برزت شخصية بكر صدقي بين أوساط الجيش العراقي والشعب، بعد الانتصارات التي أحرزها في قمع حركة الآثوريين عام 1933م، وحركات الفرات الأوسط (1935-1936م) في عهد وزارة ياسين الهاشمي الثانية، اذ أسهمت تلك الانتصارات في رفع منزلة بكر صدقي بين زملائه من ضباط الجيش وإلى تقرب السياسيين منه.
كان بكر صدقي يمتلك ثقافة عسكرية واسعة، وشخصية قوية، وكانت له توجهات انفصالية نابعة من خلال إيمانه بإنشاء دولة كردية في شمال العراق، واتضح ذلك من خلال ما كان يروجه من أفكار انفصالية بين أنصاره ومقاومته للأفكار القومية، اذ كان معادياً للتيار القومي واتضح تعصبه للقضية الكردية منذ تزعمه للحركة الكردية مع زميله توفيق وهبي، أحد أعوانه المؤيدين لتوجهاته الانفصالية.
وقد تأثر بكر صدقي بتجربة اتاتورك في تركيا، وما حققته تلك التجربة من مكاسب على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وشاطره في ذلك كتلة من ضباط الجيش المعادين للتوجهات القومية، والسياسيين البرجوازيين، والليبراليين والديمقراطيين. وجماعة الأهالي، مما عزز العلاقة بين بكر صدقي وتلك الفئات المؤيدة له.
غادر رئيس أركان الجيش طه الهاشمي بغداد يوم 29 تموز 1936م بمهمة رسمية تتعلق بتسليح الجيش العراقي، وإجراء مباحثات مع الشركات الأجنبية في بريطانيا وألمانيا وجيكوسلوفاكيا لإنشاء معمل لعتاد المدافع في العراق، وأناب عنه عبد اللطيف نوري لتولي منصب رئيس أركان الجيش فيما تولى بكر صدقي منصب وكيل رئيس أركان الجيش يوم 10 تشرين الأول 1936م.
زار طه الهاشمي تركيا لحضور استعراض للجيش التركي والتقى بالزعماء الأتراك كل من مصطفى كمال اتاتورك وعصمت اينينو، وقدم التهاني لهم قبل يوم واحد من الاستعراض الذي أقيم يوم 29 تشرين الأول 1936م.
انتهز بكر صدقي تواجد طه ياسين الهاشمي في تركيا، واستطاع الحصول على تأييد ومساندة قائد الفرقة الأولى في ديالى عبد اللطيف نوري، الذي كان احد أعضاء جماعة الأهالي، والمقدم الطيار محمد علي جواد، لغرض إسقاط حكومة ياسين الهاشمي الثانية وشاطره الرأي في ذلك حكمت سليمان، الذي كان على خلاف مع رئيس الحكومة ياسين الهاشمي، لتنتهي الأمور بقيام انقلاب 29 تشرين الأول 1936م.
شكلت الوزارة الجديدة برئاسة حكمت سليمان 29 تشرين الأول 1936م بعد الإطاحة بحكومة ياسين الهاشمي الثانية، وخضعت الوزارة، الجديدة ومنذ تشكيلها لأهواء بكر صدقي ورغباته، إذ كان هو صاحب القوة الحقيقية في الوزارة وألقت أهواؤه الخاصة بظلالها على السياسة التي انتهجتها حكومة حكمت سليمان واتضح ذلك من خلال ما يلي:
1- تحول شخصية بكر صدقي بعد مدة قصيرة من الانقلاب إلى شخصية دكتاتورية عسكرية ذات صبغة عنصرية، اذ قام باستبعاد الكثير من الضباط وموظفين الديوان الملكي، واستبدلهم بعناصر من الأكراد، واصبح يتدخل في عمل الوزارات، وفي أمور خارج اختصاصه، وقد وصلت نسبة الأكراد في المدارس العسكرية في بغداد اكثر من (70%) مما اثار حفيظة العراقيين العرب.
2- معاداته للتيار القومي العربي، اذ عمل على ازاحة جميع خصومه من خلال سلسلة الاغتيالات التي وقعت في عهد حكومة الانقلاب، ومعاداته للتنظيمات القومية في العراق مثل نادي المثنى.
3- التصرفات الشخصية لبكر صدقي وزواجه من غانية ألمانية، فضلاً عن تصرفات الضباط المحيطين به، إذ قاموا بإنفاق أموال طائلة لإقامة حفلات صاخبة في أماكن اللهو التي أحدثت فضائح عديدة بسبب تصرفاتهم تلك.
4- مناصبة بكر صدقي العداء لبريطانيا دون سبب مقنع، حين اتجه بكر صدقي للتقرب من ايطاليا، التي كانت بريطانيا تكن الكره لها، ومحاولته توسيع العلاقات مع المانيا على حساب العلاقات البريطانية – العراقية، فضلاً عن استياء بريطانيا من استخدام بكر صدقي للقوة المفرطة للقضاء على ثورة الآثوريين عام 1933.
5- تصرفات بكر صدقي وتدخله في عمل الوزارة فضلاً عن عدم الانسجام بين اعضاء الوزارة، مما أدى إلى حدوث الاستقالات الجماعية، وبداية الصدع في العلاقة بين حكمت سليمان وبكر صدقي.
6- التصريحات التي نسبت لبكر صدقي، حول وجود نية لدى الجيش العراقي لاحتلال الكويت، إذ قيل إن بكر صدقي حضر في أحد المجالس بصحبة آمر القوة الجوية محمد علي جواد، وحين كان الأخير فاقداً للوعي بسبب حالة السكر التي كان فيها، صرح ان بكر صدقي سيغادر العراق إلى تركيا، وفي الوقت نفسه ستزحف قوة عراقية بغيابه لاحتلال الكويت، وحين نقل ذلك التصريح إلى البريطانيين حول تطلعات بكر صدقي لإلحاق الكويت بالعراق، وانه كلف قادة الجيش بالتوجه نحو الكويت، وقد سبب ذلك استياءً كبيراً لدى البريطانيين.
ونتيجة لتلك السياسة التي انتهجها بكر صدقي وأعوانه تولدت حالة من السخط بين صفوف الجيش والشعب والفئات المثقفة، مما شجع الضباط القوميين على عقد العزم من أجل تغيير الأوضاع، من خلال عدة محاولات لاغتيال بكر صدقي، لكن لم يكتب لها النجاح، وكانت تلك المحاولات كالآتي:
أولاً :- محاولة اغتيال بكر صدقي في ليلة 28 أيار 1937م، حين ذهب لحضور حفلة أقيمت لولي عهد المملكة السعودية في قصر الزهور، إذ كان مقرراً اغتياله وهو في طريقه لحضور تلك الحفلة، لكن تردد بعض القائمين على تنفيذها حال دون تنفيذ تلك المحاولة.
ثانياً :- محاولة اغتياله في إحدى السهرات التي تقام في النادي العسكري، لكنها لم تنفذ لكثرة حراس بكر صدقي ويقظتهم.
ثالثاً :- محاولة اغتياله في بهو أمانة العاصمة، حين حضوره الحفلة التكريمية يوم 22 حزيران 1937م، التي أقيمت على شرف الضيفين رشدي اراس و جلال بايار وزيري الخارجية والصناعة التركيين، لكن العملية ألغيت، مخافة أن يصاب أحد الضيفين برصاصة طائشة، فتسوء العلاقة بين البلدين.
رابعاً :- محاولة الضباط القوميين : (نجيب الربيعي، محمود الدرة، وعبيد عبد الله المضايفي، ومزاحم ماهر الكنعاني)، اغتيال بكر صدقي في إحدى الأمسيات التي اعتاد الحضور اليها في قصر الملح على طريق بغداد، حين تناوله العشاء على مائدة الملك غازي، ويكون بكر صدقي بحالة سكر من جراء تنـاوله الكحول لكن المحاولة ألغيت خوفاً على حياة الملك غازي من رصاصة طائشة قد تؤدي إلى قتله.
وجهت الحكومة التركية دعوة إلى الحكومة العراقية لحضور مناورات للجيش التركي ابتدأً من يوم 18 اب 1938م، واستجابة لتلك الدعوة فوضت الحكومة العراقية وفداً برئاسة رئيس اركان الجيش بكر صدقي، وعضوية حسين فوزي، ونور الدين محمود، ومحمد رفيق عارف، لحضور تلك المناورات.
وجد الضباط القوميون الفرصة السانحة للقضاء على بكر صدقي، والخلاص من دكتاتوريته إذ بدأت المراسلات بين عدد من الضباط القوميين، الذين كانوا يكنون لبكر صدقي الكراهية والبغضاء، فقام المقدم محمد فهمي سعيد باتصالاته ومشاوراته مع اللواء محمد أمين العمري قائد المنطقة الشمالية، ومع العديد من ضباط الجيش ذوي الاتجاهات القومية وقد اتفق الجميع بالعمل للقضاء على بكر صدقي.
وقد وضعت خطة من قبل الضباط القوميين للتخلص من بكر صدقي أثناء سفره إلى تركيا وحين مروره بالموصل، إذ خطط الضباط القوميون لدعوته إلى حفل ساهر في نادي الضباط ليتم اغتياله أثناء الحفلة، وفي حالة عدم تلبية بكر صدقي لتلك الدعوة يتم إرسال سرية متجهة إلى منطقة تل كوجك
اليعربية حاليا) لمهاجمته قبل اجتيازه الحدود السورية – التركية.
وحين وصل بكر صدقي إلى الموصل يوم 11 آب 1937 م، وبرفقة قائد الفرقة الأولى اللواء حسين فوزي، وآمر القوة الجوية محمد علي جواد، تم استقبالهم من قبل آمر المنطقة الشمالية محمد أمين العمري، والمقدم محمد فهمي سعيد، وبعد تناول بكر صدقي الطعام اشتكى بكر صدقي من الحر الشديد، فأشار عليه محمد علي جواد بالذهاب إلى مطار الموصل العسكري.
وفي الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة من مساء يوم 11 آب 1937م تم اغتيال بكر صدقي وزميله محمد علي جواد آمر القوة الجوية أثناء تواجدهما في حديقة مطار الموصل العسكري، إذ تقدم احد الجنود نحو بكر صدقي وباغته بسرعة , وقد اخرج مسدساً من اسفل الإناء الذي كان يقدم عليه المرطبات، فصوب مسدسه نحو بكر صدقي فأصابت الرصاصة الأولى رأسه، ثم انفجرت الثانية فأصابت قلبه وصدره، فأردته قتيلاً، وقد حاول محمد علي جواد الوقوف حائلاً بين القاتل وبكر صدقي، لكنه هو الآخر قد فارق الحياة على يد نفس القاتل المذكور، وتمكن الضباط الذين كانوا بالمطار من الإمساك بالقاتل، واخذوا بضربه، وصرخ فيهم الجندي، مدعياً انه بريء من حادث القتل، وان الضابط محمود هندي هو من أتى به إلى المطار ليقوم بخدمة الضباط، بينما اختفى محمود هندي عن الأنظار.
وهنالك رأي أفاد أن العملية لم تنفذ بمسدس الجندي وحده، وإنما كان هناك أحد الضباط من ذوي الاتجاهات والميول القومية، وقد تدخل مفرغاً طلقات مسدسه صوب بكر صدقي، بعد ان لاحظ تخاذل الجندي وتباطؤه، ولم يذكر اسمه استجابة لطلب من أبنائه، رحمه الله واسكنه فسيح جناته.
وفي رواية أخرى أفادت قيام عبد العزيز ياملكي بإقناع محمد آمين العمري آمر منطقة الموصل للانضمام إليهم في عملية التخلص من بكر صدقي، وان عملية اغتيال بكر صدقي نفذت بإشراف محمد خورشيد أحد الضباط القوميين.
وقد يكون لكل من نوري السعيد وطه الهاشمي يد في عملية اغتيال بكر صدقي، ولاسيما أن نوري السعيد وبعد حدوث انقلاب عام 1936م، واستقراره في مصر خشية استهدافه من قبل بكر صدقي وأعوانه، اخذ يراقب تطورات الأحداث في بغداد ويتحين الفرص للقيام بعمل يستهدف حكومة الانقلاب، إذ حاول إقحام الملك السعودي عبد العزيز بن سعود في الموضوع، لكن الملك السعودي تفادى ذلك خشية إغضاب البريطانيين، ومما سيسيئ إلى العلاقة بين السعودية والعراق، فضلاً عن قيامه بعقد الاجتماعات المناهضة لحكومة الانقلاب.
أما بخصوص طه الهاشمي، فقد أشارت اكثر المصادر إلى مشاركته في عملية الاغتيال تلك، وانه من المخططين لقتل بكر صدقي، إذ كان على اتصال دائم بالضباط القوميين الذين نفذوا عملية القتل.
ومما يرجح ذلك الرأي قيام كتلة الضباط القوميين إرسال مبعوث إلى طه الهاشمي لأخباره بنية الكتلة بالقيام بحركة ضد بكر صدقي، لكنه رفض ذلك حفاظاً على وحدة الجيش وحرصاً على الوحدة الوطنية، وخشية حدوث حرب أهلية، مفضلاً العمل وفقخطة رشيدة) للقضاء على بكر صدقي.
وهنالك رأي آخر يدرج طه الهاشمي في تلك العملية، حين وردت رسالة مجفرة من الموصل إلى طه الهاشمي، بعد مقتل بكر صدقي وفيها عبارة ان المريض شفي، كما أشار ناجي شوكت في مذكراته عن دور طه الهاشمي واعتقاده بوجود علاقة له بقتل بكر صدقي، اذ انه حين قام بإخبار طه الهاشمي بخبر مقتل بكر صدقي، رأى علامات السرور على وجهه، لكنه اقتنع انه لم يكن هو أول من اخبره بذلك الخبر.
ترددت شائعة أخرى مفادها أن البريطانيين هم الذين قاموا بالتخلص من بكر صدقي، بسبب موقفهم السلبي منه على اثر موقفه من قضية الكويت الداعي إلى ضمها للعراق، وبأنهم قاموا باغتياله بأياد عراقية، وبتدبير احد ضباط الاستخبارات البريطانية.
كان لاغتيال بكر صدقي تداعيات كبيرة، إذ أصدرت السلطات المختصة امراً بتوقيف عدد من الضباط الذين كانت تحوم حولهم الشبهات , وكان من بين الموقوفين العقيد محمد فهمي سعيد والرئيس محمود هندي، لكن آمر منطقة الموصل محمد أمين العمري، رفض ارسالهم إلى بغداد، وطلب ان تكون محاكمتهم في الموصل، واعلن قطع علاقته ببغداد، فضلاً عن تشجيعه على العصيان العسكري الذي حدث في الموصل بعد ايام من اغتيال بكر صدقي، والذي حظي بتأييد كل الضباط العسكريين الذين طالبوا باستقالة حكومة حكمت سليمان، وتعزز ذلك الموقف حين حدث تذمر قطعات الجيش في معسكر الوشاش بقيادة سعيد التكريتي، مما اضطر حكومة حكمت سليمان في نهاية الأمر إلى تقديم استقالتها يوم 17 آب 1937م.
وبعد عملية اغتيال بكر صدقي برزت ظاهرتان أصبحتا تقليداً مألوفاً في الحياة السياسية العراقية الأولى – الانقلابات العسكرية لإسقاط الحكومة القائمة وتنصيب وزارة موالية للمجموعة القائمة بالانقلاب، والثانية – الاغتيالات السياسية وبروزها كظاهرة مألوفة هي الأخرى في الحياة السياسية العراقية، فضلاً عن ذلك برز الضباط القوميون والعقداء الأربعة كقوة رئيسة في الجيش.
كان لكتلة الضباط القوميين الدور الرئيس في عملية اغتيال بكر صدقي، ومحمد علي جواد يوم 11 اب 1937م، وبخاصة الضباط السبعة الكبار، الذين أدوا دوراً مهماً في عملية المبادرة والتخطيط لتلك العملية، التي أثارت جدلاً كبيراً كإحدى أهم الاغتيالات السياسية قبل قضية مقتل الملك غازي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* دكتوراه تاريخ حديث ومعاصر