ان التاريخ ينقل لنا بان السلطات القمعية تعبر عن حقيقة واحدة لا تتغير، بانها سلطة حاكمة مهما تعددت اوصافها ومسمياتها، لان كلما ازدادت خشيتها من فقدان السيطرة وبداية انهيارها، لجأت إلى أضعف الوسائل وأكثرها بساطة، المتمثلة بمصادرة الكتب وحظر الأفكار. وتعتقد هذه السلطات المستبدة بأنها عندما تجمع ارواق الكتب والصحف ومصادرة الروايات وإغلاق المطبوعات قادرة على محو المعرفة من ذاكرة الشعب، كما انها تتجاهل الجوهر الأهم للأفكار، بأنها لن تموت بقرار إداري ولا تحترق بالقرارات الأمنية،
والواقع التاريخي والأنظمة الرقابية تكشف دائماً عن (جهل هيكلي) في التعامل مع الإنتاج الفكري، حيث يتحول كل كتاب مصادر وكل فكرة ممنوعة إلى مطمح للجميع، ويصبح كل ممنوع مرغوب، فالرقابة لا تقتل الكتاب، بل تمنحه دعاية مجانية وتصنع منه رمزاً للحرية والتمرد، وفي عصر الفضاء المعرفي المفتوح والتدفق الرقمي للمعلومات، تصبح محاولات التضييق على حرية التعبير مجرد كوميديا سوداء تجسد العجز عن المواجهة الفكرية، وتؤكد ضعف الحجة لدى السلطة أمام قوة الكلمة،
ومن جهل السلطة في محاربة الفكر والكتاب، فإنها عند كل مصادرة لاي كتاب أو صحيفة او منع أي شخصً من التعبير عن رأيه، تزيد من فضول الجماهير وتشعل رغبتهم في البحث عنه وقراءته عبر الممرات الخلفية والوسائط الرقمية، مما يتسبب في نتائج عكسية لما خططت له الأجهزة الرقابية، وبذلك فانها تبني أوهاماً في عقول القائمين على الرقابة بأن السيطرة على وسائل النشر المادية تعني التحكم في طريقة تفكير الناس، في حين أن الفكر يتطور ويستمر من خلال الحوارات الشفاهية، والتداول الرقمي، والترجمة، وحتى الفن الساخر، فانه يمرر الأفكار الى الجمهور دون ان تتمكن السلطة من السيطرة عليه،
ولا يقتصر غباء السلطة على فشلها في قمع الجمهور فحسب، بل يحرمها من أهم أدوات بقائها؛ فهي بفرض الرقابة وتكميم الأفواه تصمّ آذانها بنفسها، وتحجب عن عيونها مصادر الأخبار الواقعية والاطلاع الحقيقي على أحوال المجتمع،
وتبقى تعيش في عزلة تبعدها عن الناس والجمهور، تحيط نفسها بتقارير التزويق والمداهنة، ومحاطة ببطانة لا تنقل لها إلا ما تحب أن تسمعه، فتصبح السلطة ممثلة بمن يتولاها، بعيدة عن النبض الفعلي للشارع وحجم الاحتقان المتراكم، الذي قد يولد الانفجار وقد لا يقف عند الاحتجاج،
كما ان السلطة بمصادرة الأفكار ومنعها فانها مثل الذي يغلق أذنيه كي لا يسمع صوت الحق والنقد البناء، وهي غير مدركة أن صوت الأفكار يبقى يرن في الأجواء، ويتعالى صداه في كل زاوية، ليصل إلى القلوب والعقول رغماً عن كل أجهزة التضييق، اما مصادرة الكتاب فهي ليست دليل قوة، بل شهادة إدانة واضحة تؤكد أن السلطة تفتقر إلى الحجة والرؤية البديلة لمواجهة الفكر بالفكر، فتستعيض عن ذلك بالبطش والإكراه. ويبقى الوهم مسيطر على عقول أصحاب النفوذ في السلطات بأن قمع حرية التعبير هو السبيل لضمان الاستقرار، دون ان يعلموا بان هذا الوهم ذاته الذي أسقط المئات من الأنظمة عبر التاريخ،
وفضلاً عن ذلك، فإن مصادرة الكتب والتضييق على حرية التعبير يمثلان الشاهد الأكبر على ضيق أفق السلطة وعجزها الأبدي أمام الكلمة الحرة، وان فعلها هذا يسلبها شرعيتها الدستورية والقانونية، حيث ان الدستور العراقي قد ألزم جميع السلطات باحترام حرية الرأي ونشر الثقافة. وتجسدت هذه الحماية في أحكام صريحة لا تقبل التأويل، حيث نصت المادة (38) من الدستور، بفقرتيها الأولى والثانية على أن تكفل الدولة (حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل)، و(حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر)، كما أوجبت المادة (35) على الدولة رعاية النشاطات والمؤسسات الثقافية، وحثت المادة (34/ ثالثاً) على تشجيع البحث العلمي ورعاية الإبداع والابتكار ومختلف مظاهر النبوغ. وبموجب هذه النصوص الدستورية الملزمة للجميع، فإن كل إجراء رقابي تعسفي يمنع كتاباً أو يقيد رأياً، يعد انتهاكاً صارخاً لها، وخروجاً للجهات الرقابية عن حدود مهامها، مما يفقد السلطة غطاءها الدستوري ويزرع القطيعة بينها وبين القواعد القانونية التي أُنِشت لحمايتها. فالأفكار تشبه الهواء، كلما حاولوا إحكام القبضة عليها لخنقها، تسربت من بين أصابعهم لتنتشر في كل مكان
ـــــــــــــــــ
*قاضٍ متقاعد