يواجه المزارع العراقي ضغوطا اقتصادية متزايدة نتيجة ارتفاع كلف الإنتاج وتراجع هامش الربح، في ظل اتساع الفجوة بين أسعار المستلزمات الزراعية وكلفة توفيرها من جهة، والعائد المتحقق من بيع المحاصيل من جهة أخرى. ويؤدي ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، ولا سيما عند اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، إلى زيادة أعباء قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد مستلزمات الإنتاج والمعدات من الخارج.
وتظهر هذه الضغوط بوضوح في أسعار الأسمدة والمبيدات والبذور المحسنة، ومنها الأسمدة المركبة NPK وبذور الهجن والأصناف المعتمدة ذات الإنتاجية المرتفعة. كما ترتفع كلف صيانة الآلات الزراعية والمضخات ومنظومات الري الحديثة، بسبب الاعتماد على قطع الغيار والمعدات المستوردة. وبذلك يجد المزارع نفسه أمام نفقات متزايدة يصعب تعويضها من عائد بيع المحصول.
وتتعمق المشكلة عندما ترتفع كلف الإنتاج من دون زيادة متناسبة في أسعار شراء المحاصيل، ولا سيما الحنطة التي تتولى الدولة شراءها ضمن برامجها التسويقية. فزراعة الدونم الواحد تتطلب نفقات تشمل البذور والحراثة والأسمدة والمبيدات والري والحصاد والنقل، فيما يرتبط العائد بسعر الاستلام الحكومي وحجم الإنتاج. وعندما تتسع الفجوة بين النفقات والإيرادات، يتقلص هامش الربح، وقد تصبح الزراعة محدودة الجدوى في الأراضي الضعيفة أو متوسطة الإنتاجية.
ولا تقتصر الأعباء على المستلزمات المستوردة، بل تمتد إلى الوقود والطاقة والخدمات الميكانيكية. فالمزارع الذي يعتمد على المياه الجوفية أو الري بالمضخات يحتاج إلى كميات كبيرة من الديزل، ما يجعل ارتفاع أسعاره عاملا مباشرا في زيادة كلفة السقي. كما تنعكس نفقات الوقود والصيانة على أجور الحراثة والحصاد والنقل إلى منافذ الاستلام الحكومية.
ومع تآكل الأرباح، تتراجع قدرة المزارعين على تمويل المواسم اللاحقة وتطوير وسائل الإنتاج. وقد يلجأ بعضهم إلى تقليل استخدام الأسمدة والمبيدات، أو تأجيل صيانة المعدات، أو تقليص المساحات المزروعة، بما قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وتراجع جودة المحاصيل. وفي الوقت نفسه، يواجه المنتج المحلي منافسة من المنتجات المستوردة، خصوصا عندما يستفيد المنتجون في بلدان المنشأ من دعم مستلزمات الإنتاج والطاقة.
وتتجاوز هذه التداعيات دخل المزارع لتطال الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي، إذ أن تراجع جدوى الزراعة قد يضعف الإنتاج المحلي ويزيد الاعتماد على الاستيراد. ومع ذلك، لا يفسر سعر الصرف وحده مشكلات القطاع الزراعي، الذي يتأثر أيضا بشح المياه والتغيرات المناخية وضعف البنى التحتية والتسويق، فضلا عن السياسات المتعلقة بالاستيراد والتسعير.
ويتطلب الحد من هذه الضغوط سياسة زراعية متكاملة تبدأ بدعم المستلزمات الاستراتيجية، وفي مقدمتها الأسمدة المركبة واليوريا والبذور المسجلة والمبيدات المعتمدة، وتوفيرها عبر القنوات الحكومية المختصة بأسعار مناسبة. كما يمكن تخصيص حصص من وقود الديزل بأسعار مدعومة للمزارعين، وفق معايير واضحة تراعي المساحات المزروعة والاحتياجات الفعلية للإنتاج.
ومن الضروري أيضا مراجعة أسعار شراء المحاصيل الاستراتيجية وربطها بمؤشرات تعكس التغير في كلف الإنتاج والطاقة والخدمات الزراعية، بما يضمن تغطية النفقات وتحقيق هامش ربح معقول. فالسعر الذي لا يتناسب مع كلفة الإنتاج يضعف حوافز التوسع والاستثمار، ويحد من قدرة المزارع على تطوير أساليبه وزيادة إنتاجية الأرض.
ويمكن تعزيز هذه الإجراءات بالتوسع المدروس في استخدام المخصبات العضوية ومحسنات التربة المتاحة محليا، ومنها الكبريت الزراعي، والاستفادة من مواد مثل الهيوميك والفولفيك وفق نتائج فحوص التربة واحتياجات المحاصيل. ويساعد الإرشاد الزراعي في تحسين كفاءة استخدام المغذيات وتقليل الهدر، من دون اللجوء إلى بدائل غير مناسبة للاحتياجات الفعلية للمحاصيل.
إن حماية الزراعة العراقية لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى زيادة الإنتاج، بل تتطلب توفير مستلزمات بأسعار معقولة، وسياسة تسعير منصفة، وتطوير أنظمة الري والتسويق والبنى التحتية. فارتفاع كلفة الدولار لا ينعكس على أسعار الأسمدة والبذور والمعدات فحسب، بل يؤثر أيضا في قرار المزارع بشأن الاستمرار في الزراعة أو تقليص نشاطه، وهو قرار ترتبط به قدرة العراق على تنمية إنتاجه المحلي وتقليل تعرض أمنه الغذائي لتقلبات الأسواق الخارجية.
ـــــــــــ
*مهندس استشاري زراعي