اخر الاخبار

لم تكن الانتفاضة التي انطلقت في الأول من تشرين الأول 2019، مجرد احتجاج شبابي على البطالة والفساد وسوء الخدمات، بل كانت تعبيرًا واسعًا عن أزمة اجتماعية واقتصادية عميقة، تراكمت آثارها على مدى سنوات من السياسات الحكومية المتعثرة، وتراجع القطاعات الإنتاجية، واستشراء المحاصصة والفساد. وفي قلب هذه الانتفاضة، حضر العمال بوصفهم إحدى الفئات الأكثر تضررًا من تلك السياسات، والأشد ارتباطًا بمطالب العدالة الاجتماعية والعمل الكريم والحماية الاقتصادية والاجتماعية.

خرج العمال إلى ساحات الاحتجاج جنبًا إلى جنب مع الطلبة والخريجين والعاطلين عن العمل، حاملين مطالب ترتبط مباشرة بواقعهم اليومي، من توفير فرص العمل والأجور العادلة إلى تحسين الخدمات الأساسية ومكافحة الفساد وبناء دولة تضمن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها. ولم تكن مشاركتهم منفصلة عن المعاناة التي عاشتها الطبقة العاملة في ظل تراجع الصناعة الوطنية، واتساع نطاق العمل غير المنظم، وغياب الحماية الاجتماعية عن أعداد كبيرة من العاملين.

إلى ساحات الاحتجاج

كانت البطالة، ولا سيما بين الشباب، من أبرز العوامل التي دفعت آلاف العراقيين إلى المشاركة في انتفاضة تشرين. فقد وجد كثير من خريجي الجامعات أنفسهم خارج سوق العمل، فيما اضطر آخرون إلى العمل في مهن شاقة وغير مستقرة، بأجور لا تتناسب مع متطلبات المعيشة، ومن دون ضمانات صحية أو اجتماعية.

ولم تقتصر معاناة العمال على العاطلين عن العمل، بل شملت العاملين في القطاع الخاص، وأصحاب الأعمال اليومية، والعاملين في المهن الهامشية، الذين واجهوا ظروفًا قاسية تمثلت في انخفاض الأجور وطول ساعات العمل وغياب الضمانات القانونية وضعف إجراءات السلامة المهنية. ومع تراجع فرص العمل المستقرة، أصبح تأمين لقمة العيش تحديًا يوميًا لشرائح واسعة من المجتمع.

وكشفت انتفاضة تشرين عن التناقض بين الثروات التي يمتلكها العراق، ولا سيما موارده النفطية، والواقع الاجتماعي الذي يعاني فيه المواطنون البطالة والفقر وتردي الخدمات. وبالنسبة إلى العمال، لم تكن المطالبة بالتغيير السياسي منفصلة عن المطالبة بالحق في العمل والأجر العادل والحياة الكريمة.

التضامن العمالي ودور النقابات

أعادت الانتفاضة إلى الواجهة أهمية التضامن بين فئات المجتمع المختلفة، وأظهرت أن المطالب العمالية لا يمكن فصلها عن المطالب العامة المتعلقة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد. فقد التقت معاناة العامل الذي لا يحصل على أجر يكفي أسرته مع معاناة الخريج الذي ينتظر فرصة عمل، والطالب الذي يواجه تراجعًا في مستوى التعليم، والمواطن الذي يفتقر إلى الخدمات الأساسية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه النقابات العمالية في تنظيم المطالب والدفاع عن الحقوق، وتحويل الاحتجاجات المتفرقة إلى عمل نقابي واجتماعي أكثر تنظيمًا وقدرة على الاستمرار والتأثير. فوجود تنظيمات نقابية مستقلة وديمقراطية يمثل ضرورة لحماية العمال من الاستغلال، وضمان حقوقهم في التعبير والتنظيم والإضراب وفقًا للقانون.

غير أن الحركة العمالية تواجه تحديات عدة، من بينها القيود المفروضة على حرية العمل النقابي، ولا سيما في القطاع الحكومي، حيث يتعرض العاملون، بحسب ما يُثار من شكاوى، لانتهاكات تمس حقوقهم القانونية والنقابية. ويجعل ذلك ضمان استقلالية التنظيمات النقابية وحمايتها من التدخلات الإدارية والسياسية ضرورة لتعزيز قدرتها على الدفاع عن مصالح العمال.

تشرين وأسئلة العدالة الاجتماعية

لم تكن انتفاضة تشرين مجرد لحظة احتجاجية عابرة، بل طرحت أسئلة جوهرية بشأن طبيعة الاقتصاد العراقي، ومستقبل الصناعة الوطنية، ومسؤولية الدولة عن توفير فرص العمل وضمان الحقوق الأساسية. وأعادت التأكيد على أن الثروة النفطية لا يمكن أن تكون معيارًا لقياس التنمية ما لم تنعكس آثارها على حياة المواطنين، وتوفر لهم فرصًا حقيقية للعمل والاستقرار.

ومن هنا، فإن استعادة الدور الاقتصادي للقطاع العام، وإعادة تأهيل المصانع المتوقفة، ودعم الإنتاج المحلي، وتطوير الزراعة والصناعة، تمثل خطوات ضرورية لمعالجة البطالة وتقليص الاعتماد على الريع وتنويع الاقتصاد. كما ينبغي أن تكون حماية العمال في القطاع الخاص، وتوسيع مظلة الضمان الاجتماعي، وضمان الحد الأدنى للأجور، ومحاسبة أصحاب العمل الذين ينتهكون حقوق العمال القانونية، في صلب أي مشروع جاد للإصلاح.

كذلك، لا يمكن الحديث عن إنصاف العمال من دون ضمان حرية التنظيم النقابي، وتمكينهم من الدفاع عن مصالحهم بعيدًا عن تدخلات القوى السياسية والإدارية. فالعامل الذي لا يمتلك القدرة على المطالبة بحقوقه، ولا يجد نقابة مستقلة تحميه، يبقى عرضة للاستغلال، حتى مع تغير الحكومات وتبدل الوعود.

لقد أكدت انتفاضة تشرين أن المطالب الاجتماعية والاقتصادية تشكل ركيزة أساسية للحراك الشعبي في البلاد، وأن العمال ليسوا مجرد متلقين لنتائج السياسات الحكومية، بل قوة اجتماعية قادرة على الإسهام في صياغة مستقبل العراق.

وأخيرًا، فإن الوفاء لمطالب انتفاضة تشرين لا يتحقق باستذكار شهدائها وشعاراتها وحدها، بل بتحويل أهدافها إلى حقوق ملموسة: عمل كريم، وأجر عادل، وضمان اجتماعي، وحرية نقابية، واقتصاد منتج. فما دامت هذه المطالب معلقة، ستظل الأسباب التي دفعت العراقيين إلى الاحتجاج قائمة، وستبقى العدالة الاجتماعية هدفًا لم تحققه الحكومات المتعاقبة.