اخر الاخبار

مدهش كيف تتذكر ملامح ذلك الوجه البشوش المنطوي على جدية وتصميم عندما تفتح موضوعاً يومياً يتطلب الرأي والموقف.

تمايزٌ ، يأخذك بعيداً فتتذكره بوجه البشوش وأنت تقرأ رحلة عمره التي أخذت منها السجون أعواماً هي الأجمل من تلك الرحلة القاسية التي اختارت من عمره سنوات الشباب، لم تدعه ظروف السياسة يمارس عمله واختصاصه وهو في عز عمره الابداعي والانتاجي ، بل جنحت به سفينة الحياة نحو شواطئ تميزت بجرف قاس وعوائق مرهقة.

كان عمره خمسة وعشرين عاماً حينما كلفه الحزب هو ورفيقين آخرين أن يستعد للرحيل إلى محطة حزبية في بلاد ليست بلاده للمساعدة في بناء واحتضان شتات الرفاق الذين عصفت بها كارثة 8 شباط عام 1963 فسجنت وعذبت وأعدمت المئات من أبناء حزبه وشعبه.

وكان عليه، أن يضع كل خبرته في تلك المحطة الحزبية في بلد مجاور حيث يلجأ الناجون من المجازر أو أولئك الذين أطلق سراحهم بعد أن أضحوا أشلاءً ممزقة للبحث عن علاج أو فترة نقاهة لمعاودة نشاطهم ولو بعد حين.

حين وطأت أقدامه أرض إيران الشاسعة وجدها ضيقة ،عندما بحث عن بيت آمن يستطيع من خلاله التنسيق مع رفاق سبقوه إلى تلك البقعة للملمة الرفاق المهاجرين وتجميع خيوط التنظيمات التي بطش بها الجزار شباط 1963 وتوجيه الرفاق الذين قرروا معاودة البناء في وطنهم وإعادة وصلهم مع من تبقى في الوطن المدمى وبين من اختار شتات المنافي. 

كان عليه وهو الشاب العشريني أن يتحلى بحكمة الشيوخ وبراعة التخفي والعمل السرّي الذي تدرب عليه منذ عمر السادسة عشرة حيث انتظم في العمل الطلابي وبعدها حصوله على عضوية الحزب الشيوعي العراقي في سنة السابعة عشرة رغم ما ينص عليه النظام الداخلي على ضرورة بلوغ الثامنة عشرة للحصول على العضوية.

وسرعان ما تسلّم مسؤولية اتحاد الطلبة في كلية العلوم ومن ثم التنظيم الحزبي في ثانويات وكليات بغداد حتى تخرجه في العام الدراسي 1959-1960.

بهذه التجربة المبكرة والعمر الشبابي ، قدِّر لهذا الشاب أن يتصدى لمهمة كبيرة وفي بلد لا يحسن التحدث بلغته حينها ما أدى إلى أن يقع في فخ لجهاز(الساواك) – وهو جهاز الأمن الإيراني سيء الصيت، في بيت حزبي في حي فقير كان يسكنه اثنان من رفاق الاتصال بين محطة إيران والعراق للحزب الشيوعي العراقي.

ومنذ ذلك الحين ، حين وطأت أقدامه ذلك السجن وجد نفسه أمام المحقق الايراني من جهاز الساواك لتبدأ تلك الرحلة الكفاحية في سجون ايران في عهد الشاه وليجد نفسه أمام وضع كمن يكون متهماً بقضايا ملفقة وأخرى يطلب منه أن يصرح بها عن مهمة وجوده في إيران ، وبين أن يصمد كشيوعي يمثل حزبه وقيمه وأمام عينيه يشمخ سلام عادل بصمود أسطوري ووراءه رفيق حكيم كان صلته ومن كلّفه بتلك المهمة هو الراحل ثابت حبيب العاني، وستشكل هاتان الشخصيتان أحدهما بصموده الاسطوري بوجه جلادي شباط والآخر بأخلاقه ورصانته التي عرف بها من كل من عمل معه مقومات مثله العليا ولتبلور شخصية تكمل ما بدأه أولئك.

في السجن تبدأ تلك الرحلة وهو ينضم إلى قائمة ملفة من قادة أحزاب ماركسية بينها قادة حزب توده العريق وتجمعات أخرى انشقت عنه بعضها عسكري وبعضها مجموعات آمنت بالكفاح المسلح وقادة لأحزاب قومية كردية وعربية أحوازية وأذرية وشخصيات مميزة في مسيرة الحركات الوطنية الإيرانية علمانية واسلامية. وكان عليه أن يكون واجهة حزبه وشعبه وجيله بين مناضلين أغلبهم يكبره عمراً وتجربة. ليتحول ذلك الجمع إلى كتلة فكرية ونضالية كل من زاوية معتقده وليتحول السجن مسرحاً للثبات الوطني والمبدئي للقيم والأفكار التي اعتنقوها.

ومنذ ذلك الحين ، وحتى خروجه من السجن بعد انقضاء محكوميته لسبع سنوات وترحيله عبر نقطة المنذرية الحدودية لسلطات بلده ليبدأ مسيرة اعتقال وسجون اخرى تكررت لمرات عديدة في أعوام السبعينيات حتى في وقت كان فيها حزبه طرفاً في الجبهة الوطنية التي يشكل طرفها الآخر حزب البعث الذي عاد مجدداََ بعد كارثة شباط ، وكأنه يقول له ، " لم نقم بواجب! ضيافتك في 1963 وعلينا القيام بذلك الآن!" رغم كونه ممثلاً لحزبه في تلك الجبهة.

هذه السيرة الصامتة من طرفه وهو الكتوم، والصاخبة في سيرته التي تفرض فعلها كما تعكسه انطباعات مرافقيه من القيادات السياسية التي رافقته في السجن ، تجدها بين دفتي كتابه رحلة العمر والتي هي مذكراته التي جمعتها أسرته وراجعها أصدقاؤه وطبعت على نفقة دار المدى كما وعده رفيقه فخري كريم عندما زاره وهو على فراش المرض بعد أن شجعه على كتابتها. وخرج بحلته التي يزينها تخطيط رائع لشخصية الكاتب، ويقع الكتاب في 383 صفحة الذي صدر قبل شهر من هذا العام 2026، كما تضم عدداً كبيراً من الصور والتخطيطات التي تشكل بمجموعها روايات مساعدة للنص وللسيرة.

وسأتحدث في عرضي لهذا الكتاب ،عن خصلتين مهمتين في شخصية الراحل عادل حبه كما عكسها مذكراته وسيرة حياته في الكتاب مشفوعة ببعض الاستنتاجات الشخصية التي تؤكد وتعزز تلك الخصلتين، هاتان الصفتان تشكلان برأيي مناراً هادياً لجيل جديد من المناضلين وكذلك لمن احتلوا مراكز قيادية في الحزب، لأنه عبر من خلالهما عن مهمة الشيوعي كسياسي واخلاقياته كإنسان ، حتى وإن كان ميدان نضاله مساحة ضئيلة بين جدران السجون.

الميزة الأولى:  العمق الاجتماعي لسلوك الراحل عادل حبه المقرون بالموقف السياسي للمناضل الشيوعي ونتائج ذلك السلوك وتأثيره على كسب ليس فقط المعتقلين من المناضلين متعددي المشارب (علمانية وإسلامية وقومية..) بل حتى موقف أحد مدراء

السجون والذي مثله مدير سجنه الأخير (في مدينة يزد) قبل شهور من إطلاق سراحه والذي أجبره سلوك السجين المميز إلى أن يعامله معاملة خاصة تتجاوز دوره كسجان بل أنه دعاه لعشاء وسهرة خارج السجن!

والميزة الثانية: هي كمية المعلومات الثقافية والفنية والادبية والتاريخية واللغوية التي تعلمها وهو في السجن، وشاء أن ينورنا ويشاركنا فيها حتى لتخال نفسك وانت تقرأ ما كتبه أنك في مكتبة تعريفية واسعة لتاريخ ايران وثقافتها رغم شحة مصادره واعتماده على الذاكرة في أغلب الأحيان في تذكر الشخوص- بالطبع نقح الكاتب تلك المذكرات قبل طباعتها واستند إلى بعض المراجع المرفقة بالكتاب.

يتحدث الكتاب في صفحاته الاولى عن بيئة الراحل عادل حبه في محلة صبابيغ الآل ، وتعليمه ودراسته الأولى في المدرسة الجعفرية التي خرّجت الكثير من القامات العلمية والسياسية، وأشرف عليها وساعد في انشائها العديد من البيوت والشخصيات البغدادية العريقة. ثم يتحدث عن تركيبة المحلة وعلاقتها بالمحلات الاخرى ونشاطها التجاري والسياسي، ومن ثم انخراطه في  العمل الطلابي وهو بسن السادسة عشرة وبعدها في العمل الحزبي وهو في السابعة عشرة من عمره،  وينتقل بعجالة إلى مرحلة التخرج والتعيين ومن ثم ترشيحه للدراسة في أكاديمية العلوم الاجتماعية والسياسية في موسكو، ومن بعد تخرجه منها، والذي تزامن مع كارثة شباط 1963 حيث تم تكليفه بالمهمة التي سترسم مستقبل حياته اللاحقة في بلد ليس بلده ، ويتحتم عليه ان يقضي فيه إلى ما يزيد على السنة وعدة اشهر قبل اعتقاله وسجنه لمدة سبعة سنوات من قبل محكمة عسكرية رغم أنه ليس عسكرياً.

إن مساحة العمر التي فرضت على هذا المناضل الشاب لم تتعد الخامسة والعشرين حين أودع خلف القضبان بعد ما يزيد على العام من ممارسة مهمته الحزبية في محطة إيران لتنظيم شتات الرفاق الذين غادروا العراق، حيث عمل مع عدد محدود وموثوق من المناضلين لإعادة ولملمة وتجميع من استطاع الافلات من سجون زمرة شباط 1963 ، وتوضح السنة الأولى من وجوده في إيران كيف تصدى لهذه المهمة بدأب وسرية وكيف استطاع التعاطي معها رغم وجوده في ضل نظام أمني واستخباري يتميز بالبطش ويستند إلى اشرس جهاز هو (الساواك).

وتعاطى الراحل عادل حبه مع مهمته، بكل هدوء واحترافية رغم اختلاف البيئة وعوامل اللغة والتاريخ ومحدودية الامكانيات والوثائق الشخصية، مستفيداً من التدريب الذي سبق دخوله إيران وتم تدريبه من قبل رفاقه وأحد رفاق الحزب الشيوعي التشيكي رغم تقليله من أهميته مؤكداً أن تجربتي في العراق كانت على معرفة عملية بالكثير من الاساليب التي تدربت على يديه فيها.

وبالرغم من محدودية التدريب لكن عادل حبه جمع بين صفتين وهما، جرأة الشباب وتروي العاقل في تنفيذ مهمته، في ظل جهاز أمني عرف بالبطش بالشعب الايراني ومناضلي الحركات الوطنية والاسلامية الايرانية، ساعده في ذلك حصوله على هوية شخصية إيرانية بمساعدة ابنة خاله والتي اعطته حق الحصول على جنسية مزورة ايرانية لرجل متوف مكنته من استئجار سكن مستقل استطاع فيه تجنيب بيت خاله أية تبعات مستقبلية جراء وجوده وفي نفس الوقت،  منحه البيت حرية التحرك والتصرف بدون معرفة أسرة بيت خاله بما يقوم به.

وحين تم اعتقاله ووجد نفسه بمواجهة جلاد السياسيين محمد خطائي كما وصف نفسه، بدأ مسلسل التعذيب والترويع واستخدام كل الوسائل المتاحة لانتزاع اعترافات منه، بعد ذلك تم نقله إلى سجن (باغ مهران) تحت اشراف الساواك ليتم بعد ذلك نقله إلى سجن مؤقت قبل أن يحل في سجنه النهائي في المسمى (سجن القصر) الواقع في منطقة شمرانات شمال مدينة طهران حيث تبدأ مرحلة الاندماج مع حياة السجناء السياسيين.

وفي هذا السجن، لم يتشدق عادل حبه بأقوال وهتافات كما يفعل الكثير بل ترك للأفعال والسلوك والسيرة دورها لتعكس أخلاقياته وسلوكياته الاجتماعية والانسانية، ليؤكد حقيقة أن المناضل يمكن أن يتحول إلى سفير لبلاده وشعبه أولاً وممثلاً لحزبه وقناعاته بنفس الوقت، ومع أنها بيئة سجن وليس معترك الحياة الواسع ولكنه تمكن من كسب النزلاء الذين شاركوه المعتقل وبينهم العديد من القامات السياسية لحزب توده واعضاء الفرقة الديمقراطية الاذربيجانية ذات الصلة بحزب تودة والخاصة بأذربيجان الإيرانية واعضاء من الحزب الكردستاني الإيراني والذي يعتبر حينها امتدادا لحزب تودة في كردستان إيران ويضمن السجن عددا من أولئك الذين كانوا مع مصدق وهربوا إلى الاتحاد السوفيتي بعد الانقلاب، كما كان قبل وصوله بيومية مجموعة من حركة تحرير الاحواز اعدموا كما اعدم بعد فترة حسين قبادي الذي استطاع تهريب قيادات من حزب توده بلباسه العسكري حينها وكذلك ضم السجن شخصيات مثقفة مثل مجيد أمين مؤيد الذي ترجم العديد من المؤلفات وهو بالسجن لبريخت وآرثرميلر وهوارد فاستو والفيلسوف الروسي تشرنيشفسكي ، كذلك ضم السجن أحمد قاضي وهو من عائلة الشهيد محمد قاضي من حكومة مهاباد الكردية وأحزاب وشخصيات دينية اخرى.

يتحدث المؤلف عن تفاعله الايجابي مع من تعلم منهم اللغة الفارسية وهو بدوره علم الآخرين اللغة العربية كما تفاعل جيداُ مع شريحة من المثقفين والحرفيين ونمت علاقات أخوية وإنسانية راقية بينه وبين الجميع حتى أنه يروي عن أحد السجناء ممن لا يود الاختلاط بباقي السجناء أنه تمكن من كسبه ودفعه إلى الحديث عما يجعله عزوفاً عن الاختلاط.

وفي مرحلة لاحقة صنع عادل حبه لنفسه شخصية السياسي والاجتماعي المميز مما دعا الجميع إلى التعامل معه باحترام اكبر ودعوته لمشاركة سجناء إيرانيين في مناسبات ثقافية وفكرية ونقاشية متعددة.حتى أنه أضحى السجين الاكثر تميزاً في سنواته الاخيرة في أوساط السجناء، بل أن المميز هو اعتراف سجانيه بدوره المميز وسلوكه الراقي في معالجة بعض المشاكل التي تعرض لها المسجونون وتقبل سجانوه معالجاته للمواقف التي مرّ بها بعض المسجونين.

وفي واحدة من المناسبات التي اقتيد فيها ما يقارب العشرين فلاحاً جراء محاربتهم بقطع مياه سقيهم مما حدا بهم إلى ردم البئر التي حفرها مستثمر وأدت إلى شحة الماء في آبارهم، وكان موقفه بأن وفر لهم العلاج من الأدوية المحدودة التي اعطيت له من قبل دكتور سجين في سجنه السابق عند توديعه قبل الانتقال إلى سجنه الجديد.

واستطاع وبمشاركة سجناء مثقفين آخرين أن يحولوا السجن إلى مدرسة للتعليم ومحو الأمية وتقديم المحاضرات التخصصية والتي شارك فيها سياسيون وعلماء ورجال دين وبينهم مهندس الجيولوجيا عادل حبه وتمكن من اللغة الفارسية كما تعلم قليلا من الفرنسية والانجليزية إضافة إلى المامه بالروسية.

على أن الأهم في هذا الاندماج الثقافي والمعرفي هو التكيف مع الآراء والمنطلقات الفكرية والحزبية التي عكست اختلافات ومشارب السجناء وانحداراتهم ، فهناك منشقون عن حزب توده ولهم آراء في سيرته وكان الجميع يسمع ويناقش بدون عداوات، وكان هناك علمانيون ورجال دين آمنوا بطريقتهم بأساليب نضال ضد الشاه ووجدوا أنفسهم يشاركون سجناء من أحزاب علمانية بنفس السجن، ولم يكن للخلافات الاجتماعية مكان لأن العدو الذي أودعهم السجن كان هو نفسه الشاه.

وعلى العكس من السلوك المتنافر كان عادل حبه جزءاً من تجربة مميزة في السجن لاحترام الرأي والرأي الآخر من مختلف الانحدارات الفكرية والسياسية التي مثلها المسجونون، وانعكس هذا الاحترام بطريقة التعامل اليومي والانساني بين الجميع حتى بدا السجن وكأنه عائلة للمناضلين بمختلف انحداراتهم. لقد ميزت هذه الصفة الراحل عادل حبه في احترام الآخر وتعرفت عليه بنفسي في فترة تواجدنا في اليمن الديمقراطية حيث أصبح على رأس منظمة الحزب في اليمن والتي كانت تعاني من تناحر وكراهية بين اعضاء الحزب وبين أولئك الذين طردهم الحزب، واصبحوا بنظره مخربين!! لا بل وصل الأمر بمطالبة المنظمة الحزب الاشتراكي اليمني بطردهم من وظائفهم وامتنع الحزب الاشتراكي من ذلك وخاطب المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي مستنكراُ مثل هذا الاجراء ليتم التوجيه من المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ب (الموافقة على إجراءات طردهم من الحزب وعدم الموافقة على محاربتهم اقتصاديا) وحين جاء الراحل عادل حبه، مد الجسور الاجتماعية مع الجميع بما فيهم اولئك المطرودون واستطاع خلق حالة اجتماعية جديدة سعى فيها إلى حضور مناسباتهم وزيارتهم والتعامل معهم كعراقيين.

ولن أنسى مشاركته لي في زفافي حيث وفر سيارته وبمشاركة السيدة الأصيلة زوجته في زفاف العريسين، بالرغم من أنني لم أكن عضوا في الحزب وهو أمر ما كان ليكون قبل مجيئه، وعرفانا لموقفه فأنني اتشرف بذكر مناقبه واستعرض كتابه مؤمناً بسيرته الرائعة والتي تمثل الحس الاجتماعي للشيوعي الاصيل ابن شعبه.

ومثل يوم نقله إلى السجن الأخير إلى منطقة يزد الصحراوية قبل انتهاء محكوميته حفلاً توديعيا مميزاً كريماً - إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار محدودية موارد السجناء، من أغلب مشاركيه في السجن تضمن تقديم العديد من الهدايا والمشغولات اليدوية وكل ما يتوفر لدى المسجونين تعبيرا عن محبتهم وتقديرا لأخلاقه وسيرته وعطائه للجميع.

أما المعطى الآخر الذي توضحه المذكرات من سيرته الذاتية في  حياة السجون فهو الحرص على تطوير معارفه وزيادة معلوماته عن الواقع المحيط في إيران، ففضلاً عن الاستعراض التاريخي للواقع السياسي وتغيرات السلطة قبل مجيء الشاه، تحدث بإسهاب تحليلي عن ظروف حكومة الدكتور مصدق وأبرز أخطائه في التصدي للمؤامرات الإمبريالية والمحلية، وقصوره عن فهم مديات التفكير بإزاحته لا بل أنه وقع في أوهام قوته رغم التحذيرات المخلصة من حزب توده له بحجم التآمر عليه، ويقارن الكاتب في مذكراته بين مقدار التشابه بين ظروف حكومة مصدق وحكومة عبد الكريم قاسم وتشابه التحديات وقصورهما عن معرفة القوى المخلصة من تلك المتعاونة مع المخابرات الاجنبية وبما أدى إلى انهيار الحكومتين وحرمان الشعبين الإيراني والعراقي من تطور البلدين على اسس وطنية وتعددية بناءة.

وفي جانب آخر تستعرض المذكرات مجالات ثقافية وتقاليدية واحتفالات سنوية عديدة خلال شهور السنة، كما يوضح المشتركات الثقافية لتلك الاحتفالات بين شعوب وإثنيات إيرانية من كرد وأذريين وعرب وغيرهم ، مستعرضاً العديد من الشعراء والفنانين والكتاب وأدوارهم وعلاقاتهم مع نظرائهم من العراقيين والكرد والأذريين ويضم الكتاب بين دفتيه صورا وأشعاراُ وأغنيات تعكس تلك الثقافات والمؤثرات المتبادلة.

كما يتحدث الكاتب عن إصدارات أدبية وثقافية وإذاعية عديدة حفلت بها صفحات كتابه وصاحبت  الفترات الكفاحية والتطورات الثقافية في إيران بما يعطي بمجمله معلومات قيمة لفهم الثقافة الايرانية ومعرفة مدى المشتركات بين الشعبين العراقي والايراني على أسس ثقافية وفكرية وفولكلورية وهو الأمر الذي يوجههنا الراحل عادل حبه فيه إلى التأمل في تلك المشتركات وبناء ما يمكن بناؤه من جسور على اسس مشتركة في التصدي لمشكلات الشعبين الجاريين، مستعرضاً الكثير من مناسبات المشاعر المتضامنة مع الأشقاء العراقيين في محنتهم من قبل الشعب الايراني في استضافتهم وهم يهاجرون بلدهم ناشدين الأمان من موجات العنف السياسي، والأمر نفسه في استضافة الشعب العراقي للسياسيين الإيرانيين الهاربين من البطش السياسي في بلدهم.

من هنا يمكن التأسيس على ذلك أن مصير الشعبين الايراني والعراقي في مواجهة التحديات لايأتي من رغبة حاكم او حزب بل أن يستند إلى الظروف الموضوعية والإرث الكفاحي والنضالي لمناضلي الشعبين، مستندين إلى مقومات اقتصادية وثروات هائلة ممتدة على مساحات جغرافية وحدود وبحار وأنهار تؤمن مقادير ومستقبل أجيال من الشعوب في البلدين والمنطقة لتحقيق رخاء اقتصادي قائم على احترام مقومات كل شعب على حده.

لقد افادني هذا الكتاب، كقارئ في معرفة الكثير من صفحات التاريخ الإيراني والحركات الوطنية وكفاحها كما أوقفني على أبرز تلك المحطات المصيرية في حياة الشعب الإيراني ووجدت الكثير من المشتركات بين الرموز الوطنية والدينية الإيرانية والعراقية في التصدي لقضايا التحرير الوطني والنضال من أجل مستقبل البلدين، وللأسف لم تجر الأمور كما أراد لها هؤلاء الوطنيون ممن قبعوا سنوات في سجون البلدين والبعض منهم انتهت حياته اما قتلاً من قبل الأنظمة التعسفية او بفعل فترات السجن الطويلة ما ادى إلى وفاتهم وخروجهم عن حركة التغيير في بلدانهم.

ولا يفوتني الإشارة إلى أن دور العائلة في متابعة ابنها السجين في بلاد أخرى كان له أبلغ الاثر في تعزيز صلابة صموده في السجون التي مرّ بها، وكانت هناك تضحيات ومبادرات متميزة في توفير احتياجاته واحتياجات السجناء تجلت في مساندة بيت خاله وابنة خاله التي تمكنت من تهريب وادخال جهاز راديو ساعد المعتقلين في تتبع إذاعة المعارضة الإيرانية والعراقية (صوت الشعب العراقية التي كانت تبث من بلغاريا.

تحية وفاء للمناضل والعراقي الأصيل عادل حبه، له الذكر الخالد ولعل هذا الكتاب يفتح المجال لكتاب آخر يجمع عطاءه الفكري والصحفي والابداعي فهو رجل متعدد المواهب ويستحق كل العرفان.