اخر الاخبار

من الصعب فصل السرد عن التاريخ، وعن سرائر التدوين، فكلما بدا السرد مفتوحًا، ندرك أن ثمة تاريخًا مغلقًا، وأن حيوية السارد تكمن في إشغال هذه المساحات المفتوحة، وفي تحويل بعض الوقائع والاحداث إلى سرديات تتسع للقراءة والاختلاف، وربما إلى الرغبة في كتابة تاريخٍ مواز، كثيرًا ما تعمد إليه حركات المعارضة، من منطلق معاناتها، ومن رؤيتها الرافضة للتاريخ الذي تصنعه السلطة، حيث يعمد السارد في تمثيله الثوري، أو الحكائي، إلى المواجهة، وإلى مواجهة تحديات التاريخ، عبر الوعي بالمختلف، حيث سيجد فيه دافعًا نحو اعادة "هيكلة" ذلك التاريخ، ليس لإعادة "تصميمه" بل للكشف عن "المخفي منه" والمقموع من يومياته، وعلى نحو يكون السارد هو الأكثر موضوعية من "المؤرخ الديواني" الذي جعل من "نص السلطة" هو الاطار التأسيسي للحدث أو للواقعة.

تتغير فاعلية السرد مع تغيّر حيوية السارد، ومع جدّة نظرته للتاريخ، وحيويته النقدية والفنية، في المقاربة والكشف، وحتى في المعالجة، إذ سيكون ذلك رهينًا بمدى خبرته ومهارته، في اجراءات فحص "الوثيقة" وفي تغذية السردي بإضاءات معرفية ونقدية، يتبدى فيها "المتخيل التاريخي" أو حتى "الرواية التاريخية" بتوصيف سعيد يقطين بوصفهما اجراءات قائمة على جهد المؤلف من جهة، وعلى موضوعيته ومهنيته، في الصياغة، وفي عدم الوقوع في "الكتابة الضد" كتابة "التحيّز" وعدم الاعتراف بالآخر، لأن الرواية بوصفها أكثر تجليات السرد حضورًا ترتبط بحيوية الاعتراف، وبمدى القدرة على جدّة "الحفر الثقافي" في الكشف عن ذلك "المقموع" وفي توسيع مديات النسق الثقافي، حيث يشتبك فيها الاجتماعي بالبعد السياسي، وبما يجعلهما جزءا من ظاهرة ثقافية قابلة الدرس الثقافي، في سياق حمولتها اللغوية والسيميائية، أو في سياق تمثيلها للخطاب الثقافي..

الرواية العراقية ليست بعيدة عن فكرة الخطاب، ولا عن الايديولوجيا ولا عن التاريخ، وعلى نحوٍ اخضعتها  الدراسات ما بعد الكولنيالية مثلا الى المقاربة النقدية، لرصد ما تكشفه من ظواهر الصراع الاجتماعي والسياسي/ الايديولوجي والطبقي، ولاشكالية المقموع في العلاقة مع الآخر، بوصف هذا الآخر جزءا من المتخيل السردي، مثلما هو جزء من المركزية والهيمنة، ومن المفاهيم التداولية للسلطة والتاريخ والخطاب، وباتجاه يجعل من صياغة العالم خاضعة الى سرديات ضاغطة تجعل من السرد نظيرا للتاريخ، ومن الهوية السردية اكثر تمثيلا للهوية التاريخية..

تاريخ العنف السياسي والثقافي هو الأكثر تمثّلًا لسرديات السلطة، إذ اخفت سردياتها كثيرًا من الوقائع، مثلما اخفت كثير من الضحايا، وكثيرًا من الصراعات، فما قرأناه في روايات "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف، و"الرجع البعيد" لفؤاد التكرلي، و"سيدات زحل" للطفية الدليمي وغيرها يكشف عن سيرة ذلك المقموع، وعن التمثيل الأضحوي للشخصيات السردية المتشظية، بين السجن والاغتصاب والقهر الجنسي، وباتجاه جعل منها جزءا من تاريخ العنف السياسي العراقي، فضلا عن كونها بدت عناصر فاعلة في تمثيل لعبة السرد، عبر حضورها في المخفي من التراجيديا العراقية، ومن رمزيتها في تمثيل نضال الشعب العراق، ومن حيوية  مخيلة السارد التي تفضح عما تخفيه السلطة ومؤسستها الايديولوجية، من خطابات تتخفى حمولاتها بين الرمزي المجازي، أو بين الواقعي والسيري، وكأن سردياتها تسعى لأن تكون بديلًا متعاليًا عن التاريخ،  وأن تجعل من حكاياتها واسفارها أكثر تمثيلا للقوة، والذاكرة والزمن السياسي، حتى بات الروائي الجديد امام خيارات معقدة، تتوزع بين رهاب الذاكرة، وبين اعادة قراءة التاريخ ذاته، وارادة تفكيك مهيمناته الصلبة، لمواجهة عقدة "نسيان الكينونة"، وشحوب الذاكرة، وتشظي الهوية، وهذا ما يجعل التحيز إلى الرواية الجديدة، نظيرا للتحيز إلى ارادة الكتابة الجديدة بالمفهوم الريكوري، إذ تتحول الكتابة إلى قوة وسلطة وشهادة، وإلى حاملة محتوى يملك وعيًا نقديا بتفكيك كثير من خزّان النصوص والوثائق والمرجعيات، وباتجاه تتجدد معه اليات الكتابة، وحتى "انسنة الايديولوجيا" إذ لا هروب من الايديولوجيا، ولا من الآخر، فكلاهما يتحولان الى وجود يتضاد ويتقاطع، لكنهما يحضران بوصفهما تمثيلا حيويًا للصراع الطبقي والثقافي الذي يتغذى عبر ما تُتيحه السرديات من حكايات تنسحب من التاريخ الى الحاضر، ومن المثيولوجيا والاساطير الى يومياتنا الشعبية.