اخر الاخبار

بدءاً يمكننا القول بإستحالة وجود فن لا نلمس من ذات مبدعه فيه، والقاص عامر هشام الصفار واحد من القصاصين الذين تلمسوا هموم المجتمع عبر مجموعته القصصية (بيت الضفادع) الصادرة عن دار أقلام للنشر_كارديف _ ويلز فقد عالج قضايا ذات فضاء إجتماعي متناقض وأقترب من مناطق محضورة في الواقع ٫ ليستجمع ملامح المجتمعين العراقي والعربي في كافة حقوله السياسية والاجتماعية ولا سيما وان الفن القصصي فن متاح لٱنظمة التعبير كافة والكشف عن بواطن الواقع وتعريته على كل مستويات الثقافة فواقعية السرد الاجتماعية خلفية معرفية لكشف معاناة الأنسان

نحن أزاء عوالم الواقع وتشظياتها المريرة في ظل الحروب وويلاتها المستمرة وتجسيد الحياة في ظل الوباء اللعين وجانحة (كورونا) الذي اجتاح العالم بأكمله، فقد تمركزت على ((الواقع وتناقضاته وظواهره وتأزماته واقتران روح المفارقة،بتجسيد المواقف والأحداث التي تعبر عن اليومي والمهمل وتسلط الضوء المجهري على وقائع تفصيلية صغيرة لم ينتبه إليها،ألا عقل يستبطن بؤس الواقع، من خلال هذه التفاصيل))(1)التي ركز عليها القاص في عرض مكابدات شخصياته وصراعها السايكولوجي الداخلي.(2)

وقبل الولوج في عالم المفارقة القصصي عند الصفار لابد من تعريف مفهوم المفارقة فهي ((نظام من الكلمات بتجنب القول الصريح ويذكر المعنى الواضح))(3)،كما أنها (تعبير بلاغي، يرتكز أساسا على تحقيق العلاقات الذهنية بين الألفاظ اكثر مما يعتمد على العلاقة النغمية، أو التشكيلية فإنها لا تدرك إلا من خلال إدراك التناقض أو التعارض بين الحقائق على المستوى الشكلي للنص وغالبا ما يرتبط بالبراءة أو حتى السذاجة،أو الغفلة إذ ((إن الدال يعمل بصورة مستقلة عن دلالته، وفي غفلة من الذات))(4) وإذا كانت المفارقة تعني في أبسط صورها القصصية ((جريان حدث بصورة عفوية على حساب حدث آخر هو المقصود في النهاية،أوهي تصرف الشخصية تصرف الجاهل بحقيقة ما يدور حوله من أمور متناقضة لوضعها الحقيقي،فهي ثقافة قصصية يهدف القاص من وجودها النصي الخروج على السرد المباشر، وهو خروج يبعث على الإثارة والتشويق لوجود عناصر تتيح التعبير فيها للمعنى الواحد بمستويه السطحي ومستواه الكامن الذي يلح القارئ على اكتشافه مما يستطيع إدراك التناقض بين الحقائق على المستوى الكلي الخاص))(5) يهدف القاص من وجودها النصي الخروج على السرد المباشر،وهو خروج يبعث على الإثارة والتشويق.

وقد تنوعت صور المفارقة وتشبعت في أنماط عدة في هذه القصص ما بين المفارقة اللفظية ومفارقة الموقف والمفارقة الساخرة اللاذعة على وفق ما يقتضيه الموقف الشعوري وفي رصد نصوص المفارقة المنبثقة من مجموعة (بيت الضفادع)المتكونة من خمس وثمانون قصة قدم القاص شخصياتها بصيغة المفارقة الساخرة اللاذعة ليحدد ملامحها ومظهرها الخارجي وتحديد أحوالها الفكرية وبلغة محكية متداولة في الشارع العربي ولا سيما العراقي وقد ساعدت اللغة المحكية (هنا) بإعطاء صورة واضحة للآخر، أذ أن الدارس لنتاج القاص - لا يحتاج الى جهد كبير لأدراك وفهم معناه أذ أن الصورة التي قدمها الصفار تلتقي كثيرا مع قصص الواقع التي قدمها حنون مجيد وعبد الأمير المجر ورغد السهيل وحسب الله يحيى والكثير من القصاصين العراقيين،ولعل هذا ناتج من تشابه وتشابك المرجعيات الثقافية و السياسية والاجتماعية لهم، مع تفرد الصفار بلغة علمية أو تمثلات سيرته أذ نلمس تأثير مهنة الطب على فنه القصصي ومشاهداته القابعة في الذاكرة الجمعية والحاضرة في واقع هذه المجموعة القصصية التي جاءت مكتظة بالمرجعيات الذاتية وتمثلات سيرته ومن هذه العنوانات (بروستات، احمد والكورونا، تنفس اصطناعي،اللقاح، الاستشارة، طبية، جانحة، النزيف) فنجد هذه المسميات) المستوحاة من مهنة الطب التي يمارسها القاص. والتي أبدع في التقاط أحداث قصصه وما جسدته من مضامين اجتماعية وسياسية وكان شغله الشاغل والهم الأكبر له نقل معاناة الواقع  المأساوي في العالم كله في ظل هذه الجانحة التي صهرت العالم كله في بوتقة واحدة نقلها القاص بواقعية ظلت تحوم حول الفن القصصي الجميل أذ أبعدها بفنية عالية عن شباك التقريرية التي كان من الممكن الوقوع فيها ولا سيما وأن الحدث واحد و التقنيات لسردية التي ساندت الحدث مكسورة غير أن القاص استطاع توصيل الحدث إلى المتلقي بفنية وانسيابية في تسلسل الأحداث وتمركزها لخدمة الثيمة الموضوعية والفنية.

لقد التقط الصفار صور قصصه من الواقع المعيش فهو يعيد أنتاج الواقع بإبعاده الاجتماعية و السياسية دون أن يبتعد الى نمط أخر مغاير له.

ومن الصور التي جسدت المفارقة المنبثقة من الواقع وتشظياته الدلالية (استشارة طبية)

((دخل أبو محمد مع زوجته إلى عيادة الطبيب المزدحمة كانت الزوجة قد ألحت عليه بضرورة أن تستشير طبيبا في الأمر

الزوجة: حضرة الدكتور... زوجي هذا يثير الضوضاء في البيت كل يوم.. صباحا و مساءا...وقد زاد الأمر سوءا بعد أن أحيل على التقاعد...

الطبيب..ينظر الى (أبو محمد) نظره تعجب.

الزوجة.حتى إنه بعض المرات يفتح المذياع على أعلى صوته بأغاني لا أحبها ولا أطيقها

الطبيب يحاول أن يفهم الأمر..

الزوجة : أريد حلأ

-الزوج..تململ في مقعده قليلا..ثم همس بأذن الطبيب ليقوله له :

زوجتي يا سيدي مصابة بالصمم منذ سنوات طويلة))(6)

ومماء جاء من نماذج جسدت المفارقة (قصة انقلاب أمني) إذ جسد السارد المفارقة :((سيارة الاسعاف تنهب الشارع الرئيس في المدينة الكل ينظر في أتجاه صوت منبه سيارة الاسعاف. عندما صار الانقلاب الأمني حقيقة الشارع الرئيس في المدينة الذي بدأ حاليا إلا من دخان كثيف واصوات تشبه الأنيين))(7)

وفي النصيين اعلاه نجد خيال المبدع غامر بفضول المتلقي ليحصل ذلك الشد الرصين بينهما ويجعله منصتا ومقتاداً بكل تفاصيله حتى أن القاص ألح في سرد تفاصيل الواقع بكل دقة غير أن شدة تمكن القاص من فنه مكنّه من جر المتلقي إلى منطقة الأيهام وهذا ما نلاحظه في المفارقة الساخرة التي وردت في قوله:((زوجة : زوجة راحت تكيل لهم التهم. زوجها الستيني الذي عقد قرانه عليها قبل أربعين عاما تقول له: أنه أضاع المال ولم ينتهز العرض... وانه لم يطبخ طعاما يوما ولم يشتر لها هدية العيد راحت تكيل التهم.. الزوج نائم في مقبرة المدينة منذ عام))(8) فالمتتبع لمسار السرد وتوالي الأحداث لا يعتريه الشك أن ما يقرؤه حدث واقع بتسلسل منطقي لذلك الحدث لكن المفارقة تكسر أفق التوقع (الزوج نائم في مقبرة المدينة منذ عام)وفي قصة (أم سلمان) نجد المرأة التي تقص لأبنها معاناتها الجديدة مع ألم الفقرات في الظهر وكيف أنها اليوم قد أصبحت تستعمل الكرسي المتحرك.وان كيس أدويتها قد أصبح أكبر من ذي قبل فالمهدئات بأنواعها واشكالها لا يتحملها جسمها النحيل بعد اليوم.

كذلك نجد البوح الذي دار في ذات (أ م سلمان)وحياتها اليومية البائسة ففي حديثها نسق مفارقة باطن بهدم أفق التوقع عند المتلقي عندما هدم القاص حجابه وهو ((ترقرقت عيناها بالدموع وهي تغادر أرض مقبرة وادي المدينة حيث سحبت بيديها المتعبتين على شاهد قبر أبنها سلمان فودعته، على أمل لقاء قريب))(9).

وفي قصة "هموم": (السيدة جينكيز ترقد في المستشفى القريب وهي صاحبة السبعين عاما مازالت تنتظر جرعة الدواء التي ستأخذها من يد الممرضة بلهفة....قالت لي أنها تريد أن تشفى بسرعة فزوجها يعيش اليوم لوحده دوخة لا يعرف كيف يستعمل طباخ البيت...أربت على كتفها....وأنا أفكر بأفضل اسلوب لأن أذكر مريضي بأن زوجها قد فارس الحياة منذ سنوات))(10)

ونجد المفارقة في قصة "الكروناولو في الصين" (ها هي الكورونا في الصين قد جعلت الشوارع خالية إلا من قلق الناس الذي تتناقله وكالات الأنباء من هناك.. كما الحصار على بلاد الرافدين عندما كان في أسواق بغداد يصول ويجول.))(11)

مفتتح النص يشير الى ماض مأزوم وحاضر مضطرب مجهول اذا استحضر القاص واقع الحصار الذي أنهك صديقه منذر في العراق وأفقده كل شيء إلا حريته التي جسدتها الأفعال (يصول ويجول) تلك الأفعال التي رسمت تفاصيل النص وأزمة الماضي والحاضر، والتي تجلت في استحضار الماضي إلى جانب المضارع أو الحالية التي جسدتها شخصيات هذه القصة.

وفي قصة "الصاروخ": ((سلمى الدمشقية... سيدة في منتصف العمر... فقدت أبنها قبل عام في حرب أهلية ضروس تذكرت أبنها ليلة البارحة وهي تعاني من أرق مزعج.هاهو يزورها صباح اليوم بعد أن أعاده إلى الحياة صاروخ غبي أخطأ الهدف فأنفجر في مقبرة المدينة)) (12)

هذا النص من النصوص التي لا يمكن تأويلها أكثر مما تبدو عليه المفارقة وندور في فلكه،إذ يفاجئنا القاص ومفارقة باهرة تجعلنا نسخر من أقدارنا حينما عاد أبن السيدة الذي فقدته قبل عام،عاد إليها (بصاروخ غبي) وتلك مفارقة تبهر المتلقي وتحيله إلى عدمية حياتنا.

لقد تنوعت صور المفارقة في قصص الصفار بين المفارقة اللفظية ومفارقة الموقف والمفارقة اللغوية وبذلك أستطاع أن يقدم الحياة والواقع المأزوم بكل تفصيلاته ونكوصه ونهوضه في ظل ذلك وباء (كورونا)وتقديم مشهدها المؤلم بما يناسب أيقاع الواقع ومعطياته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

1-أدب الشباب،شعرا ونثرا،دراسات في الأبداع الأدبي الشباب، سمير الخليل،ط1,بغداد،الأتحاد العام للأدباء 2026.377

2-م. ن.377

3- نور ثروب فراي تشريع النقد محاولات أربع، ترجمة محمد عصفور،عمادة البحث العلمي، الجامعة الأردنية،عمان 1991.50

4-نظرية التأويل،الخطاب وفائض المعنى،بول ريكور، ترجمة سعيد الغانمي.34-35

5- فن القص في النظرية والتطبيق،نبيلة أبراهيم، دار غريب ،القاهرة، ط 1، 2007

6- قصة (استشارة طبية)

7-قصة( انقلاب أمني)

8-قصة (الزوجة)

9-قصة (صوم)

10-( قصة (هموم)

11- قصة (الكورونا ولو في الصين)

12-(الصاروخ)