تنطلق المادة (88) من مدونة الأحكام الشرعية من مفهوم للرشد يختلف جذريًا عن المفهوم المعتمد في القانون العراقي. فالقانون جعل الرشد مرتبطًا بإكمال الثامنة عشرة من العمر، مع بعض الاستثناءات المحددة بنصوص قانونية، كما ربط أحكام الحضانة بمراحل عمرية واضحة، وأجاز للمحضون بعد الخامسة عشرة اختيار من يعيش معه إذا أنست المحكمة منه رشدًا في الاختيار، مع بقاء دور القضاء في حماية مصلحته.
أما المدونة، فقد جعلت انتهاء الحضانة مرتبطًا بتحقق الرشد بعد البلوغ الشرعي، بحيث يصبح الولد أو البنت مالكًا لنفسه، ولا يملك الأبوان أو المحكمة منعه من العيش مع من يشاء. وهذا التحول لا يقتصر على اختلاف في الصياغة، بل يعكس انتقالًا من معيار عمري موضوعي إلى معيار معنوي يختلف من شخص إلى آخر.
وبالرجوع إلى فقه الإمامية، يتضح أن الصغير هو غير البالغ شرعًا، وأن جميع تصرفاته الأصلية غير نافذة حتى يبلغ، بينما يرتبط الرشد أساسًا بالقدرة على إدارة الأموال والتصرف العقلاني فيها، لا بمجرد القدرة على اختيار محل الإقامة. كما أن السفيه يختلف عن الصغير؛ إذ يقتصر الحجر عليه في الأموال دون كثير من التصرفات الأخرى، وهو ما يثير تساؤلات حول السماح له بالزواج أو الطلاق مع الاعتراف بعدم قدرته على إدارة أمواله.
وتكشف فتاوى الفقهاء كذلك عن نظام للولاية يمنح الأب والجد سلطة واسعة على الصغير، ويشترط في غيرهما أوصافًا دينية خاصة، مع استبعاد الأم وسائر الأقارب من الولاية الأصلية، رغم أنهم قد يكونون الأقرب إلى حماية الطفل ورعاية مصالحه. كما أن إثبات الرشد يخضع في بعض الآراء الفقهية لشهادة الرجال، الأمر الذي يزيد من تعقيد تطبيق هذه الأحكام داخل مؤسسات الدولة الحديثة.
وقد انعكس هذا التباين حتى في القضاء العراقي؛ إذ فرقت محكمة التمييز بين البلوغ والرشد، واعتبرت أن مجرد البلوغ الشرعي لا يكفي لإنهاء الحضانة ما لم يثبت رشد المحضون، إلا أن مفهوم الرشد في القضاء العراقي يبقى منسجمًا مع المنظومة القانونية، بخلاف المدونة التي تخلق حالة قانونية خاصة قد تجعل طفلًا في العاشرة أو أقل، إذا تحقق بلوغه ورشده وفق المعيار الفقهي، قادرًا على إنهاء حضانته، مع بقائه قاصرًا في سائر القوانين العراقية.
وتثير هذه الأحكام إشكاليات عديدة، أهمها ضعف الضمانات لحماية الطفل، واتساع سلطة الأولياء دون اشتراط تحقق المصلحة، وإقصاء الأم والأقارب، واعتماد أوصاف دينية في الولاية لا تنسجم مع طبيعة الدولة ومؤسساتها، فضلًا عن الإشكال الدستوري المتعلق باستقلال القضاء، وآلية إثبات الرشد، ومدى قدرة طفل صغير على اتخاذ قرار مصيري يتعلق بمستقبله، فضلاً عن تعارض هذه الأحكام مع الدستور العراقي الذي يساوي بين المواطنين، ومع القوانين النافذة التي حددت سن الرشد بثمانية عشر عامًا. وتؤكد هذه الإشكاليات أن المادة (88) لا تمثل مجرد اختلاف فقهي، بل تؤسس لمنظومة قانونية موازية تتعارض مع الواقع الاجتماعي والقانوني العراقي، وتثير مخاوف جدية بشأن حماية الطفل واستقرار الأسرة وانسجام التشريع مع الدستور ومؤسسات الدولة الحديثة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحلقة التاسعة من عدد من معالجات الباحث لقضايا الأحوال الشخصية.
** مختص بفقه الإمامية وباحث في مشاريع تعديل قانون الأحوال الشخصية.