العودة الى حديث فوكوياما عن " نهاية التاريخ" و"الانسان الأخير" تثير جدلًا عن علاقة هذا الحديث بذاكرة المرجعيات الفكرية التي تبناها فوكوياما في التسعينات من القرن الماضي، وعن مدى ثقته بالليبرالية الغربية تحولت الى اشاعة فاضحة، فضلًا عن كونها فشلت في حماية هذا الانسان من الحروب والعنف والعنصرية، ومن الأزمات الاقتصادية..
صورة الليبرالية التي تحدث عنها كثيرًا، تحولت الى "شعبوية" والى ايديولوجيا حادة في تمثيل الفشل السياسي، والعنف الثقافي، وحتى في تعقيد انظمة حكم السياسات العامة، مثلما ذهبت الى تحويل ذلك "الانسان الاخير" الى كائن سائل، متورط بمآزق الازمات الكبرى، التي دفعته الى مزيد من القلق والكآبة والنزوع الى الاستهلاك، عبر اقنعة العنف والافراط في الجريمة، وصولًا الى الشكِّ بقدراته على مواجهة المستقبل، مع محدوديته في الحصول على اشباعاته الرمزية والنفسية الانسانية، وبهذا فإن الامبريالية بنسختها الاميركية افقدت "اطروحة فوكوياما" جدواها الفلسفية، وسحرها الطبقي والثقافي، وكشفت عن فشلها في قراءة "التاريخ" ذاته، إذ عمدت الى استغراقه في سرديات رمادية وغامضة لها رواتها السريون، ولها مخابرها ونصوصها، مثلما تحولت الى سياسات تتحكم بها البنوك الكبرى ومراكز البحوث والمختبرات.
ما يحدث اليوم في الغرب الاميركي من ازمات، وعنف عمومي، ومن تنامٍ للشعبوية السياسية، كشف عن وجهٍ آخر لذلك التاريخ، ولسرديات الصراع الذي بدأت تعيشه الليبرالية، بوصفه صراعًا مفتوحًا على سلسلة من السياسات التي تديرها مؤسسات غامضة، حيث العودة الى فكرة "المركزية" وسلطة الانتاج، وحيث التنازع على المصالح وعلى اسواق الطاقة، بعيدا عن أيّ تمثيل لهوية "الانسان الأخير" القرين بذاكرة المزاج الليبرالي، الذي فقد قدرته على أن يضبط ايقاع الصراع، وعلى تحويل الديمقراطية والحرية الى استثمارات "برجوازية" في تأمين شروط البقاء الآمن في المجتمع الليبرالي المتخيل، فإعمام الديمقراطية في الغرب، افقدها كثيرًا من علاماتها، كما أن قيم الرفاهية والاستهلاك فقدت هي الأخرى كثيرًا من بهرجتها، وعلى نحوٍ بات الغرب الليبرالي اليوم يعيش ازمات معقدة، تبدأ من ازمة الطاقة ولا تنتهي عند أزمات الغلاء والتضخم وارتفاع الاسعار التي تحاصره بذاكرة "الكساد الكبير" الذي عاشه الغرب في بدايات القرن الماضي، وأزمة السوق الاقتصادي المنفلت عام 2008.
اعادة الحديث عن " بدعة فوكوياما" خرج عن مجاله الاكاديمي ليأخذ مسارًا آخر، يتعلق بمراجعة السياسة الخارجية الاميركية، وسيرته السياسية التي جعلته جزءا من ذاكرة المركزية الاميركية، ونظرته الهيغلية لمفهوم التاريخ، وللمعرفة التي جعلت منه قريبًا من الخطاب السياسي، ومن سياسات الولايات المتحدة في نظرتها للآخر، وللقضايا التي تتعلق بحقوق الانسان والنظام الدولي والقيم الليبرالية التي فرضتها متغيرات مرحلة ما بعد الحرب الباردة..
السؤال في هذا السياق هل فشلت الليبرالية التي روّج لها فوكوياما في أن تكون بديلًا؟
ليس صعبًا الاجابة عنه في سياق ما يحدث من ازمات، ومن صعود فاضح للشعبوية السياسية، ولطبيعة التحولات التي جعلت من صورة الانسان الأخير قريبة، لكنها فاقدة ل" رومانسيتها" ولاشباعاتها التي دافع عنها فوكوياما، لذا بدت صورة هذا الانسان أكثر تمثيلًا لأنموذج "المهرج" الذي روجت له السينما الاميركية، حتى بات وكأنه قناعٌ للكائن القاسي، الذي يجد في العنف السري اشباعًا لمزاجه، ولفكرة الكائن المشوه الذي يشاطره ازماته الداخلية، حيث يمارس جرائمه في ليالي المدن الاميركية التي تحولت الى "دوستوبيا" جعلت منه انسانًا قلقًا، ومُهددًا على الدوام، وفاشلًا في التعبير الواضح عن ذاته، لذا ذهب لكي يعيش عزلة المهرج الذي يخشى مواجهة الذات، ومواجهة المجتمع، ورثاثة وعيه ازاء عالم تحكمه نُخبٌ جديدة، لا علاقة لها بجدل "هيغل" ومعياره الفلسفي، ولا بحلم فوكوياما عن بطله الاخير الذي تحول الى مهرج منفلت، أو الى اضحية سينمائية لا يملك القدرة على التلذذ بمتعة الليبرالية الاميركية، حيث يواجه سلسلة من الفقدانات التي تخص حريته وحقوقه المدنية وحمايته الاجتماعية.