في الليلِ
تجدُ العراقيَّ
يستمعُ إلى سوريّة حسين
ويبكي
العراقيُّ الذي أعني
ابنُ كلِّ هذهِ المحن
الذي كلَّما ابتسم
اعتذرَ لدمعةٍ
تنتظرُ دورَها
العراقيُّ
الذي تجدُ صورتَهُ
على الطرقِ السريعة
على أعمدةِ الكهرباء
وقد كُتبَ فوقَها
المجاهد
وحين يمرُّ العابرُ
يقول: حرامات
ثم يمضي
وقد لمحَ بياضَ الصورة
والملامحَ
التي كانت تحبُّ الحياة
وتؤمنُ أنَّ الغدَ
سيصلُ يومًا
لماذا علينا
نحنُ العراقيين
أن نستمعَ إلى سوريّة حسين
وهي تفركُ أرواحَنا
بالندم
ونصيحُ معها
عليمن يصب دمعي… ما سلاني
كأنَّ الأغنيةَ
لم تُكتبْ بصوتٍ
بل كُتبتْ
بدموعِ الأمهات
العراقيُّ
ابنُ قصبةٍ في الهور
وابنُ نخلةٍ
تعدُّ شهداءَها
أكثرَ ممّا تعدُّ تمرَها
ابنُ امرأةٍ
تنامُ آخرَ الليل
وهي تنوحُ
على طارشٍ
لم يُخبرها
بما يحدثُ في البلاد
وفي الصباح
تفتحُ البابَ
للريح
وتسألُ ساعي البريد
هل أخطأ الموتُ
هذا العنوانَ
هذه المرّة
العراقيُّ
لا يخافُ الموت
فقد صافحهُ
مرّاتٍ كثيرة
لكنَّه يخافُ
أن يعودَ إلى بيتِه
ولا يجدُ صوتَ أمِّه
أو رائحةَ الخبز
أو ضحكةَ طفلٍ
كانت تؤجِّلُ الخراب
في العراق
حتى الأشجارُ
تعرفُ أسماءَ الغائبين
والأنهارُ
تحفظُ وجوهَ الجنود
والجسورُ
ترتجفُ
كلَّما عبرتْها
ذاكرةٌ قديمة
ولهذا
حين نبكي
لا نبكي وحدَنا
يبكي معنا
النخلُ
والفرات
دجلة
والقصبُ
والمآذنُ
وأجراسُ الكنائس
والبيوتُ
التي نسيتْ
كيف تُغلقُ أبوابَها
بعد رحيلِ أصحابِها
العراقيُّ
ليس بطلًا
كما يكتبونَ في الخطب
ولا قديسًا
كما تُحبُّ الصور
إنَّه رجلٌ
يريدُ فقط
أن يعودَ مساءً
وفي يدهِ خبزٌ
وفي قلبِه
طمأنينةٌ صغيرة
تكفي
لينامَ
من دونِ أن يحلمَ
بالحرب
ولهذا
سيظلُّ العراقيُّ
كلَّما سمعَ سوريّةَ حسين
يُخفضُ رأسَهُ قليلًا
لا لأنَّ الأغنيةَ حزينة
بل لأنَّ العراقَ كلَّه
يمرُّ من حنجرتِها
وحينَ تسكتُ سوريّةُ حسين
نسمعُ العراقَ
يُكملُ الأغنيةَ
وحده