أعادت تصريحات وزيرة البيئة بشأن تلوث نهري دجلة والفرات والأهوار، ومخاطر ذلك على صحة المواطنين والثروة السمكية، تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في العراق: حماية مصادر المياه من التلوث، وضمان سلامة الغذاء، ومحاسبة الجهات التي تتسبب بالإضرار بالبيئة.
ولا شك في أهمية التحذير من تداعيات مياه الصرف الصحي والمخلفات الصناعية والطبية التي تُطرح في المجاري المائية من دون معالجة كافية، وما قد ينجم عنها من أخطار صحية وبيئية. غير أن هذه التحذيرات ينبغي أن تستند إلى بيانات علمية وفحوص مختبرية واضحة، وأن تقترن بإجراءات عملية تحد من مصادر التلوث، وتطمئن المواطنين إلى سلامة المياه والأسماك المطروحة في الأسواق.
وفي هذا السياق، أثار تصريح الوزيرة بشأن امتناعها عن شراء الأسماك العراقية خشية الإصابة بمرض نقص المناعة البشرية (الإيدز)، بسبب احتمال تلوث المياه بدماء مرضى مصابين بالفيروس، تساؤلات عن الأساس العلمي لهذا التخوف وانعكاساته الاقتصادية. ففيروس نقص المناعة البشرية لا ينتقل عبر المياه أو الطعام، ولا تشكل الأسماك المطهية مصدرا لانتقاله. أما التلوث بمياه الصرف الصحي والمخلفات الطبية والصناعية، فيمكن أن ينقل ملوثات ومسببات أمراض أخرى، وهو ما يستدعي الفحص والرقابة، لا إطلاق أحكام عامة على سلامة الأسماك العراقية.
وتتطلب معالجة هذه القضية النظر إلى آثار التلوث في مختلف جوانبها، الصحية والبيئية والاقتصادية. فهناك آلاف العاملين في صيد الأسماك وتربية الأحياء المائية وإدارة البحيرات، فضلا عن عائلات تعتمد في معيشتها على هذا النشاط. وأي تحذيرات عامة لا تستند إلى نتائج فحوص محددة قد تؤثر في تسويق منتجاتهم ودخولهم، كما قد تنعكس على الأمن الغذائي، ما يجعل الدقة في التصريحات الرسمية وشفافية المعلومات ضرورة أساسية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل مسؤولية الجهات الحكومية عن الحد من التلوث ومراقبة مصادره. فالمطلوب ليس تشخيص المشكلة فحسب، بل إعلان الإجراءات المتخذة، وتحديد مصادر التلوث ومواقعها، ونشر نتائج الفحوص المتعلقة بجودة المياه وسلامة الأسماك، مع توضيح المناطق التي تستدعي تدابير احترازية.
ولتحقيق ذلك، أقترح تشكيل هيئة مشتركة تضم وزارات البيئة والصحة والموارد المائية والزراعة والجهات المختصة بالمياه الجوفية، تتولى إعداد تقرير علمي شامل عن مستويات التلوث ومصادره وآثاره، ووضع برنامج زمني لمعالجته، مع تحديد المسؤوليات والتمويل اللازم للتنفيذ.
كما ينبغي الإسراع في استكمال مشاريع الصرف الصحي ومحطات المعالجة في المحافظات، وتحديد مواقع الطمر الصحي وتجهيزها بالآليات اللازمة، ومنع تصريف مياه الصرف والمخلفات الصناعية والطبية غير المعالجة إلى الأنهار والأهوار. فمعالجة هذه المياه وإعادة استخدامها، بعد التأكد من مطابقتها للمعايير الصحية والبيئية، يمكن أن توفر موردا إضافيا للري وتحد من الضغط على الموارد المائية.
ومن المهم أيضا استكمال مشاريع الإصلاح الزراعي وشبكات البزل التي بدأت في ثمانينيات القرن الماضي وتوقفت أجزاء منها بعد عام 2003. فمعالجة مياه البزل المالحة والملوثة وتنظيم تصريفها يمكن أن يساهما في الحد من تدهور الأراضي الزراعية وتقليل وصول الملوثات والأملاح إلى الأنهار، مع إمكان الاستفادة من المياه المعالجة في الاستخدامات الملائمة وفق المعايير المعتمدة.
ويتطلب ذلك حملة رقابية مستمرة تشمل المؤسسات الحكومية والأهلية، ولا سيما المستشفيات والمعامل والمنشآت التي تنتج مخلفات خطرة، مع تطبيق القوانين والعقوبات بحق المخالفين، وإغلاق منافذ التصريف غير القانونية. كما ينبغي تعزيز التوعية البيئية والصحية والإرشاد الزراعي، وإشراك المواطنين والصيادين والمزارعين في الإبلاغ عن مصادر التلوث ومتابعة معالجتها.
إن حماية المياه والثروة السمكية مسؤولية مشتركة، تبدأ بالاعتراف بحجم المشكلة، لكنها لا تنتهي عند التحذير منها. فالمطلوب سياسة حكومية واضحة، تستند إلى الأدلة العلمية والرقابة الفاعلة والاستثمار في البنى التحتية، وتوازن بين حماية صحة المواطنين وصون مصادر رزق العاملين في القطاع الزراعي والسمكي.
وبذلك يمكن تحويل المخاوف المشروعة من تلوث المياه إلى برنامج عملي يحمي الإنسان والبيئة، ويعزز الأمن الغذائي، ويضمن استدامة الموارد المائية للأجيال المقبلة.
ـــــــــــــــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري