يمثل شمران الياسري علامة من علامات السرد العراقي بوصفه رائد الرواية العراقية الملتزمة من خلال رباعيته الخالدة التي جسد فيها تحولات وطبيعة الصراع الاجتماعي والطبقي والسياسي في العراق، وحملت عناوين ترميزية واحالية منتجة لمجمل الطروحات والرؤى التي تمحور حولها المعنى الكلي لهذا العمل الروائي الكبير: "الزناد، بلابوش دنيا، غنم الشيوخ، فلوس إحميد".
قدم الياسري ملحمة روائية حيث تعمق في اعماق الواقع الاجتماعي وعلى مدى عقود وحتى انبثاق ثورة 14 تموز 1958، ورصد تحولات الصراع الطبقي والفكري بين اكثر من بيئة، ولم تكن الرواية بتأطير ريفي وفلاحي كما فهمها بعض الدارسين، بل كانت فضاءً بانورامياً للعلاقة بين الريف والمدينة والانسان والعمل والتقاليد الموروثة والتطلع والاستغلال وصراع القيم بين الاجيال، وعناوين الرباعية تقدم دلالات رمزية وايحائية عن طريق محمولات هذه العتبة بوصفها المفتاح التأويلي الذي يمهد للعمل وتفاصيله واحداثه وتداعياته.
وقد عُرِفَ الراحل الياسري بتعدد ملكاته وهو يحمل في ذهنه المتوقد عوالم الريف العراقي واشكاليات الصراع والتناقضات التي هيمنت عليه، وانعكاس التطورات والاحداث السياسية وتأثيرها في الشخصية ودور الوعي في تشكيل الذات الرافضة والمتطلعة..
ومن جماليات الرباعية انها وان انطلقت من عقل ورؤية يسارية، ولم تكن رواية تتسم بالمباشرة والنزعة التعبوية، بل راهن الياسري على جماليات وتقنيات السرد ووظف الذاكرة الشعبية والخزين الاجتماعي وحوّله الى موتيفات سردية تمزج بين الحقيقة والزيف والمفارقة والصراع القيمي ووظف تقنية الحوار الممتع والكاشف، وكشف عن زيف القوى المستغلة والتأسيس لمرحلة الاقطاع المتحالف مع الاحتلال الانكليزي.
لم يأبه الياسري بتأسيس البطولة الزائفة والفردية، بل كانت منظومة الافكار المتقدمة والتقدمية هي جوهر العمل.
ولم تكن الرباعية التي اردفها بجزء خامس مأثرته الوحيدة والمتفردة، فلقد برع في ميدان كتابة المقال الصحفي بجمالية ومهنية جاذبة جعلت من عموده "بصراحة ابو گاطع" فضاء للكشف وتعرية الواقع بإسلوب البارودي الساخر وتحريض المتلقي على الوعي والرصد..
سيبقى الياسري رمزاً وعلامة فكرية خارقة وموقفاً في التزامه ومنطلقاته الانسانية في تاريخ الصحافة والادب العراقي.