اخر الاخبار

تتموضع رواية "زهور الدِّمن" للروائي والسيناريست العراقي ضاري الغضبان في منطقة سردية بالغة التعقيد والعمق  ضمن مشهد الرواية المعاصرة. يتجاوز فيها التصنيفات الكلاسيكية للرواية الاجتماعية التي تكتفي برصد الظواهر اليومية أو التباكي على الأطلال البشرية المهدومة؛ ليتحول النص إلى مشرحة تذهب مباشرة نحو الذات الإنسانية المأزومة في القاع، مستهدفة تفكيك مغاليق المضمر والمستور تحت وطأة الحروب وتداعياتها التي هرست جماليات الأمكنة والنفوس على حد سواء. إننا أمام عمل فني محكم البناء يتخذ من الفئات الهامشية والمقصية بؤرة لعدسته السردية، مستعيناً برؤية سينمائية بصرية وشعرية مكثفة تعيد إنتاج "الواقع المأزوم" وتصوغه في هيئة محاكمة أخلاقية كبرى لمنظومات الفساد والاستغلال الطبقي والاجتماعي.

يتأسس الخط القصصي للرواية على قراءة تبدأ من عتبة العنوان الصادمة والمفارقة: "زهور الدِّمن". فـ "الدِّمن" لغوياً هو ما تخلّفه الخراب وتتركه ماكنات الحروب من بقايا ديار فاسدة ملوثة أو مواضع القذر والمزبلة ومجتمع الروث والسماد، بينما "الزهور" هي الكائنات الحية الرقيقة الباحثة عن الضوء والانعتاق والجمال. ومن خلال هذا الاندماج العبقري التناقضي، يصيغ الغضبان فكرته المركزية التي تتمحور حول "جدلية الرغبة والخلاص"؛ حيث يرصد واقع نساء وجدن أنفسهن في قاع المدينة ومواخير الاستغلال والبغاء بفعل ضغوط اقتصادية ساحقة، وانهيارات مجتمعية متتالية، ليتحولن إلى "زهور" بريئة تحاول الصمود والنمو والبحث عن الطهر وسط تربة ملوثة فاسدة خارجة عن إرادتهن. العنوان هنا ليس تجميلياً، بل هو إدانة صارخة للمنظومة التي تدفع البريء نحو الانحراف ثم تنصّب نفسها قاضياً لمحاكمته.

تتميز  هذه الرواية ببناء أفقي مركب يرفض السرد الخطي التقليدي، حيث تظهر مهارة الغضبان ككاتب سيناريو من خلال تقنيتين أساسيتين:المشهدية السينمائية لذلك يتحول الفصل الواحد في الرواية إلى قصة مكتملة الأركان (لوحة بصرية متحركة) تجعل القارئ متورطاً في الحدث وليس متلقياً سلبياً.وكذلك يعتمد النص على تهشيم السردية الكبرى عبر قصص ثانوية وتضمينات تبدو مستقلة لكنها تصب في النهر الدرامي الأساسي.

تتداخل في الرواية القصة القصيرة لتكثيف الحدث، وقصيدة النثر لاستنطاق الحياة الداخلية ومشاعر الشخصيات المأزومة. فالكاتب لا يعبأ بالتفاصيل الفيزيائية الخارجية للشخصيات (الملامح، الطول، الثياب)، بل يغوص في فضح مغاليق المضمر والمستور في الوعي الإنساني، متتبعاً "لحظة الإشراق المفاجئة" أو نقطة التحول النفسي التي تحاول فيها الذات المكسورة التعالي على واقعها وبناء بلاغة خاصة بالروح.

المكان والزمان هنا ليسا مجرد خلفيتين للأحداث، بل هما فضاء مشحون بتداعيات شوهت جماليات الأمكنة وحولتها إلى فضاءات طاردة ومأزومة. يتحرك مناخ الرواية في فضاء اجتماعي خانق ومشحون بتداعيات الحاجة والرغبة؛ فالبيئات بائسة تتأرجح بين القصور المخملية للأثرياء الفاسدين الذين يبيضون الأموال ويتاجرون بالأجساد، وبين السراديب والأقبية المظلمة التي يُحتجز فيها المستضعفون. غير أن ميزة هذا المناخ تكمن في قدرة الكاتب على خلق مساحات نقيضة تفوح بالطهر والجمال، تتمثل في مزارع "غروب" الشاسعة والواحات النظيفة التي تلجأ إليها النفوس المنهكة لغسل خطاياها بالعمل والعودة إلى نقاء الفطرة الإنسانية الأولى.

على مستوى المعالجة النفسية والسلوكية، يرفض ضاري الغضبان الأنماط الجاهزة أو الشخصيات المسطحة ذات البعد الواحد (الخيرة مطلقاً أو الشريرة مطلقاً)؛ بل يضع شخوصه المأزومة في مواجهة صريحة مع واقعها وتناقضاتها السلوكية. وتتجلى هذه العبقرية في تحليل شخصية البطل "مارد"؛ وهو ليس مجرماً تقليدياً بل أداة نقدية تفكك زيف "الطبقة المخملية" المستفيدة من الحروب والخراب وطبقة المفسدين (الممثلة بالثري عبدوش). إنه يمتلك وعياً طبقياً حاداً ومهارة احترافية عالية اكتسبها من جيل اللصوص القدامى (أستاذه طبشور). شخصية مارد مبنية على "المفارقة الأخلاقية"؛ فهو يسرق الفاسدين، لكنه يمتلك نزعة إنسانية تدفعه لحماية الفتيات الضحايا، ويُظهر السرد كيف تحول عبر الفصول من متمرد فردي يسرق الأثرياء المفسدين للتعبير عن وعي طبقي مشوه، إلى أداة تنظيمية واعية تسعى للخلاص والتكفير عن ذنوب الماضي. يفكك السرد طبقات هذه الشخصية بعمق؛ فنكتشف أن اسمه الحقيقي هو "ماجد"، غير أن المؤسسة التربوية والاجتماعية هي التي حرفت اسمه وكينونته في الطفولة ليصبح "مارد" ، مثلما لفظته المنظومة العشائرية وتبرأت منه رسمياً بوثيقة من الكاتب العدل ليعيش مغترباً محاصراً بالأسئلة الوجودية والبحث عن يقين ملموس.

ترويض النزعة الدموية والمسرحة التنكرية . تكمن أهمية هذه الأحداث في أنها تنقل الرواية من مجرد قصة سرقة تقليدية إلى "رحلة عقاب ومراجعة وجودية". الشروط التي تفرضها "غروب" على مارد (تغيير هندامه اللصوصي، إرجاع السيارة المسروقة، شراء سيارة باسمه، ودخول عالم الشاعر سعف حصران) هي بمثابة "عملية إعادة صياغة قسرية" لهوية اللص، وإرغامه على التخلي عن قناعه القديم ليرتدي قناع المجتمع المتحضر، مما يضفي على الرواية طابعاً رمزياً عميقاً حول زيف المظاهر الاجتماعية.

تكتسب الرواية أهميتها الأدبية الاستثنائية من خلال الطريقة التي يروض بها الكاتب النزعات الدموية البدائية؛ فحين يكتشف مارد من الجارة القديمة "جدائل" إشاعات حول زوجته وابنة عمه المهملة "ماجدة"، يندفع بدافع النخوة الذكورية والشك الحارق بهدف العثور عليها وقتلها غسلاً للعار. وهنا يتدخل الشاعر الصعلوك والحكيم الروحي "سعف حصران"، ومعه خبيرة التجميل "ليزا" والعميد الأمني "صائب"، ليعيدوا صياغة اندفاع مارد؛ فيقنعونه بتأجيل فكرة الدم واستخدام مهاراته في التسلل لاختراق المواخير كـ "رجل ريفي ساذج" ومصوّر صحفي مخفي، لتوثيق جرائم إمبراطورية الفساد التي يقودها الثري "عبدوش الأحول" ومديرة وكره "أم فواكه".تتحول الرواية في أجزائها الوسطى إلى بنية "المسرح داخل المسرح" بفضل الأقنعة التنكرية؛ فيدخل مارد الماخور بجسد ريفي ولكنه يحمل كاميرا وفكراً، وهناك يلتقي بالضحايا اللواتي يمنحهن الكاتب أسماء زهور وهمية لتغطية نتانة الدمن، ومنهن:توليب: الطالبة الجامعية المتفوقة والمحبة لأشعار جبران خليل جبران، والتي سحقتها ماكنة التهريب والخراب بعد مقتل زوجها "أنهر" لتُباع مكبلة بالسلاسل في المباغي. يعبر النص عن ذروة التواطؤ والمقاومة الثقافية عندما تتواصل توليب مع مارد عبر رسالة مشفرة باللغة الإنجليزية لا يفهمها السجان الجاهل "سرداب"، ليمثلا معاً مسرحية الاغتصاب الوهمي لتضليل المتنصتين خلف الأبواب، بينما هما يذيبان الرسالة في فمها ويمضغان خطة الحرية. جوري: الغجرية التي رفضت تسليع فنها النقي في الرقص، فقتل ابن الوزير المتنفذ زوجها وحجزها لسنوات في قبو مظلم بنصف عقل. زلال (زنبق): التي شوهت المنظومة جسدها ببتر أصبعها السادسة خنصراً في اليد اليمنى بعملية غير نظامية، ودفعتها مآسي الاغتصاب في الشوارع أثناء التسول للجوء إلى الماخور بحثاً عن حماية وهمية من بطش الشارع وعنفه العشوائي.

تصبح "الزهور النامية في الدمن" رمزاً دلالياً للمقاومة الفطرية ضد القبح، فالرموز هنا تعمل كآليات دفاعية تلجأ إليها الشخصيات للهروب من واقع الانحراف المفروض عليها نحو آفاق الطهر والخلاص.

لحظة التنوير والتفكيك المفاجئ

تصل الرواية إلى لحظة التنوير والاعتكاف النقدي الأكبر في فصولها الأخيرة؛ فالمواجهة القضائية الكبرى تنتهي بتقييد "عبدوش الأحول" بالأصفاد ومصادرة أسلحته ووثائقه بفضل الصور والأقراص المدمجة التي سجلها مارد بكاميرته، بينما يخرج الشاعر "سعف حصران" من غرفة الإفاقة ليلقي بيانه الفلسفي والجمالي  الذي يعلن فيه براءة "نساء الدمن" باعتبارهن زهوراً غرسن جذورهن في الفساد اضطراراً لا اختياراً، لينشرن عطرهن ويغطين قبح الخراب المحيط بهن.

أما الخاتمة الفنية التفكيكية المفاجئة، فتقلب التوقعات السردية بالكامل لتصنع صدمة وعي بصرية مذهلة للبطل وللقارئ؛ فعندما يتوجه مارد نحو مزارع غروب النظيفة بعد أن أحرق أوراق قصة الماضي في صحن المغسلة، يكتشف أن شمس الصباح تشرق بنور مشع لتذيب الندى فوق أشجار الآس، والكلاب تحرس الواحة بسلام. الصدمة الكبرى تقع حين يرى مارد أن النساء اللواتي يرتدين بدلات  العمل النظيفة ويسمدن التربة ويقدن الخيول بازدهاء وحرية، لسن سوى "توليب" التي اجتمعت بزوجها المهندس "أنهر" الذي لم يمت، ومعهما السيدة الأنيقة التي تدير المشاتل ببراعة وفخامة؛ زوجته وابنة عمه الهاربة "ماجدة".

يلتقي شمل الوجوه وتسقط الأقنعة الزائفة؛ فيكتشف مارد من خلال فعل التحديق الختامي في خاتمي الزواج في البنصر اليسار لزوجته، أنه لم يكن المنقذ الوحيد بل كان الطرف الأقل وعياً، وأن زوجته التي هجرها واعتبرها "تمثالاً بليداً" هي زهرة نقية تدير واحات الخلاص والطهر الإنساني. 

بلاغة الخاتمة والافتتاحية الواعدة

تثبت بداية الرواية وخاتمتها من خلال لغتها الرصينة وسردها المشدود أنها عمل أدبي يمتلك رؤية نقدية حادة؛ إنها رواية تكشف أن الأخلاق في المجتمع المعاصر قد تتحول أحياناً إلى "أغشية بكارة مستعارة" يُعاد تدويرها وبيعها للأثرياء، وأن اللص الحقيقي قد لا يكون هو من يرتدي القناع ويسطو على المنازل ليلاً، بل ذلك الذي يجلس في صالونات النفوذ ويدير خيوط اللعبة من خلف الستار. إنها افتتاحية واعدة تترك القارئ في حالة ترقب شغوف لفك شفرات "المهام الشاقة" التي تنتظر البطل.

ينتهي النص ليعلن نضوج التوبة الكاملة؛ فالبطل يقرر ركل الماضي بكل تناقضاته والعودة الفورية لاسمه الأصلي "ماجد" ولحضن عائلته وزوجته، مؤكداً أن الشرف الحقيقي لا يغسل بالدم والانتقام العشائري الأعمى، بل يسترد بالوعي، والمعرفة، والعمل المثمر، والانتصار للجمال الفطري الكامن في عمق الروح الإنسانية مهما كبلتها أدران القاع وشوهتها ماكنات الحروب والخراب والفساد.

  قد تنجح رواية "زهور الدِّمن" في تأسيس بلاغة سردية تجمع بين واقعية الطرح وشعرية المعالجة. لم يسقط ضاري الغضبان في فخ المباشرة الفجة أثناء معالجته لقضايا البغاء والاستغلال الطبقي، بل حوّل الألم الإنساني إلى نص مفعم بالدلالة والحياة عبر لغة بصرية ذكية. البناء الفني المحكم نجح في استيعاب التشتت المجتمعي وإعادة صياغته في عمارة سردية متماسكة تثبت وفاء الكاتب لمشروعه الإبداعي المنحاز للإنسان في شتى انكساراته، لتشكل الرواية عتبة سردية لافتة ومستحقة في مشهد الرواية العراقية المعاصرة.