اخر الاخبار

يضعنا الباحث حسين الهنداوي أمام توهجات لحظة المعرفة الفارقة، بوصفها خطابا ونظاما ثقافيا يتطلب الجدّة والحوار، والإرادة، إذ لا معرفة بدون إرادة ومسؤولية، وحتى من دون حرية تعطي لهذه المعرفة قوة التشكل والتدفق والتأثير، فما كتبه الهنداوي في كتاب "مئة عام من الفلسفة في العراق" يكشف عن فاعلية هذا التمثيل، ومدى نجاعة اختيار المساحة التي تتحرك فيها المعرفة، حيث تكون الفلسفة هي "البوصلة والحارس" وربما هي القوة والمنبر، والنشاط الذي يُسهم في إعادة صياغة هوية المكان والحركة، وكذلك في توجيه الخطاب الى جمهور يمكن أن يستخدم المعرفة في صناعة السؤال النقدي، أو في مواجهة عالم صاخب تحكمه الأسلحة والأسواق والشعبويات أكثر من الأفكار.. 

لم يعمد الهنداوي في كتابه الى تقديم عرض بانورامي عن مسار الفلسفة، ولا عن تحولاتها واهميتها فقط، بل أراد أن يدفع القارىء الى التعرف على علاقة البيئة العراقية بالفلسفة، في سياق وجودها التاريخي، أو في مجال وجودها ضمن فضاءات الدرس الأكاديمي، وحتى في مجال تنامي المعرفة النقدية، عبر التعريف برواد هذا الوجود، وعبر بيان مدى تأثرها بالفلسفات الأخرى في العالم، اغريقية ورومانية وفارسية أو غربية، وحتى بفلسفات أخرى لها مرجعيات شرقية عربية وإسلامية، لم تكن بعيدة عن الصراع التاريخي والثقافي بين التيارات المتعددة، لا سيما ما يخص أسماء مهمة مثل الكندي وابن سينا والفارابي والغزالي وصولا الى ابن رشد، حيث تحّول الخطاب البرهاني النقدي الى مجال اشكالي في الاجتهاد، وفي النظر الى الوجود واللغة والتأويل، وفي الجدال والاختلاف مع فلسفات أخرى جمعت بين "البيان والعرفان" أو بين الميتافزيقيا والغنوصيات وغيرها..

التيارات الفلسفية في العراق لم تكن بعيدة عن البيئة الثقافية، ولا عن الذاكرة التاريخية، ولا عن تيارات الفلسفة في العالم شرقا وغربا، وعلى نحوٍ اعطى لمنبرها قوة نقدية، استعادت معها المعرفة تاريخا فاعلا في الحضارات القديمة، وفي المدن القديمة، وفي المحافل التي كانت تنظر الى الفلسفة في سياق قدراتها في تحويل المعرفة أداة في العلم، وفي التوجيه والحكم، وفي التعرّف على حمولات الأفكار، ودورها في تحريك التاريخ، وفي الحضارات، لاسيما وأن العراق كان من أكثر البلدان احتفاءً بالدرس الفلسفي، لأن مدنه كانت هي الحواضن السياسية والثقافية، ولأن دواوينها كانت تحتفي بالسجال والجدل، مثلما كانت تحتفي أسواقها الثقافية بكثرةِ الوراقين والنُسّاخ، إذ اصطخبت فيها جدالات الأفكار حول القضايا الكلامية التي كانت تتبناها فرق كلامية ومذهبية ونحوية وفقهية متعددة، وظفها كثير من العلماء والنقاد في مجالات توسيع مساحات الدرس النقدي والمعرفي، وحتى التاريخي..

يأتي اهتمام الهنداوي بالفلسفة من منطلق مرجعياته المعرفية والتاريخية، وكذلك من جدّة رؤيته لأهمية الفلسفة في تغذية المجال النقدي، بوصفه منبرا لإشاعة الوعي، وخطابا للفحص والمراجعة والمساءلة، وهي قضايا تدخل في سياق بناء العمران كما سماه بن خلدون، فالفلسفة لا تعني التأويل والمنطق والعلم بأسرار اللغة فحسب، بل تُعنى كثيرا بنقد التاريخ، بما فيه تاريخ الميتافيزيقا التي فرضت انماطها وسلطتها على "العقل العربي" وعلى نحوٍ تحول فيه الخطاب الفلسفي الى خطاب إزاحة، وشك ومراجعة وكشف، تعاظمت مع اشتغالاته العقلانية النقدية، وقيم التمدّن والتحضّر، وفضاءات انتاج الأفكار وتداولها، حيث برزت أهميتها من خلال تنامي قيم الاجتماع الثقافي والمعرفي والقانوني فيها، وحيث تحول "المفهوم الفلسفي الى عنصر فاعل في تغذية أدوات الجهاز النقدي..

كتاب الهنداوي عن "الفلسفة العراقية" اكتسب أهمية كبير، لشموليته وعلميته، ولأنه ضمَّ فصولا شارحة، سعت الى التعريف بتاريخها، والتعريف بمسيرتها، وريادة أساتذة الدرس الفلسفي الأوائل، فضلا عمّا اتاحته من مجالات للمراجعة، ولكل ما من شأنه أن يضعنا إزاء تاريخها، واهميتها في الحياة الثقافية، وكذلك إزاء تنامي مساراتها، على مستوى اهتمامها بالدرس الفلسفي اكاديميا وثقافيا، وعلى مستوى ابراز علاقتها بتاريخ الحضارات العراقية التي حفلت بها مدنها بالتنوع الثقافي، وبفرقها وجماعاتها الثقافية..