مرت في الخامس عشر من تشرين الاول الجاري الذكرى السنوية الثلاثون على رحيل القائد الشيوعي البارز توما توماس ابن مدينة ألقوش البار وأحد قادة الحزب الشيوعي العراقي في المجالين الحزبي والعسكري..وفي المجال الجماهيري.
في النصف الثاني من تشرين الثاني عام 1979 حينما عزمت على السفر مع عدد من رفاقي متوجهاً إلى كردستان للالتحاق بفصائل الانصار الشيوعيين في قاعدة بهدينان..أقامت لنا منظمة حزبنا في لبنان حفلة بالمناسبة القيت فيها القصائد وكلمات معبرة عن الكفاح المسلح في ربوع الوطن، لفت انتباهي ما ورد في قصيدة أحدهم من ذكر لاسم الرفيق الراحل توما توماس ومما قاله..( ابشر يا توما توماس جيناك...!)..
نظرت إلى الرفيق الذي كان يجلس بقربي وقلت له..عن من يتكلم...! ومنو هذا الذي ذكره..!! فرد علي أنه الرفيق المسؤول في كردستان والذي سوف تلتقون به هناك وتتعرفون عليه..! ظل اسمه في بالي وحينما وصلت لم التق به لأنه كان في قاعدة أخرى ورحب بنا الرفيق الفقيد أبو وليد او أبو ازدهار اي ملازم أحمد الجبوري الذي كان يشغل مهمة المسؤول العسكري للقاعدة ثم في السنة التالية جاء اليها الرفيق الراحل أبو جوزيف ليحل مكانه ولفت نظري قامته الفارعة وهدوؤه ونظرته لكافة الرفاق بعين فاحصة وكأنه يريد ان يحفظ تقاسيم وجوههم وقيافتهم ولفت نظري طريقة الجمداني التي يلف بها رأسه حيث أنه كان يستخدم غترة او يشماغ ويربط اثنين منه وليس واحدا وكان لونه مائل للسواد لأنه يحتوي على دوائر منقطة كبيرة بالأسود وسمعت من بعض الرفاق ان هذا ما كان يلبسه المسيحيون في المنطقة، ثم صار يتعرف علينا نحن المتواجدين في القاعدة، وحينما يضع المسؤوليات لا يفرق بين رفيق وآخر على اي أساس ديني او قومي او غير ذلك لكنه كان يعرف الرفاق الكوادر الذين ينحدرون من الموصل لأنه كان يقود المحلية سابقاً فقد ركز اهتمامه على إيلائهم مسؤوليات عسكرية على الخصوص كأمراء سرايا او فصائل ونجح في ذلك وكانوا من أفضل الرفاق القياديين. فمن هو القائد العسكري لقاعدة بهدينان تلك الفترة الزمنية ومنذ عام 1980 وما تلاها ! إنه توما صادق شمو توماس الذي ولد في يوم 17 ديسمبر عام 1924 في القوش ولأنه مولود في الايام الاخيرة من سنة 1924 لذلك يتم ذكر مولده على اساس انه في عام 1925..وفي عام 1946 في الخامس من ايار وكان حينها في بداية العشرينيات من حياته تزوج من رفيقة دربه الماس أم جوزيف التي انجبت له بنتين وخمسة أبناء..هم كل من منى وماريا وجوزيف وسمير اي حكمت وصلاح وسردار والشهيد منير الذي اختطف عام 1981 وتمت تصفيته على يد أجهزة النظام المقبور. كانت حياة الفقيد أبو جوزيف كلها كدحا وتعبا وارهاقا لكنه كان قوي العزيمة يكافح دون هوادة ومنذ طفولته بدأ يتعلم في المدارس في القوش التي أكمل فيها مرحلة الابتدائية ولكنه أكمل الثانوية في الموصل، ثم في عام 1941 صار ضابطاً في جيش الليفي التابع لبريطانيا حينما جاء نفر منهم إلى القوش يطلبون تطوع ابنائها فطلب منه والده الانضمام اليهم وهذا ما فعله إلى عام 1948 حيث تم حل جيش الليفي وتحول للجيش العراقي وبقي فيه برتبة ملازم ثاني في معسكر الشيخ سعد ثم استقال من الجيش لشعوره الوطني ولإدراكه بأن البريطانيين يميزون بين ضباطهم والضباط العراقيين..ثم عمل في كركوك بمجال شركة النفط وكان أحد النشطاء في نقابة نفط كركوك. وفي اواخر الخمسينيات انضم لصفوف الحزب الشيوعي العراقي من خلال احتكاكه بعمال شركة نفط كركوك..وفي اوائل الستينيات اشتدت الحملات ضد العمال فعاد الراحل أبو جوزيف إلى القوش وبنى فيها معملاً للثلج وحقلاً للدواجن..لكن الحالة هذه لم تستمر طويلاً ففي عام 1963 حصل انقلاب 8 شباط الدموي فالتحق فوراً بالحركة الكردية للأنصار حيث صارت للشيوعيين قاعدة ثابته في بيرموس وأصبح الفقيد أبو جوزيف قائداً عسكرياً بارزاً فيها. وخلال هذه الحقبة السياسية والتي مرت على العراق ، تعرضت عائلته إلى الطرد من البيت الذي أحرقت أثاثه وممتلكات العائلة وجرى تهديدهم بالاغتيالات..وطيلة حياته كان الفقيد أبو جوزيف ملتصقاً بحزبه الشيوعي وكان يتمتع بالشجاعة والاخلاص للحزب ورفاقه ولم يهادن أحد. وخلال سنوات حياته المفعمة بالنضال بصفوف حزبه فقد كان أحد الحضور البارزين لمؤتمرات الحزب الثاني والثالث والرابع والخامس وأصبح عضو لجنة مركزية في المؤتمر الثالث عام 1976 لكنه في المؤتمر الخامس المنعقد في كردستان عام 1993 لم يرشح نفسه كما فعلها آخرون مثله لإفساح المجال لرفاق شباب بدلهم وأعتقد انه لو رشح نفسه في هذا المؤتمر لحالفه الفوز بالتأكيد لما يتمتع به من خصال ثورية شيوعية حقيقية ومن حب الرفاق له، ومع هذا فأنه بقي على صلة وثيقة بالحزب ورفاقه وكان قريباً جداً إلى قلوبهم وخاصة الانصار الذين لم يرفع صوته عليهم في اي يوم من الأيام، بل كان يتكلم معهم بهدوء وروية وكأنه يتفاهم مع افراد عائلته فكانوا يحترموه بشكل كبير ويتقيدون بقراراته وارشاداته الصحيحة لعملهم في الحاضر والمستقبل..إنه شيوعي أصيل ومن طراز خاص..كان يسهر على راحة الرفاق وحينما تعود المفرزة القتالية إلى مقر القاعدة تراه يهرع لملاقاتهم والاطمئنان عليهم وعلى عملهم الانصاري في تلك المفرزة ويسألهم عن أحوال سكان القرى..في إحدى المرات كنت مع عدد من رفاقي عائدين إلى المقر والتقى بنا الرفيق الفقيد أبو جوزيف وكانت الابتسامة الجميلة مشرقة على محياه..والاسئلة تمطر علينا ثم صافحني وقال ضاحكاً..( شنو هذي إيدك بعدها ناعمة كأنها ايد بنت..!! ) وضحكنا معه وقلت له..( رفيق سوف تخشن وتصبح قوية وصلبة بالنضال..! والايام القادمة ستشهد على ذلك...! ) ضحك وكان يريد المداعبة وليس الإهانة..ثم صافح الباقين وكل واحد منهم يسمع منه كلمة حلوة لترطيب الجو خاصة وهو يدرك المتاعب والمخاطر التي كنا مررنا بها في الايام السابقة..وفي بداية التحاق الفقيد أبو جوزيف بقوات الانصار شكل أول مكتب لقوة الحزب العسكرية وكان هو آمراً لها بينما صار الفقيد فاتح رسول مسؤولاً سياسياً وعبد الرحمن القصاب مسؤولاً إدارياً، وفي قاعدة بهدينان عمل معه كمستشار سياسي الفقيد سليم إسماعيل أبو يوسف.. كانت نضرة الرفيق أبو جوزيف للمستقبل ثاقبة ويتعامل مع الأحداث بفطنة فحينما كان بعض الرفاق يتذمرون من قلة وجود الاسلحة لديهم او من ضعف التموين او من شحة الملابس الكردية وغيرها بالوقت الذي صار يتدفق فيه الكثير من الأنصار على القاعدة. كان الفقيد أبو جوزيف يطمئنهم بكلمات هادئة واثقة بالقول..( لا تقلقوا يا رفاق عن قلّة ما عندنا الآن..نحن في بدايات حركة الانصار وهي ككل حركة عندما تكون مع الحق سيأتيها السلاح..وأضاف إننا سنتسلح من الغنائم التي سوف نحصل عليها من العدو الذي سيفر من أرض المعركة ويتركها لصعوبة مقاومته لنا...! ) كان الفقيد أبو جوزيف شعلة من الحماس والشجاعة النادرة وبهدوئه المعروف يستطيع تهدئة بعض المخاوف التي تبرز أحياناً لدى بعض الانصار لكنهم كانوا يقتنعون بكلامه وأحاديثه الصادقة والشيقة فتتقوى عزائمهم، كان طلبة القوش من النشطاء الحزبيين يدعوه...(أسد القوش).
في الفترة التي سبقت وفاته فجر الخامس عشر من تشرين الاول عام 1996 اي قبل ثلاثين عاماً كانت قيادة الحزب قد سلمته مسؤولية في القامشلي السورية وهي ان يكون مسؤولاً عن العلاقات السياسية في المدينة وتم تعيين الرفيق حيدر حنفي اي حسن ناجي الذي كان حينها عضواً في اللجنة المركزية للحزب ، مسؤولاً عن مكتب القامشلي الحزبي فكان كثيراً ما يلتقي بالفقيد أبو جوزيف على الرغم من أنه اي أبو جوزيف كان يعيش في مسكن ابنه سمير والذي كان يسمى حكمت..ومنها لقاؤه به آخر ليلة وآخر ساعات قبل وفاته وكان حينها بكامل صحته وقيافته ولم يشكو من ألم لكنه كان يعتزم العودة السريعة إلى كردستان لمواصلة عمله العسكري هناك او اية مهمة تناط به.
واستعدادا للسفر الى أمريكا الذي لم يكن راغبه فيه، وعند الفجر بالوقت الذي كان قد حجز مقعده في السيارة الذاهبة إلى دمشق عند الساعة التاسعة صباحاً لكنه لم يصل اليها لوفاته فجر نفس اليوم كما ذكر هنا حيدر حنفي عن ساعاته الاخيرة بالشكل التالي (في الخامسة والنصف من فجر اليوم التالي، 15 تشرين الأول، كنا نغط في نومنا داخل غرف مكتب الحزب، أبو افكار وأنا، حين سمعنا طرقات شديدة على باب المكتب، عند خروجنا وجدنا رفيقنا وصديقنا السوري "أبو النور" يقف مرتبكا ومرعوبا "أبو جوزيف يشكو من رأسه، على الغالب انفجار في الدماغ او جلطة، اما تدركوه او لا تلحقوا عليه!!"... تراكضنا لنغير ملابسنا ونأخذ سيارة المكتب لنقله إلى المستشفى. حين وصلنا كان قد ودع الحياة. ! اسرعت إلى غرفته غير مصدق، كان ممددا على سريره والراديو الصغير قرب وسادته... لحظتها لم أتمالك نفسي. هزتني الفاجعة، أن يموت الرجل الذي كان قبل ساعات بكامل صحته وقوته ونشاطه، لا يشكو شيئا من صحته أو بدنه.) وحول زيارة أمريكا فقد زارها الرفيق الراحل أبو جوزيف في 5 تموز عام 1994 وبقي فيها إلى 20 ايلول التقى هناك ابنه الأكبر الفقيد جوزيف وعائلته والجالية العراقية من المسيحيين وغيرهم الذين التفوا حوله واحاطوه بالرعاية والاحترام وعاش بينهم كأبن بار لشعبه وحزبه وكان وضعه الصحي جيد جداً.. وحينما توفي الرفيق أبو جوزيف تم دفنه بمقبرة الكلدان في دهوك وبعد سقوط النظام في 2003 فكر الرفاق بنقل رفاته ورفات زوجته الراحلة ام جوزيف والتي ماتت ودفنت في الشام إلى مقبرة القوش وهذا ما تم في يوم 22 تشرين اول عام 2010 في حفل جنائزي واسع حضره سكرتير الحزب الشيوعي السابق الراحل حميد موسى والذي القى فيه كلمة أشاد فيها بخصال الرفيق أبو جوزيف، وكذلك شارك الشيوعيون الكردستانيون وعدد من كوادر وقادة الحزب الديمقراطي الكردستاني وافراد عائلة الفقيدين أبو وام جوزيف والقى ابنه الاصغر الراحل صلاح كلمة العائلة بالمناسبة..عادت رفات الراحلين أبو جوزيف وأم جوزيف إلى ارضهم التي عاشوا وترعرعوا فيها..ارض القوش وبعد ذلك تقرر إقامة متنزه باسم الفقيد الغالي أبو جوزيف وفيه تم تشييد تمثال كبير له كان يرى من بعيد وسط المتنزه تقديراً من اهالي القوش لأبنهم البار ووضعت مساحة كونكريتية تحت التمثال نقشت عليها الكلمات التالية..( القائد الشيوعي الانصاري وتحتها توما توماس وتحتها 1925 -1996 ، ثم كتب تحتها ونسقط جيلاً وجيلاً وجيلاً...وافكارنا شرف ساطع لا تموت...كثير من الاشعار الجميلة والاغاني والاناشيد المعبرة قيلت بحق الفقيد أبو جوزيف ومنها..( لأن أنت جبل وجبينك هلال...صعب تلگة جبل يرهمله تمثال..لكن رغبة الناس محبة توما توماس ، يسوولك نصب اعلى من الجبال ! أجو من كل مكان اليوم ربعك، هذوله حزام ظهرك..هذوله ضلعك، زرعت الطيب شوف اليوم زرعت، بيادر خير صارت علو التلال..لأن انت جبل وجبينك هلال...!!) وعدد آخر من أجمل ما قيل بحق شيوعي حقيقي وانسان سخر نفسه وكل طاقته لخدمة جماهير شعبه فنال محبتهم واحترامهم الکبیر له..
المجد للقائد الشيوعي البارز توما توماس... وفي ذكرى رحيله في 15 تشرين الاول عام 1996 أتمنى ان يقام لتخليده حفل في المتنزه الذي سمي باسمه يحضره عدد من الانصار وكوادرهم وجماهير الشعب.