اخر الاخبار

قبل سبعة أعوام، هزَّ آلاف من النساء والرجال، ممن عيل صبرهم، العاصمةَ بغدادَ بزلزال عارم، ثم تلته توابع أخرى في المحافظات، لا تقل عنه قوة. حينها استيقظ سيد المنطقة الخضراء من نومته، فهبَّ واقفًا كـ (مخبل وبيده فاله)، كما يقول مثلنا العراقي الساخر، وبدأ يضرب الناس بدون سؤال أو تفكير (عامي شامي)، فمن أين بدأت الحكاية؟

بعد انتهاء العهد السابق عام 2003، بدأت سلطة جديدة تمثل شرائح البرجوازية والطفيلية والكمبرادورية المرتبطة مع القوى الأجنبية والإقليمية ومصالح الرأسمالية الخارجية، كما شخصها الحزب الشيوعي العراقي. ورغم ارتداء هذه السلطة اللباس الديمقراطي، ووعدها الشعب العراقي بإطلاق الحريات والمنجزات، وتصفية خراب الدكتاتورية السابقة، كرست سياسة الفساد والنهب والمحاصصة والتمييز العرقي والطائفي، وضربت بعرض الحائط مصلحة الشعب والوطن وسيادته، وزادت من نسب الفقر والأمية والبطالة والأمراض وحيتان الفساد والرشى والاغتيالات والاختطاف والتغييب القسري، وسرّاق المال العام، وتردت الخدمات وارتفعت نسب التلوث، إذ لم يبقَ مرفق لم يمسّه الخراب.

وفي الأول من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019، بلغ السيل الزبى، وخرج المواطنون في مختلف المحافظات ينشدون العدالة، وهم يحملون سلاحًا واحدًا لا غير، ألا وهو العلم العراقي، وهويتهم الوطنية، وحناجر صادحة بالمطالب الحقة: (نريد وطن... نريد التغيير)، إذ كانت الانتفاضة زلزالًا كبيرًا، لو استمر لغيّر وجه العراق ثانية.

ولكن هذا الأمر لم يكن مقبولًا من قبل السلطات الحاكمة أو من يدعمهم من الخارج بميليشياته، وعُدَّ ذلك خطًا أحمر، ومن يتجاوزه عليه أن يدفع دمه، فكانت المجزرة، والقتل العلني على رؤوس الأشهاد، حيث كانت بنادق القمع تتوجه إلى صدور المنتفضين، ليس هذا فقط، بل أيضًا مطاردة المشاركين في الانتفاضة في الداخل أو من فرَّ خارج الوطن، وما زالت السلطات ترسل لأجهزتها في الخارج أسماء ممن شاركوا في الانتفاضة من أجل تعقّبهم.

ويُذكر أنه ترافق مع دموية القمع حملات التشهير والطعن بوطنية المنتفضين من قبل أبواق السلطة. وجرى دس عناصر مشبوهة بهدف الإساءة والتخريب.

والمضحك المبكي، ما زال البعض من رجال السلطة يفتخر بهذا القمع، معتبرًا ذلك إنجازًا في الحفاظ على النظام، وأنها حققت لزبانية النظام وجلاديهم وأسيادهم في الخارج ما يريدون، أي لا تستقيم أمور الفاسدين والعملاء إلا بقتل الأبرياء، في الوقت الذي يتم السكوت عن مسببي جريمة سبايكر ومن سهّل الأمر لدخول داعش وسقوط الموصل، ومن قتل الأبرياء على الهوية.

وإلى اليوم لم تجرِ محاسبة المجرمين عن قتل المئات وجرح الآلاف، وتشريد واختطاف العشرات. وتدّعي السلطات أن المجرم هو (طرف ثالث)، ولكن حتى في تنصلها الكاذب من ذلك، لم تتدخل في وقف المذبحة التي حصدت خيرة الشابات والشباب.

ولكي تكتمل صورة المشهد، تسعى القوى الحاكمة إلى (تأميم الحريات) من خلال تشريع قوانين جديدة للحد من الحريات العامة والشخصية، والتي يكمن خطرها في حالة إقرارها في اكتمال صورة الدكتاتورية المطلقة، وبث الروح في كل القوانين القمعية في العهد السابق، باسم الديمقراطية أو العملية السياسية الجديدة، أي بالشكل الكارتيري (قطع الرأس وإبقاء الصداع)

ويبدو أن مثال انتفاضة تشرين، للواهمين، أنه لن يتكرر، وكأن هذه الجبال من تراكم الظلم ونفايات الفساد، وسد مسامات الحياة، ستشيع اليأس والقنوط، والتفكير بلا جدوى من المقاومة، وأن الناس سيظلون يعيدون المثل الشنيع (اليد الماتكدر تلاويها بوسه)، وغيرها من أمثال واعظي السلطان ومحللي الفضائيات وقادة الصدفة الذين لا يقرأون ولا يكتبون.

إن المواجهة بين الشعب وأعدائه قد تحدث غدًا وربما بعد غد، وربما بعد سنوات، ولكنها ستأتي، بشكل وبآخر، وسيمضي الجلادون كما جاءوا، ويبقى الشعب، فهو حي لا يموت.