اخر الاخبار

لم تعد الأزمة التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مجرد خلاف حول الرسوم الجمركية والتبادل التجاري، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين البلدين، بعدما امتدت المفاوضات إلى قضايا تعتبرها كندا من صميم سيادتها وهويتها الوطنية.

بدأ التصعيد عام 2025 مع فرض إدارة دونالد ترامب رسوماً واسعة على الواردات الكندية، شملت قطاعات استراتيجية كالسيارات والصلب والألمنيوم، قبل أن تتوسع واشنطن في استخدام الرسوم أداة للضغط السياسي والتجاري. وفي أحدث حلقات التصعيد، فُرضت رسوم تصل إلى 50 في المائة على سلع كندية بقيمة عشرات المليارات من الدولارات، فردت أوتاوا بإجراءات انتقامية.

لكن جوهر الخلاف تجاوز الرسوم. فقد كشفت المفاوضات عن ضغوط أمريكية مرتبطة بسياسات حماية اللغة الفرنسية والثقافة في كيبيك. وبالنسبة لكندا، لا يتعلق الأمر هنا بتجارة يمكن التفاوض حولها، بل بتشريعات تمس هويتها الوطنية؛ فالفرنسية إحدى اللغتين الرسميتين للدولة، وكيبيك مركز أساسي للفرنكوفونية الكندية.

لذلك اتخذ رئيس الوزراء مارك كارني موقفاً أكثر تشدداً، مؤكداً أن كندا لن تقبل بشروط تمسّ استقلالية قرارها أو تفرض عليها تغيير سياساتها الداخلية. وحظي موقفه بدعم عدد من حكومات المقاطعات، ولا سيما أونتاريو، حيث ترتبط قطاعات السيارات والصناعة والطاقة بالسوق الأمريكية ارتباطاً وثيقاً. كما أبدى الشعب الكندي تضامناً منقطع النظير مع موقف حكومته في المفاوضات، وتجلى ذلك في مقاطعة البضائع الأمريكية والتحول نحو شراء المنتج الوطني، انسجاماً مع التوجهات الحكومية الفيدرالية والمحلية.

ومع ذلك، فإن قدرة كندا على تحمل حرب تجارية طويلة تبقى محدودة بسبب اعتماد اقتصادها الكبير على السوق الأمريكية وسلاسل الإنتاج المشتركة، خصوصاً في السيارات والطاقة والصلب والزراعة.

لكن الولايات المتحدة أيضاً ليست بمنأى عن الخسائر. فاقتصاد البلدين متداخل إلى درجة أن الرسوم على المكونات الكندية قد ترفع تكاليف الإنتاج داخل المصانع الأمريكية نفسها، كما تعتمد واشنطن على كندا في النفط والغاز والكهرباء والمواد الخام.

وهنا تكمن المفارقة: قد تضغط الرسوم على الاقتصاد الكندي، لكنها قد ترفع في الوقت نفسه الأسعار وتكاليف الإنتاج داخل الولايات المتحدة.

وتزداد حساسية هذا الأمر مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر. فالجمهوريون يسيطرون على المجلسين بهوامش ضيقة، وأي ارتفاع في أسعار السيارات والطاقة والسلع أو فقدان وظائف مرتبطة بالتجارة مع كندا قد يتحول إلى قضية انتخابية يستغلها الديمقراطيون.

في المقابل، يستطيع ترامب الدفاع عن الرسوم باعتبارها امتداداً لشعار «أمريكا أولاً» وحماية للصناعة والوظائف الأمريكية. لكن نجاح هذه الرواية سيتوقف على سؤال بسيط: هل يشعر الناخب بأن الرسوم تحمي مصالحه، أم أنها تزيد كلفة حياته؟

ولا يمكن إعفاء كندا بالكامل من مسؤولية التصعيد، إذ لديها بدورها سياسات حمائية ورسوم مضادة ساهمت في توسيع المواجهة. لكن الانتقال من خلافات تجارية قابلة للتفاوض إلى مواجهة أوسع يعود بدرجة أكبر إلى استخدام واشنطن الرسوم كأداة ضغط، ثم توسيع مطالبها لتشمل ملفات داخلية وثقافية كندية.

الأخطر في الأزمة ليس قيمة الرسوم، بل التحول في طبيعة العلاقة بين البلدين. فبعد عقود من التكامل الاقتصادي، بدأت كندا تبحث عن تنويع أسواقها وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، بينما تسعى إدارة ترامب إلى إعادة صياغة قواعد التجارة في أمريكا الشمالية وفق مفهوم أكثر صرامة للمصلحة الأمريكية.

وهكذا أصبحت المواجهة أكبر من مجرد حرب رسوم؛ إنها اختبار لحدود القوة الاقتصادية الأمريكية، وقدرة كندا على الدفاع عن استقلال قرارها، ومستقبل واحدة من أكثر العلاقات الاقتصادية تكاملاً في العالم.

وفي النهاية، قد تدفع كندا ثمناً اقتصادياً أكبر بسبب اعتمادها على السوق الأمريكية، لكن واشنطن لن تكون بمنأى عن الخسائر. أما الثمن السياسي الأكثر حساسية فقد يظهر في صناديق الاقتراع: فإذا تحولت الرسوم إلى نجاح اقتصادي، ستكون ورقة قوة لترامب، وإذا أدت إلى ارتفاع الأسعار واضطراب الصناعة، فقد تتحول إلى عبء انتخابي على الجمهوريين.

لذلك، قد لا يكون في هذه الحرب التجارية رابح حقيقي. لكن المؤكد أن شكل العلاقة الأمريكية ـ الكندية بعد هذه الأزمة لن يكون كما كان قبلها.