اخر الاخبار

اقتصاد السوق نظام اقتصادي رأسمالي يقوم على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج ولا يخضع فيه الاقتصاد لأي سيطرة حكومية ويعطي للأفراد والشركات الحرية في الاستثمار والانتاج وتبادل السلع والخدمات وتنقلها دون عوائق او قيود.

وقد لعب الانتاج والتصنيع الذي أحدثته الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر والأفكار الليبرالية الكلاسيكية في القرون 18 و19، دوراً كبيراً في ظهور ما يعرف باقتصاد السوق الحر.

فقد وضع عالِم الاقتصاد فريدريش هايك نظرية اقتصاد السوق لمواجهة الاقتصاد الكينزي الذي يعتمد على التدخل الحكوميّ. وتقوم نظرية هيك على افتراض أن قوى العرض والطلب تستطيع تحقيق الاستقرار في الاسواق والاسعار بدون الحاجة الى تدخل الدولة. وعلى فرضية كلما تتم التجارة بحرية وعدالة من قبل الأفراد والشركات الخاصة  تزداد المنفعة الاقتصادية للدولة. ويؤكد فريدريش ان قوى السوق والمنافسة هي التي تحدد القرارات الاقتصادية التي تتعلق بالاستثمار والإنتاج والأسعار والتوزيع.

 وقد جاءت نظرية اليد الخفية للاقتصادي آدم اسمث  لتقدم دعماَ قوياَ لنظرية فريد رش هيك حول اقتصاد السوق. ففي رأي اسمث أن اليد الخفية هي التي توازن الاقتصاد والاسعار والاسواق بشكل تلقائي من خلال آلية العرض والطلب والمصلحة الذاتية.

ويُعد اقتصاد السوق الحرة أحد الأنظمة الاقتصادية التي تعتمد بشكل أساسي على قوى العرض والطلب في تنظيم الإنتاج والتوزيع وتحديد الأسعار. ويتم تحديد الموارد من خلال تفاعل الأفراد والشركات في السوق، بدون أي تدخل حكومي. وبحسب أنصار هذا النظام فان اقتصاد السوق يؤدي إلى نتائج أكثر كفاءة وعدالة في توزيع الثروات. غير ان الحياة اثبتت هراء هذا المنطق. فالرأسمالية منذ ولادتها تعيش ارتباكات وازمات اقتصادية دورية ولم يتحقق فيها أي استقرار سواء في الاسعار أو الاسواق. إضافة الى  بروز تمايز اجتماعي وطبقي كبير في الملكية والثروة والدخل، وجيوش من البطالة والفقراء والمشردين والمتسولين.

ويختلف اقتصاد السوق الحر عن الاقتصاد المخطط او الموجه مركزياً، فالاقتصاد الموجه هو اقتصاد تتحكم فيه الدولة بجميع الأنشطة والمعاملات الاقتصادية. وتُعدّ الدولة الاشتراكية مثالاً على الاقتصاد الموجه. فالاقتصاد المركزي الموجه يقوم على ملكية الدولة لوسائل الانتاج والحكومة تتولى جميع القرارات الاقتصادية في الاستثمار والانتاج والتوزيع وتحديد حجم المنتجات وجودتها واسعارها وتوفيرها على الوجه الاكمل لجميع المواطنين بأسعار هامشية وتضمن الدولة استقرار الاسواق وثبات الأسعار ومحاربة الاستغلال والاحتكار.

وتلعب الحكومة الاشتراكية دورًا نشطًا في تصحيح إخفاقات السوق، وتوفر كافة خدمات الصحة والعليم مجاناً، اضافة إلى توفير العمل والسكن وخدمات النقل بأسعار رمزية. فالدولة الاشتراكية لا تسعى لجني الارباح، وانما لتحقيق رفاهية المجتمع.

ان تجارب البلدان التي طبقت اقتصاد السوق تشهد أن اقتصاد السوق لم يكن أفضل من الاقتصاد المخطط، فالبلدان التي تبنت نظام اقتصاد السوق الحر تعرضت إلى أزمات دورية غدت جزءًا من المشهد الاقتصادي. إن أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة وغيرها من الأزمات في البلدان الاخرى دليل على ذلك.

ونستنتج من ذلك أن اقتصاد السوق الحر لا يضمن الكفاءة ولا يحقق أفضل النتائج إلا من خلال تدخل الدولة، عبر آليات الضبط والتقنين والتوجيه والتخطيط، وهو ما يتعارض مع مبدأ الرأسمالية الذي يؤكد على اقصاء وظيفة الدولة الاقتصادية، تطبيقاً لمقولة آدم اسمت (دعه يمر دعه يعمل).

نماذج من اقتصاد السوق الحرة

تلجأ الانظمة الاقتصادية إلى تطبيق النظام الاقتصادي الذي يحقق لها اهدافها الاقتصادية ولهذا وجدت في العالم انظمة اقتصادية مختلفة منها نظام اقتصاد السوق والاقتصاد الاشتراكي والاقتصاد المختلط الذي يمزج بين اقتصاد السوق واقتصاد الدولة في ان واحد، وهو نظام مطبق في بلدان رأسمالية متقدمة وفي بلدان نامية. ويتلخص تدخل الدولة في الاقتصاد المختلط في تحديد بعض الأسعار، والمساهمة في الإنتاج، وتوفير بعض خدمات الرعاية الاجتماعية.

وقد ظهر في الفترة الاخيرة ما يعرف بنظام اشتراكية السوق الذي يدمج بين التخطيط المركزي وهيمنة الدولة على الموارد الاستراتيجية وآليات السوق الرأسمالية. وتعد الصين نموذجا عمليا يمثل اشتراكية السوق. فالشركات الكبيرة المنتجة لا تزال في ملكية الدولة، ويمتلك الأفراد بما في ذلك الأجانب شركاتهم الخاصة، وينشط القطاع الخاص إلى جانب القطاع العام.

فنموذج اشتراكية السوق يمثل ازدواجية الملكية اذ تحتفظ الدولة الصينية بالملكية العامة للأرض وقطاعات البنية التحتية والطاقة والصناعات الثقيلة مع الاحتفاظ على التوجه السياسي والاقتصادي للدولة، وإلى جانب ذلك تدعم وجود قطاع خاص مزدهر يساهم في تعزيز الاقتصاد الصيني.

وهناك نموذج اخر من اقتصاد السوق هو اقتصاد السوق الاجتماعي، وهو نظام اقتصادي رأسمالي يتبنى اقتصاد السوق لكنه يرفض الشكل الرأسمالي المطلق، كما يرفض أيضا الاشتراكية الماركسية، ويقوم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والشركات الخاصة مع ضوابط حكومية هامشية لتحقيق منافسة حرة، وضمان حرية السوق وتخفيف عواقب السوق الحرة، مثل البطالة والتضخم ويهدف هذا النموذج إلى تحقيق توازن بين الرخاء الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية وهو نموذج مطبق في دول اوربية عديدة مثل ألمانيا والنمسا والبلدان الاسكندنافية.

وتشكل الملكية الخاصة الاساس الذي يقوم عليه اقتصاد السوق الرأسمالي، فالأفراد والشركات التي تملك الموارد الانتاجية هي التي تتحكم في الانتاج والاستهلاك والاسعار، وتتخذ القرارات الاقتصادية، اما قوى العرض والطلب فهي المحرك الاساسي لتحديد الأسعار من خلال تفاعل المنتجين والمستهلكين في السوق. وتشجع المنافسة الحرة الشركات على تحسين منتجاتها وخدماتها من اجل زيادة الأرباح، وكسب المزيد من الزبائن.

فالهدف النهائي لاقتصاد السوق الرأسمالي جني الارباح الخيالية. والربح المادي في اعتقاد مؤيدي اقتصاد السوق هو أكثر الحوافز فعالية وقدرة على حث الإنسان على العمل والإنتاج والمخاطرة والاستثمار.

الآثار السلبية لاقتصاد السوق

من أبرز عيوب اقتصاد السوق الحر عدم المساواة الاقتصادية وتفاوت الدخل والثروة بين الطبقات، وتركيز الثروة في أيدي قلة قليلة من النخبة المالية مما يخلق فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، وتعاني الغالبية المطلقة من المجتمع من الفقر والبطالة وارتفاع الاسعار، وظهور افراد وشركات احتكارية تسيطر على الأسواق، وتفرض أسعار جشعة، تؤدي إلى تداعيات مدمرة على المستهلكين. وغالباً ما تتعرض اقتصادات السوق لانهيارات اقتصادية مثل الركود والتضخم والكساد وتتسبب في زيادة البطالة وتدهور مستويات المعيشة. وتتجاهل الشركات الرأسمالية اللاهثة وراء الارباح الفاحشة الاثار السلبية لتلوث البيئة، وتشير التقارير الدولية في ظل المنافسة الشديدة وتضخم جيوش البطالة، يتعرض العمال إلى استغلال الشركات، مثل تمديد وقت العمل او تخفيض الأجور للحصول على أعلى الارباح. وقد لا تستطيع السوق الحرة توفير كافة السلع ولا تستطيع تقديم خدمات التعليم والصحة العامة والنقل، لأن الهدف النهائي للشركات هو الارباح الخيالية وليس المنفعة الاجتماعية.

 ورغم أن المنافسة هي أساس النظام إلا أنها كثيراً ما تؤدي إلى إقصاء الشركات الصغيرة وابتلاعها من قِبل الشركات الاحتكارية، وينتج عن ذلك تحكم الشركات الاحتكارية في الأسعار. ومن الآثار المدمرة لاقتصاد السوق الرأسمالي المضاربة في الأسواق المالية، مما يجعل النظام الاقتصادي عرضة لتقلبات حادة وأزمات دورية مثل الركود والتضخم التي تؤثر سلباً على الاستقرار المالي.