حين يُطرح السؤال: لماذا يبني الحزب الشيوعي العراقي مقراً جديداً؟ فإن الإجابة لا تتعلق بالإسمنت والحديد والجدران، بل تتعلق بتاريخ وطن، وذاكرة نضال، وحقٍ طبيعي لحزبٍ عريق ظلّ على مدى أكثر من تسعة عقود جزءاً من الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في العراق.
فليس من المعقول أن تمتلك أحزابٌ لم يمض على تأسيس بعضها سوى سنوات قليلة، قصوراً ومجمعاتٍ وعقاراتٍ واسعة، بينما يبقى الحزب الشيوعي العراقي، الذي تأسس عام 1934، يسعى لبناء بيتٍ يجمع أبناءه وأصدقاءه ومحبيه، بيت للفكر، قبل أن يكون بيتاً للحزب!
المقر ليس مجرد بناية إدارية أو قاعة اجتماعات. إنه فضاء للحوار الوطني، ومنبر للفكر الديمقراطي، وبيتٌ للثقافة والفنون، ومكتبة للأجيال، ومكانٌ يلتقي فيه المثقف مع العامل، والطالب مع الفنان، والمرأة مع الناشط المدني، مكان يحتضن الشبيبة ويوفر كل المستلزمات التي تمكنهم من الإبداع.
إنه بيتٌ يفتح أبوابه لكل العراقيين المؤمنين بالدولة المدنية والعدالة الاجتماعية والتعددية. ولهذا اختار الحزب شعاره الجميل: "بيت الشيوعيين.. بيت العراقيين".
تاريخ من المصادرة والحرمان..
لم يبدأ الحزب مشروعه لأنه يريد امتيازاً جديداً، بل لأنه يسعى لاستعادة جزءٍ مما سُلب منه. فعلى مدى عقود، خاصة في ظل النظام السابق، تعرض الحزب الشيوعي العراقي إلى واحدة من أوسع حملات المصادرة السياسية في تاريخ العراق.
صودرت مقراته المركزية والمحلية في بغداد والمحافظات، واستولت السلطة على مطابعه، وأغلقت مراكزه الثقافية، وصودرت دورٌ وعقارات كانت مملوكة له أو مخصصة لنشاطاته التنظيمية والثقافية.
ولم تكن المصادرة عقوبةً على ممتلكات، بل محاولةً لمحو الوجود السياسي والفكري للحزب وإسكات صوته.
ورغم سقوط النظام عام 2003، لم تُستعد معظم تلك الأملاك، رغم مناشدة الحزب ومطالبته بالوثائق الحكومات المتعاقبة في استرجاع حقه من املاك ومبان كان يمتلكها، وما زالت الوعود منسية داخل أدراج الدولة والمحاكم.
وبقي الحزب يعتمد على إمكاناته الذاتية وتبرعات أعضائه وأصدقائه لمواصلة نشاطه.
لماذا يصر الحزب على بناء مقره؟
لأن الاستقلال السياسي يحتاج إلى استقلال مادي. ولأن الحزب الذي لا يعتمد على المال السياسي ولا على الدعم الخارجي، لا يملك سوى إرادة أعضائه ومحبة جماهيره وأصدقائه، ولأن هذا المقر سيكون استثماراً للأجيال القادمة، لا لمجموعة من الأشخاص او رفاق، سيكون مكاناً للمؤتمرات والندوات الفكرية، وللأنشطة الثقافية والفنية، ولورش الشباب، وللعمل المدني، ولإحياء التراث الوطني الديمقراطي. وسيكون شاهداً على أن العراقيين يستطيعون بناء مؤسساتهم بأيديهم، بعيداً عن الفساد والمحاصصة والامتيازات.
مسؤولية جماعية
إن المساهمة في بناء هذا البيت ليست تبرعاً لحزب فحسب، إنها مساهمة في بناء فضاءٍ ديمقراطي حر، يحافظ على ذاكرة وطن، ويمنح الأجيال القادمة مكاناً يجتمع فيه الفكر والثقافة والإبداع.
قد تكون مساهمتك كبيرة أو صغيرة، لكنها ستتحول إلى حجرٍ في هذا البناء، وإلى صفحةٍ في تاريخه. فالمباني الكبيرة لا تُشيَّد بتبرعٍ واحد، إنما تتكوّن من آلاف المساهمات الصادقة.
كلمة أخيرة:
سيأتي يوم يقف فيه العراقيون أمام هذا الصرح، فلا يرون مجرد جدرانٍ من الخرسانة، بل يرون تاريخاً لم ينكسر، ونضالاً لم يتوقف، وإرادةً انتصرت على المصادرة والحرمان.
سيقرأ الآباء: لقد ساهم آلاف العراقيين في بناء هذا البيت.
فهنا لم تُبنَ بناية فقط.. هنا بُنيت ذاكرة وطن..
ساهموا اليوم.. ليبقى للحوار بيت، وللثقافة منبر، وللديمقراطية عنوان، وللعراقيين جميعاً بيتٌ يجمعهم.