اخر الاخبار

في التقديم السريع لموضوعة الجبهة الشعبية في إسبانيا، لا بد من الإشارة إلى أن ظهور سياسة التحالفات اليسارية تحت مسمى "الجبهة الشعبية" لم يكن وليد ظرف محلي فحسب، وإنما جاء استجابة لتحولات أوروبية عميقة شهدتها ثلاثينيات القرن العشرين.

فقد كان العامل الأول يتمثل في الصعود المتسارع للحركات الفاشية في أوروبا، ولاسيما بعد وصول النازية إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، وهو ما كشف عن خطورة استمرار انقسام القوى الديمقراطية واليسارية، وأبرز الحاجة إلى توحيد جهودها للدفاع عن النظام الجمهوري ومواجهة التهديد الفاشي المتنامي.

أما العامل الثاني، فتمثل في التحول الجوهري الذي شهدته سياسة الأممية الشيوعية (الكومنترن) خلال مؤتمرها السابع المنعقد في موسكو عام 1935 بقيادة غيورغي ديميتروف، إذ تخلت عن سياسة المواجهة الحادة مع الأحزاب الاشتراكية التي كانت قد وسمتها في مرحلة سابقة بـ"الفاشية الاجتماعية"، ودعت بدلاً من ذلك إلى إقامة تحالفات واسعة بين الشيوعيين والاشتراكيين والجمهوريين وسائر القوى الديمقراطية لمواجهة الخطر الفاشي. وقد تجسد هذا التوجه في تجارب عدة، كان أبرزها الجبهة الشعبية في فرنسا التي ضمت الاشتراكيين والشيوعيين والحزب الراديكالي الجمهوري، قبل أن تجد صداها في إسبانيا.

ومع أن هذه السياسة كانت ثمرة للتطورات الأوروبية، فإن الحالة الإسبانية اكتسبت خصوصيتها بسبب الظروف الداخلية التي عاشتها البلاد، ومنها الأزمة الاقتصادية، والانقسام الاجتماعي الحاد، وآثار القمع الذي أعقب انتفاضة أستورياس عام 1934، فضلاً عن تصاعد الاستقطاب بين اليمين واليسار، الأمر الذي جعل فكرة التحالف بين القوى الجمهورية واليسارية أكثر إلحاحاً.

وفي هذا السياق تأسست الجبهة الشعبية الإسبانية في كانون الثاني/يناير 1936، وضمت الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، والحزب الشيوعي الإسباني، وحزب اليسار الجمهوري، والاتحاد الجمهوري، إلى جانب قوى جمهورية ويسارية أخرى، بينما قدمت بعض الأحزاب والنقابات العمالية دعماً انتخابياً للجبهة دون أن تكون جزءاً رسمياً من اتفاقها السياسي.

وخاضت الجبهة انتخابات شباط/فبراير 1936، فحققت أغلبية برلمانية مكنتها من تشكيل الحكومة، رغم أن الفارق في نسبة الأصوات لم يكن كبيراً، وذلك بسبب طبيعة النظام الانتخابي آنذاك.

وتضمن برنامج الحكومة الجديدة جملة من الإصلاحات، كان من أبرزها:

· استئناف الإصلاح الزراعي وإعادة توزيع جانب من الأراضي على الفلاحين.

· إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين سُجنوا على خلفية أحداث أستورياس عام 1934.

· استعادة الإصلاحات الجمهورية التي كانت قد جُمّدت بعد انتخابات عام 1933.

· مواصلة سياسة الفصل بين الدين والدولة، وإجراء إصلاحات تربوية وتعليمية ذات طابع مدني وعلماني.

· إعادة العمل بنظام الحكم الذاتي في كتالونيا، واستكمال إجراءات منح إقليم الباسك حكماً ذاتياً في إطار الدولة الإسبانية.

غير أن هذه الإصلاحات أثارت معارضة شديدة من قطاعات واسعة من اليمين المحافظ، والملكيين، وكبار ملاك الأراضي، وقيادات الكنيسة الكاثوليكية، إضافة إلى عدد من كبار الضباط في الجيش الذين رأوا فيها تهديداً للبنية التقليدية للدولة والمجتمع.

وفي السابع عشر من تموز/يوليو 1936 بدأ عدد من الجنرالات، يتقدمهم الجنرال فرانسيسكو فرانكو، انقلاباً عسكرياً ضد الحكومة الجمهورية المنتخبة، إلا أن الانقلاب لم ينجح في السيطرة على البلاد بسرعة، فتحول إلى حرب أهلية دامية استمرت حتى عام 1939.

وقد دافعت الحكومة الجمهورية والجبهة الشعبية عن شرعيتها بدعم قطاعات واسعة من الشعب الإسباني، وبمساندة الألوية الدولية التي تطوع أفرادها من مختلف بلدان العالم، كما تلقت قدراً من الدعم السوفيتي. في المقابل، حظيت قوات فرانكو بدعم عسكري مباشر من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، في حين التزمت بريطانيا وفرنسا بسياسة عدم التدخل، وهو ما أخل بصورة كبيرة بتوازن القوى بين الطرفين.

ومع ذلك، فإن العوامل الخارجية وحدها لا تكفي لتفسير هزيمة الجبهة الشعبية، إذ عانت هي الأخرى من خلافات سياسية وتنظيمية عميقة بين الاشتراكيين والشيوعيين والفوضويين وبعض التنظيمات الماركسية الأخرى، وانعكست هذه الانقسامات في صدامات داخلية أضعفت المعسكر الجمهوري خلال الحرب.

وبانتصار قوات فرانكو عام 1939 سقطت الجمهورية الإسبانية الثانية، وأقام فرانكو نظاماً عسكرياً استبدادياً استمر حتى وفاته عام 1975، لتغدو تجربة الجبهة الشعبية الإسبانية واحدة من أبرز التجارب الأوروبية التي كشفت، في آن واحد، أهمية وحدة القوى الديمقراطية في مواجهة الفاشية، وحدود تلك الوحدة عندما تعصف بها الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية.