ وكأنَّ روحًا من القرآنِ، على حداثةِ عهدِه بالدينِ، قد نفَذَ فيه؛ فجعله قريبًا من الرضا والسَّكينةِ، بعيدًا من الغضبِ المُرّ؛ وهيّأه أن يقولَ:

والنَّـفــسُ راغِبــةٌ إذا رغّبْتَــها

وإذا تُــرَدُّ إلــى قَـــليــــلٍ تَـقْنـَعُ

ومضى به إلى أن يرى سلطانَ الدَّهرِ منبسطًا على الحيوانِ انبساطَه على الإنسان، وأنَّ الكائنات في قبضةٍ مُحْكَمةٍ منه، وعلى المرءِ اللبيبِ أن يُدركَ الأمرَ بعقله وبقلبه. وقد صوّر ذلك في لوحتين من لوحاتِ الصّيد، بعدَ أن باحَ ببثّه وشجوه بسبعةَ عشرَ بيتًا؛ الأولى: حمارُ وحشٍ وأربعُ أُتن؛ يتعقّبها صيّادٌ بقوسه وأسهمه، والثانية: ثورُ وحشٍ، منفردٍ، يختبئ له صيّادٌ بكلابه وقوسه وأسهمه. ومواردُ الصَّيد في الشعر القديم كثيرةٌ، متداولة بين الشعراء؛ يستقيها الشاعرُ من بيئته، ثمَّ يرتقي بها إلى مدارِ الرمز ذي الدّلالةِ الواسعة. ولقد قال الجاحظُ وهو في سياق من ذلك؛ إنَّ الثورَ المُطاردَ، في قصيدةِ المدح والفخر؛ ينجو، ويخيبُ الصيّادُ، وإنَّه في قصيدةِ الرثاءِ يكبو صريعًا، مُضرَّجًا بدمائِه. وفي ذلك إلماحٌ من الشاعرِ إلى ما يريد أن يقولَ في المدح والفخر، وفي الرثاء.

وعلى تلك السُّنَّةِ جرى أبو ذؤيب فقال:

والدَّهرُ لا يبقَى علــى حَدَثانِهِ... جَــــونُ السَّــراةِ لــــه جدائدُ أربعُ

صَخِبُ الشَّواربِ لا يزالُ كـأنَّهُ

عَبـــــدٌ لآلِ أبــــي ربيـعةَ مُسْــبَــعُ

أكلَ الجَميمَ وطاوعَتْه سَمْحَجٌ

مثــــلُ القنــــاةِ وأزْعَــلَتْـــه الأَمْــرُعُ

حتَّــى إذا جَزَرَتْ ميـــاهُ رُزونِه

وبـــأيّ حيــــنِ مُــــلاوةٍ يتــقـطّــــعُ

ذكَـرَ الوُرودَ بها وشاقَى أَمْـــرَه

شــــــؤمًـــا وأقـبــــلَ حَــيـنـــَه يتـتــبّــــعُ

فشَرَعْنَ في حَجَراتِ عَذبٍ باردٍ

حَصِبِ البِطَاحِ تَسيخُ فيِه الأَكْرُعُ

فشَــرِبْنَ ثُمَّ سمِــعْنَ حسًّــا دونَهُ

شَـرَفُ الحجـابِ وريبَ قَــرْعٍ يُقـرَعُ

أدار أبو ذؤيب في نفسِه فقدانَ بنيه، وقلّب الحالَ على وجوهها؛ فإذا بالأمرِ قدَرٌ لا محيصَ منه، وإذا به يرى نفسَهُ وما ألمَّ به؛ في هذه الأُتن التي نَعِمَتْ، حينًا من الدهر، بالماءِ والكلأِ والأمنِ، ثمّ أخذتِ المياهُ تنحسر، وتنضُبُ، فكاد يُدركُها الظمأُ؛ فكان عليها أن تبرحَ مكانَها إلى غيره، حيثُ تجدُ ما يرويها! فقصدتْ قصدَ عينٍ قديمةٍ لها مسيلُ ماءٍ عذبٍ، كُنَّ قد عَهِدنه؛ ولكنّ المسيلَ العذبَ مظنّةُ الصيادين؛ يختبؤون في جنباتٍ منه مُتنظّرِين مقدمَ الأُتن الظِماء؛ فإذا شرعتْ تشرَبُ أرسلوا عليها سهامَهم فأوردوها حَينَها!

فـأبــدَّهُـــنَّ حـُتـُوفَـــهُـنَّ فهــــاربٌ بِـــذَمــــائـــهِ أو بـــاركٌ مُــتــَجَــعْــــجِـــعُ

يعْثُرْنَ في عَلَقِ النَّجيعِ كأنّما

كــُسِـــيَــتْ بُروُدَ بـنــــي تَـزيــدَ الأَذرُعُ

   فكأنّه، إذ يصوّر حمارَ الوحش وأُتنَه الأربعَ، وهي مسوقةٌ إلى حَينِها، كان يُريدُ، أن يخاطِبَ نفسَه، وأن يردَّها إلى شيءٍ من القصْد، وأن يُطامِنَ من رغباتِها، ويجعلَها إلى قليلٍ تقنعُ به؛ فإنّما هو، والكائنات كلُّها، على خُطّةٍ لا مَحيدَ عنها!

 وإذا كان في حمارِ الوحش وأُتنِه الأربعِ أُمْثولةٌ له ولأبنائه، وقد حاقتْ بهم أسهمُ الصيّاد؛ فإنّه، من بعدُ، يُريدُ أُمْثولةً له، إذ بقي بعدهم فردًا؛ وقد وجدها في " شَبَبٍ أَفَزَّتْهُ الكلابُ مُرَوَّعُ "، والشَّبَبُ هو الثورُ المُسِنُّ؛ قال:

والدَّهْرُ لا يَبْقَــى علــى حَدَثــانِهِ

شَـــــبَـبٌ أَفــــَزَّتْـــهُ الـــكـــلابُ مــــُرَوَّعُ

شَعَفَ الكلابُ الضّارياتُ فؤادَه

فـإذا يَرَى الصُّـبْـحَ المُـصَـدَّقَ يَفْــزَعُ

ويَعُـــوذُ بالأَرْطَــى إذا مــا شَــفَّهُ

قَـــطْــــــرٌ وراحَــتْــــهُ بَــلِــيـــــلٌ زَعْــــــزَعُ

يَرمــي بعَيْـنـَيْـهِ الغُيُوبَ وطَـرْفُهُ

مُـغْــضٍ يُـصَـدِّقُ طَـــرْفُـهُ مـــا يـَسْـمَعُ

فَغَـــدا يُشَــرِّقُ مَـتْنَـهُ فـبـــدا لَــهُ أُولَــــى سَــــوابِـقِــهــــا قَـــرِيـبًـــا تُـــوزَعُ

فهذا ثورٌ، فردٌ، مُسِنٌّ، مُروّعٌ، قد ذهبَتِ الكلابُ بقلبِه، وسُلّطَ عليه من ليلةٍ، فيها ريحٌ ومطرٌ وبَردٌ، ما زاد في فزعِه؛ فاستعاذ بأَرْطاةٍ يقضي الليلَ عندها، وهو مشفقٌ يَرمي بعينيه الغُيُوب، ويٌرهف سمعَهُ، لا تبارحُه خَشيةُ الصّيّاد وكِلابِه؛ حتّى إذا استبانَ الفجر، وأخذَ الليل يَنجلي، وذرَّ قرنُ الشمس انسلّ من جَنب الأَرْطاةِ، وجَعل يتشمّسُ ليَجفَّ ما عليه من نَدَى الليلِ ومطرِه؛ غيرَ أنّه ما لبِثَ حتّى بدَتْ له أوائلُ الكلابِ تجري نحوه، قد أرسلَها عليه الصّيّادُ المُختبئ؛ فزايلَه خوفُه، واجتمعتْ نفسُه، ولم يرَ بُدًّا من المنازلةِ؛ فاستقامَ لها، وأخذ يَكُرُّ عليها، ويَفِرُّ منها، ويُذيقُها بأسَ قرنيه كلّما دنت منه؛ حتّى إذا أوجعها، وجعلت تعوي خائبةً، وأشرفَ بها على هلاكها؛ أدرك صاحبُها الصّيّادُ ما وقعتْ به؛ فأخرج سهامَه المُرْهفةَ، ونصب قوسَه، وسدّد رميَه؛ ليدرأَ الموتَ المُطلَّ على ما فَرَّ منها، فأَقصدَ الثورَ بسهمٍ وقعَ منهُ في جنبِه:

فَرَمَــى ليُنقِذَ فــرَّها فَــهَـوَى لَــهُ... سَــــهْــمٌ فــأَنْـفَـــــذَ طُــرَّتــَيـــهِ الــمِـــنْـزَعُ

فَكَبـــا كَمـــا يَكْبـُـو فَنِيـــقٌ تــارِزٌ... بـالــــخَـــــبْـتِ إِلّا أَنّـــــهُ هُـــــــوَ أَبْــــــرَعُ

كبا الثورُ صريعًا، مسفوكَ الدَّم، كأنَّهُ، في كبوته، فحلُ إبلٍ جليلٍ؛ بل هو أبرعُ منه؛ فلقد اشتدَّ، وقوِي، وأبَى أن يُسلِمَ نفسَه، وهو الفردُ بإزاءِ الكلابِ وصاحبِها، ولم يمتْ حتّى بلغ ما يُعذَرُ به؛ ولقد قال عُروة بنُ الورد في أمرٍ شبيهٍ به:  

لِيَبلُــغَ عُذْرًا أو يُصيبَ رَغِــيبَةً

ومُبْلِــــغُ نفْــسٍ عُـــذْرَها مِثـــلُ مُنْجِحِ

وإذ تتامّت عناصرُ لوحةِ الصّيدِ شاهدةً على أنَّ الدَّهرَ لا يَبقى على حَدَثانِهِ شيءٌ؛ يرتدُّ صدى قولِ الشاعر في القصيدةِ نفسِها قبلَ موردِ الصيد:

ولَقدْ حَرِصْتُ بأنْ أُدافِعَ عنهمُ

فـــإذا المَـــنــيَّـــةُ أَقْـــبَلَــــتْ لا تُــدفَــــعُ

وإذا المَـــنيَّةُ أَنْشَــبَتْ أَظْفــارَهــا أَلْــفـيْـــتَ كُـــلَّ تَمـــيــمَـــــةٍ لا تـَنـــْـفَـــعُ

وتَجَلُّــــدي للشَّـــامِـتيــنَ أُرِيــهُــمُ أَنّـــي لِــرَيبِ الدَّهْـــرِ لا أَتَضَـــعْـضَــعُ

ليدُلَّ على أَنّ القصيدةَ كلَّها في مقامِ التأسّي والتعزّي والتجلُّد؛ وكلُّ أبياتِها لا ينفكُّ من هذا المدار؛ ما كان منها بوحًا بحاقِّ الحزن والأسى، وما كان مبنيًّا على نحوٍ من حكايةِ الطّرد والصّيد؛ بل إنّ حكايةَ الطّردِ والصّيدِ هي بوحٌ خفيٌّ بما يشجي؛ فكأنّ الدَّهرَ، عنده في القصيدةِ كلِّها، صيّادٌ لا يُفلتُ من حِبالته أحد...