كنتُ من أوائل الداعين إلى تشكيل تحالف شعبي واسع تحت مسمى "الجبهة الشعبية"، وما زلتُ، وأظنني سأبقى، مقتنعا تماما بضرورة قيام هكذا تحالف شعبي لكنه حقيقي وراسخ في بلادنا لأنني أرى فيه توظيفا تاريخيا حاسما لحقوق ومطالب الشعب العراقي بفئاته المسحوقة قبل كل شيء والشرائح المتطلعة نحو حياة حرة كريمة والعيش في وطن حر مستقل يتمتع بكامل سيادته على أرضه وموارده وسياساته ومواقفه ويقف على قدم المساواة مع شعوب وبلدان العالم الأخرى.

والجبهة الشعبية في الحقيقة ليست اجتراحا جديدا إنما هي فكرة بنيت على أساس تجارب تاريخية تحققت في بلدان أخرى في ظروف كانت شبيهة في كثير من جوانبها لظروف بلادنا في المرحلة الحالية التي نحياها.

وقبل تفصيل القول بشأن الجبهة الشعبية العراقية (في الحلقات القادمة) التي ندعو إلى قيامها في بلادنا العراق أرى من المفيد الاطلاع بتمعن على تجارب بعض البلدان التي تأسست فيها هكذا جبهات (فرنسا – إسبانيا – تشيلي – بولندا وغيرها).

ولنأخذ اليوم التجربة الفرنسية كي نستفيد من خبرتها في التأسيس وكذلك في أسباب الانهيار التي كانت قد اندست في أسسها الأولية منذ لحظة التأسيس كما سنرى:

وفي الحقيقة يعدّ تشكيل الجبهة الشعبية في فرنسا عام 1936 علامة كبيرة في ما سميت تاريخيا بالجمهورية الثالثة، إذ انبثقت من رحمها وكما يرى كثير من المهتمين فإن الجبهة الشعبية قامت يومذاك للدفاع عن هذه الجمهورية وإجراء إصلاحات ذات صلة مباشرة بها.

جاءت الجبهة الشعبية التي تكونت من قوى اليسار الفرنسي الأساسية المتمثلة "بالشيوعيين والاشتراكيين وما يمكن تسميتهم بالراديكاليين" رغم تنوع علاقاتهم بقوى الإنتاج آنذاك. ولدت هذه الجبهة في ظروف صعبة للغاية إذ كانت فرنسا تعاني مما كانت كل بلدان أوربا تعاني منها مثل: أزمة كساد الاقتصاد العالمي تزامنا مع صعود سريع وانتشار واسع لقوى اليمين الفاشي والمتطرف في مختلف ساحات أوروبا بما في ذلك فرنسا.

ويمكن حصر بعض العوامل الأساسية التي تفاعلت وتسببت في انبثاق الجبهة الشعبية الفرنسية فيما يلي:

1- القلق الواقعي من صعود اليمين الفاشي المتطرف والذي كان مؤشره الأكثر بروزا أحداث السادس من شباط عام 1934 والتي تسببت في أسوأ أزمة سياسية مرت بها الجمهورية الثالثة إلى الحد الذي يعتبرها مؤرخون محاولة انقلابية صريحة من قبل اليمين المتطرف المتمثل برابطة العمل الفرنسي ومجموعة الصلبان النارية التي قد تكون أقرب التجمعات الفرنسية إلى فاشية هتلر في المانيا ثم اتحاد دافعي الضرائب وجماعات عنصرية أخرى. هذه المجاميع قامت يومذاك بتنظيم مظاهرات ضخمة اشتبكت مع الشرطة وهي تحاول عبور الجسور الموصلة إلى البرلمان، فاضطرت الشرطة إلى استخدام الرصاص الحي وبقيت الاشتباكات مستمرة لساعات. ومع بروز ملامح انقلاب فاشي يميني وشيك بادرت الأحزاب اليسارية إلى تجاوز أو تأجيل خلافاتهم الحزبية والتفاهم حول توحيد المواقف فيما بينها.

2- كانت فرنسا يومذاك كما هو الحال في بلدان أوربا الأخرى تعاني من مشاكل اقتصادية جدية تمثل في اتساع البطالة وانتشار تأثيرها وارتفاع الأسعار لاسيما أسعار المواد الاستهلاكية اليومية، مما انعكس سلبا على القدرة الشرائية للعمال والفقراء عموما وحتى الطبقة الوسطى.

3- كانت الأممية الشيوعية (الكومنترن) قد غادرت تصوراتها المتحفظة إزاء التعاون مع القوى الاشتراكية واليسارية الأخرى فأجرت تغييرات كبيرة في سياساتها ومواقفها من هذه الأحزاب غير الشيوعية وشجعت قيام تحالفات بين الشيوعيين وغيرهم لمواجهة مخاطر الفقر وصعود اليمين في أوروبا.

من هنا كله قامت الجبهة الشعبية بتبني برنامج متنوع يهدف إلى معالجات جذرية لكل المشاكل المشار إليها وفي ضوء هذا البرنامج تحددت مهام الجبهة بثلاثة أهداف جوهرية: (الخبز، السلام، الحرية).

وعلى الصعيد السياسي أخذت الجبهة على عاتقها العمل من أجل الدفاع عن الجمهورية ومؤسساتها الديمقراطية ضد تطلعات الفاشية ومخاطرها وطالبت الجبهة بحل التجمعات المسلحة اليمينية المتطرفة (الشبيهة بالميليشيات)، وفي المقابل توسيع حرية العمل النقابي والنشاطات السياسية. واستوعب برنامجها أيضا الحفاظ على السلام في أوربا في مقابل صعود النازية في المانيا والفاشية في إيطاليا. ومن الناحية الاقتصادي ترجمت الجبهة شعار "الخبز" بالعمل على تقليص الفوارق الطبقية وتحسين ظروف العمال المعيشية ووضع حد لأزمة البطالة التي راحت تتفاقم باستمرار وأطلقت برامج تحفيزية للاقتصاد وعملت على الحد من هيمنة ما سميت بـ "المائتي عائلة" التي كانت مهيمنة على القطاع المصرفي (بنك فرنسا) وقامت بإعادة تنظيم القطاعات الصناعية. 

وعندما فازت الجبهة في انتخابات ماي عام 1936 واستطاعت ان تحقق الإنجازات التالية والتي أغلبها ينسجم مع اسمها "الجبهة الشعبية" فمثلا:

- أقرت زيادة في الأجور للعمال تتراوح بين 5-15في المائة.

- وأعلنت الاعتراف بحرية التنظيم والعمل النقابي.

-  وخفضت ساعات العمل الأسبوعية إلى 40 ساعة مع إبقاء الأجور على حالها.

- وأقرت العطلة السنوية كحق ثابت للعمال مدفوعة الأجور. ورفعت سن التعليم الإلزامي إلى 14 عاما.

- لكن من الإنجازات الوطنية الكبرى والخطيرة قيامها بتأميم كثير من الصناعات الحساسة مثل صناعة الأسلحة والطيران ووضع يد الدولة على بنك فرنسا المركزي ليكون تحت سيطرة الحكومة مباشرة.

ولقد أسست الجبهة الشعبية في فرنسا لدولة صاحبة سيادة وسلطة وأحدثت تغييرات عميقة في علاقات العمل وانجزت مكتسبات اجتماعية شكلت وما تزال تشكل صفحة خالدة في تراث الطبقة العاملة الفرنسية رغم أنها سقطت بعد أكثر من عامين بقليل (1938) ولأسباب داخلية وخارجية كثيرة سنتوقف عندها في الجزء الثاني من هذا المقال.