اخر الاخبار

لا تتمثل قيمة الذاكرة الثقافية في حفظ أسماء روادها حسب، بل في إعادة قراءة منجزهم العلمي كلما احتاج الحاضر إلى فهم الماضي بصورة أكثر وعيًا. فكثير من الأسماء تبقى حاضرة في الكتب، لكنها تغيب عن دائرة البحث والسؤال، وحين يغيب السؤال يتحول المنجز من معرفة حية إلى مادة محفوظة. ومن هنا تأتي أهمية كتاب (جوهرة بغداد: د. محسن جمال الدين وجهوده في دراسة الأدب الأندلسي) الصادر عن دار الشؤون الثقافية بغداد2026، لمحمود شاكر محمود، محاولةً لإعادة تسليط الضوء على هذه الشخصية العلمية، وتوثيق جهودها الأدبية والعلمية، وبيان مكانتها في مسيرة الدراسات الأندلسية..

هذا الكتاب لم يتعامل مع أعمال د. محسن جمال الدين بوصفها مجموعة من المؤلفات التي يمكن تعدادها، وإنما حاول الكشف عن الروابط التي تجمع بينها، واستخراج ملامح مشروعه العلمي. وهذه النقلة من مجرد عرض المنجز إلى تحليل دلالته تمثل قيمة حقيقية في البحث؛ لأن الباحث لا تُقاس أهميته بعدد عناوين كتبه، وإنما بما أضافه إلى المعرفة، وما فتحه من مجالات أمام الباحثين من بعده.

وقد اتسع اهتمام د. محسن جمال الدين بالأندلس، فلم يقتصر على الأدب والنصوص، بل شمل الأعلام والمصادر والمخطوطات والتاريخ الثقافي والعلاقات العلمية.

 ويكشف هذا التنوع عن رؤية تنظر إلى الأدب ضمن حركة حضارية أوسع، إذ لا يولد النص معزولًا عن بيئته، ولا تتشكل الثقافة داخل حدود جغرافية مغلقة، وإنما تنتقل الأفكار والكتب والمعارف مع حركة العلماء والرحالة والمثقفين. وتبرز في هذا السياق عنايته بالعلاقة العلمية والثقافية بين بغداد والأندلس، ولا سيما ما يتعلق بالبغداديين في الأندلس والأندلسيين في بغداد. فانتقال العالم أو الكتاب أو الفكرة من بيئة إلى أخرى لا يعني بالضرورة انتقال الأثر بصورة مباشرة؛ إذ إن المعرفة حين تصل إلى بيئة جديدة تدخل في ظروفها الخاصة، وقد تتغير وتتخذ صورًا مختلفة. ولذلك فإن إثبات التأثير يحتاج إلى دليل يتجاوز مجرد وجود الشخص أو التشابه بين النصوص، وهو مجال يمكن أن تواصل فيه الدراسات اللاحقة ما بدأه د. محسن جمال الدين.

وتكتسب تجربته العلمية أهمية خاصة من تكوينه في إسبانيا، وحصوله على الدكتوراه من جامعة برشلونة سنة 1958م عن أطروحته (وصف العرب للأندلس في القرون الوسطى) باللغة الإسبانية. ولا يمثل هذا الجانب مجرد تفصيل في سيرته، بل يساعد على فهم تكوينه العلمي وعلاقته بالمصادر الإسبانية، كما يكشف عن تجربة علمية جمعت بين التكوين العربي والخبرة الأكاديمية الإسبانية.

وتظهر أهمية قراءة المؤلف؛ فهو لا يورد هذه المعلومات بوصفها تفاصيل سيرية، وإنما يربطها بالمشروع العلمي ومنهجه واختياراته البحثية. كما أنه يتعامل مع أعمال د. محسن في ضوء الظروف العلمية التي أحاطت بها؛ فما كان الوصول إليه من مصادر ومخطوطات في زمن الرواد يتطلب وقتًا وجهدًا ورحلات ومراسلات، بينما أصبح كثير منه متاحًا للباحث اليوم بسهولة أكبر. ومن ثم فإن الإنصاف العلمي يقتضي فهم العمل في سياقه التاريخي، مع الاحتفاظ بحق النقد وبيان حدوده وإمكاناته.

تتجلى قيمة (جوهرة بغداد) في هذا التوازن بين التقدير والنقد. فالدراسة العلمية الرصينة لا تقوم على المديح وحده، كما أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى غاية تلغي فضل الباحث ومنجزه.

كان المؤلف وهو يقدم تجربة د. محسن جمال الدين بخبرة علمية، من غير أن يغلق الباب أمام المراجعة وإعادة النظر والإضافة.

وبذلك لا يكون (جوهرة بغداد) مجرد كتاب يستعيد اسمًا من الذاكرة، بل محاولة لإعادة منجز إلى التداول العلمي، وإبراز إسهامه في خدمة الدراسات الأندلسية ومصادرها وأعلامها وصلاتها بالمشرق.

ـــــــــــــــــــــــــــ

*أستاذة الادب الاندلسي كلية الاداب- الجامعة المستنصرية/ بغداد