اخر الاخبار

في مؤتمر حوار بغداد الثامن، صرّح رئيس مجلس الوزراء، في معرض حديثه عن المهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين، قائلاً: «وجهنا بوضع خطة لتوفير قطع أراضٍ زراعية للمهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين، وسنوفر لهم قروضاً وفق موديل اقتصادي مدروس».

وإذ نثمن هذا التوجه، نود أن نلفت الانتباه إلى أن وزارة الزراعة سبق أن بدأت مشروعاً واعداً يمكن أن يسهم في تحقيق هذا الهدف، ويوفر الكثير من الجهد والتكاليف على الحكومة، فضلاً عن توفير فرص عمل للمهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين العاطلين عن العمل، والمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي للمواطن العراقي. إنه مشروع القرى العصرية.

ويقضي المشروع بإنشاء قرى عصرية تضم الواحدة منها بين 100 و200 دار، وقد أُنشئت قرى في عدد من المحافظات، منها البصرة والعمارة والكوت وكربلاء والنجف والديوانية والسماوة وصلاح الدين، فيما أُنشئت قريتان عصريتان في محافظة النجف. كما حُددت مساحات زراعية بالقرب من هذه القرى لتوزيعها على المهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين، بواقع 40 دونماً لكل متخصص، مع إمكانية تقديم ثلاثة قروض للإنتاجين النباتي والحيواني لكل مهندس زراعي وطبيب بيطري.

وكان من الممكن لهذا المشروع الرائد أن يوفر فرص عمل لأكثر من ثلاثة آلاف مهندس زراعي وطبيب بيطري من الخريجين الجدد والعاطلين عن العمل، إلى جانب توفير بيئة متكاملة للعمل والإنتاج الزراعي والحيواني. إلا أن المشروع، رغم الجهود المبذولة لإكماله، واجه العديد من العقبات التي حالت دون تحقيق أهدافه.

ومن أبرز هذه العقبات توقف موازنة عام 2014، فضلاً عن الفساد والتجاوزات على الأراضي المخصصة للمشروع، كما حدث في محافظتي ميسان والنجف. ولم تقتصر التجاوزات على الأراضي غير المستثمرة، بل طالت حتى القرى التي أُنجزت، كما حصل في محافظة المثنى، حيث تعرضت القرية المنجزة إلى الاستيلاء من قبل شركات متنفذة، في حين وصلت أعمال البناء في قرى أخرى إلى مراحل متقدمة من دون أن تكتمل.

وبما أن الحديث ينصب على تطوير القطاع الزراعي ودعم الكفاءات المتخصصة والفنيين في مختلف المجالات، فإن المطلوب اليوم إعادة النظر في مشروع القرى العصرية، بدلاً من البدء من الصفر بمشاريع جديدة قد تتطلب وقتاً وتكاليف إضافية.

ومن الضروري تشكيل لجنة عليا تضم وزارة الزراعة، والمديريات الزراعية ذات العلاقة في المحافظات، ونقابتي المهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين، لتقييم المشروع وتحديد أسباب تعثره، ووضع متطلبات وآليات استمراره، والعمل على رفع التجاوزات عن الأراضي والمشاريع التي خصصت له، فضلاً عن استكمال القرى التي وصلت إلى مراحل متقدمة من الإنجاز.

كما ينبغي وضع آليات واضحة وشفافة لتخصيص الدور والأراضي الزراعية للمهندسين الزراعيين والأطباء البيطريين، وضمان وصولها إلى المستحقين فعلياً، مع توفير القروض اللازمة للإنتاجين النباتي والحيواني، ومتابعة المشاريع بعد إطلاقها لضمان نجاحها واستدامتها.

إن إعادة إحياء مشروع القرى العصرية واستكماله في المحافظات التي لم يشملها، إلى جانب معالجة المشكلات التي حالت دون نجاحه في المحافظات الأخرى، يمكن أن يشكل خطوة عملية باتجاه تشغيل آلاف الخريجين والعاطلين عن العمل من أصحاب الاختصاص، فضلاً عن توفير فرص عمل للعمالة المرتبطة بالنشاط الزراعي والحيواني.

وإذا ما اقترنت هذه الخطوة بالتخطيط العلمي والدعم المالي والرقابة الجادة، فإن القرى العصرية يمكن أن تتحول من مشروع متعثر إلى نموذج تنموي متكامل، يسهم في تشغيل الكفاءات العراقية، وتطوير الإنتاج الزراعي والحيواني، وتعزيز الأمن الغذائي للمواطن العراقي.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

*مهندس زراعي استشاري