اخر الاخبار

يظل الاعتذار فعلًا ترميميًا على الرغم من درجيته، فوظيفته المركزية استعادة التوازن الأخلاقي بعد انتهاك لقيمة العدالة، إذ يستبطن الاعتذار اعترافًا بخطأ سابق، وعلى كثافة حضوره بوصفه ممارسة أخلاقية – لغوية إلا أنَّنا لا نجد له ضبطًا مفهوميًا في الموسوعات الفلسفية الكبرى، كموسوعة لالاند الفلسفية مثلًا؛ بسبب من تشظي حضوره في مداخل فلسفية متجاورة: كالخطأ، والشعور بالمسؤولية، والاعتراف، والصفح، وغيرها، فهو مفهوم ذو مرجعية علائقية، يستمد معناه من افتراض خطأ سابق أربك ميزان العدالة، ولا يُرأب صدع العدالة المنتهكة إلا بتحقق ناجح لفعل الاعتذار الذي يفضي في آخر المطاف إلى قبول الاعتذار فالصفح غالبًا.

 لكن ما الشروط التداولية للاعتذار الفعَّال، وما الذي يُفقد الاعتذار شروط تحققه ؟

بوصلة الاعتذار

تردد الدهماء عبارة: (أن تأتي متأخرًا خيرٌ من أن لا تأتي) فهل تستقيم هذه العبارة مع إنشاء الاعتذار الناجح؟! حين يكون الاعتذار ترميمًا لضرر سلف، يقتضي هذا الاسراع في المبادرة إلى الاعتذار والاعتراف بالذنب أو محاولة تسويغه، لكن حين تمرُّ الأيام وتستقر نفس المتضرر على الضرر، وتتحول تدريجيًا إلى ذات مشروخة بالأذى تُعيد انتاج الألم، حتى تتعافى، أو تتعايش مع الضرر، في هذه اللحظة يستيقظ سؤال عن جدوى هذا الاعتذار، وجدوى حضوره المتأخر! لمَّا كان الاعتذار ممارسة أخلاقية – لغوية هيَّأ له اللسانيون شروط تداول تكفل نجاحه بوصفه فعلًا كلاميًا، أولها شرط الإخلاص، إذ يعبِّر المتكلم فيه عن ندم حقيقي لِما صدر عنه تجاه المخاطب من خطأ، مما يقتضي البدار في تقديم الاعتذار فكلَّما تأخر الاعتذار تضرر أداء الفعل، مما يثير تساؤلًا حول إقدام المتكلم على إيقاع فعل فاشل، لِمَ يعتذر المُخطئ بعد فوات الأوان ؟! هل سيرمم اعتذاره ما خلَّفه في نفس المُعتذَر إليه من أذى ؟  تتسالم لسانيات الخطاب على أنَّ الاعتذار فعل تعبيري تتجه فائدته من المتكلم إلى المخاطب، لكنَّ في حال الاعتذار المتأخر تسلك الفائدة اتجاهًا معاكسًا فتتجه صوب المتكلم، إذ يعتذر المتكلم بعد أن أُثقلت نفسه بالندم أو بلوم مَن حوله له، فيتخفف من ثقلهما بالاعتذار، الذي لن ينتفع به المخاطب بالقدر الذي ينتفع به المتكلم، هكذا يؤسس الاعتذار المتأخر لذنب جديد مدفوعًا بالأنانية. وليست اعتذارات القدر المتأخرة بمنأى عن هذا الفشل، فما نفع فرصة متأخرة تخشبت قوى منتظِرها وتراجعت طاقته عن اتيانها ؟! أو حبّ جاء متأخرًا؛ ليربت على كتفٍ ألفت الوحدة وأدمنت الخيبة ؟! أحقًا هذا اعتذار وترميم لعدالة غائبة ؟ لا، بل وجه من وجوه الظلم المتكاثرة، فلم يكتفِ القدر بتشفيه بابن الانسان وهو يهرول في كل اتجاه بحثًا عن غاية أرهقته، فقعد عنها، بل يغيظه هذا القعود واعتزال الطراد غير المجدي، فيلوِّح له إذ ذاك بأمل عقيم، بأُمنية شاحبة غادرتها الحياة؛ ليسخر منه ثانية وثالثة. ناهيك عن غياب شرط الاخلاص في الاعتذار الذي يدفع به نحو انجاز فاشل لا محالة، إليكَ الاعتذار المؤسسي البارد مثلًا، كاعتذار شركات الانشاءات والبناء لذوي الضحايا بعد سقوط المباني إثر خطأ هندسي، واعتذار المستشفيات من ذوي المتوفى جراء خطأ طبي، اعتذارات مفرَّغة من الصدق تصبو إلى التملص من المسؤولية وحسب .

سُلطة الاعتذار:

إن كنتَ تتفق معي أن لا فائدة للاعتذار المتأخر إلا لصاحبه الذي آثر التخفف من عبء أرهقه، فستتفق معي أيضًا أنَّ المعتذَر إليه يقع تحت ضغط أخلاقي يُلزمه قبول الاعتذار أو يدخل دائرة الخلل الأخلاقي. هنا تنشأ سلطة الاعتذار إذ يتحول من نوع من التنازل بفعل الاحساس بالندم تجاه شخص ما إلى تقنية لاستعادة السيطرة على المشهد واحتواء الخطأ، وإعادة إنتاج الحدث عبر تحديد طبيعة الخطأ، وتقاسم مسؤوليته مع المُعتذَر له بولادة خطأ جديد إذا ما قرر المتضرر رفض الاعتذار، فحين يقول المخطئ: (أنا آسف على كذا) يكون قد حدد طبيعة الخطأ الذي يريد الاعتذار عنه، ووضع حدودًا جديدة له قد لا تكون حدود المتضرر نفسها، ووضع الأخير موضع المضطر للتسامح لأنَّه بات في حرج أخلاقي تحت سلطة الاعتذار. إنَّ اختيار وقت الاعتذار وصيغته يؤكد سلطة المُعتَذِر الذي يستدعي المعتذَر إليه إلى لحظة الخطأ وسحبه إليها بعد أن تجاوزها الأخير بصعوبة، في عملية قسرية لفتح الجرح ثانية. ولعلَّ الاعتذارات السياسية خير دليل على خواء الاعتذار وعطبه، ألا تذكر اعتذار بعض السياسيين العراقيين في ثورة تشرين، إذ قال أحدهم: ( أنا أعترف بأنَّنا قصَّرنا تجاه هذا الشعب ... وعلى الشعب أن يعفو عنَّا...) هكذا قرر صاحبنا أن يقتسم الضرر ويعيد توزيعه، عليه الاعتذار وعلى الشعب القبول. الاعتذار طوق نجاة للمخطئ، للهِ درُّ مَن قال: (المنافقُ كلُّ يومٍ يسئُ ويعتذر) . 

النسخة الناجية :

يظل فعل الاعتذار وإن توفر على شرط الاخلاص ناقصًا حين يُختزل معناه في استعادة العلاقة بين المتخاصمين وترميمها؛ لأنَّ الاعتذار في جوهره يُعيد تشكيل الذوات المتصدعة بفعل الأذى المعتذَر عنه، فيدخل المُعتذِر صراعًا مع ذاته المنشطرة: شطر يسوِّغ الخطأ ويخفف من وطأته، وآخر آسف لخذلانه الصورة المثلى المتخيلة عن نفسه إذ أصبح غير جدير بالثقة بعد أن انتهك حق الآخر، فاصطدم بنسخته الواقعية، فيبادر للاعتذار لترميم جانب من هذه الذات، ولعلَّ إدراك أبي ذر الغفاري (رض) لذات لم يألفها، دفعه إلى الاعتذار بطريقة قد تجدها مبالغًا فيها، إذ رُوي ( أنَّه قال لبلال: يا ابن السوداء، ثم اعتذر له ووضع خده في الأرض، وطلب من بلال أن يطأ خده بقدمه). [اسعاف الأخيار: 2/ 288]    بغض النظر عن صحة هذا الخبر، لكنَّه يكشف بدقة خيبة الذات الصادقة حين تصطدم بصورتها المشوبة بالأذى، بعد أن رسمت صورة ناصعة لإيمانها، فلم يكتفِ المعتذِر بالقول بل بادر لإهانة هذه الذات الغريبة التي لم تبرأ من جاهليتها؛ لاستعادة اتساقها الأخلاقي ولتعيد رسم حدودها مع الآخر والعالم من جديد، بل تظل النسخة الناجية من هذا الخطأ تكفِّر عنه مدى الحياة، فظلَّ أبو ذر لا يضع حُلَّة إلا وعلى غلامه مثلها.  ولا تبتعد الذات المنتهَكة عن التصدع، إذ تفقد أمانها الرمزي إثرَ ما تعرضت له من أذى فتتهشم ثقتها بالآخر والعالم، وتظل عبارة (يا ابن السوداء) تطارد بلالًا بأصداء مختلفة، فلا يعاود سيرته الأولى بل يتحول إلى نسخة منكسرة بالانتهاك.