في عتمة الليل غادرت عائلات فلسطينية بيوتها في الجلدة بمدينة الخليل سيراً على الأقدام، يحمل أفرادها ما تيسّر من أغراضهم، فيما اقتحمت المنطقة عشرات الآليات والجرافات العسكرية. هذا ما أظهرته مقاطع فيديو نشرتها منصات فلسطينية. لم يكن هؤلاء مطلوبين لأحد. كانوا جيران بيتَي شابَّين نفّذا هجوماً على حاجز عسكري، فدفعوا ثمن عنوانٍ لم يختاروه.
عقاب جماعي بقرار سياسي
لم يخفِ الاحتلال طبيعة ما يفعل. أعلن نتنياهو أنه أمر بإجلاء سكان الحي الذي يقطنه المنفّذان وتطويق المدينة قبل حملة تفتيش من بيت إلى بيت. وقال وزير دفاعه يسرائيل كاتس إن "نموذج مخيم جنين" يصل إلى الخليل، أي نموذج التجريف والتهجير الذي خرّب المخيم. وأعلن الجيش حصاراً كاملاً على مدينة يزيد سكانها على 200 ألف.
وعلى الأرض، حدّد الجيش منافذ لخروج السكان بعد إخضاعهم للتفتيش والاستجواب، وأبلغ عائلات بوجوب ترك منازلها 10 أيام على الأقل. وهدمت الجرافات في فرش الهوى عمارة سكنية من ثلاث شقق، ومحال تجارية، ومصنع بلاط وسيراميك، ومحلاً لقطع غيار السيارات. وجرفت نحو سبعة دونمات. فما علاقة مصنع ومحلات بهجوم على حاجز؟ هذا ليس "تدميراً لبنى إرهابية". هو تدمير لأرزاق مدنيين.
يقول رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن التهجير يتركز في الجلدة وديربحة، وهما من أكثر مناطق المدينة اكتظاظاً، وإن مئات المواطنين خرجوا إلى أماكن مجهولة. وحذّرت الحكومة الفلسطينية من "عقاب جماعي وتهجير أحياء كاملة وهدم"، وفتحت البلدية مراكز إيواء لاستقبال النازحين. وبينما كان هذا يجري، سجّل نادي الأسير 70 حالة اعتقال خلال يوم، تصدّرت الخليل حملتها واستهدفت أسرى محررين وعائلاتهم.
الاتفاقيات الدولية لا تلتبس هنا. فاتفاقية جنيف الرابعة تحظر العقوبات الجماعية والنقل القسري للسكان تحت الاحتلال. وحقيقة أن سلطة الاحتلال تعلن عقابها علناً، وأن وزيرين فيها يطالبان بحملة في الضفة "مثل غزة ولبنان"، تجعل المسألة سياسة معلنة لا تجاوزاً فردياً.
الخليل حلقة في سلسلة
الأرقام تروي ما لا تخفيه البيانات الرسمية. وثّقت أوكسفام استشهاد 1,244 فلسطينياً في الضفة بين 2023 و2025، بينهم 268 طفلاً، أي أكثر مما قُتل في السنوات الـ17 السابقة مجتمعة (1,036). ونزح نحو 46 ألفاً في ثلاث سنوات، وتحاصر الفلسطينيين 925 عقبة حركة. وسجّلت الأمم المتحدة في 2025 أعلى حصيلة نزوح بسبب الهدم منذ بدء التوثيق عام 2009، بأكثر من 1,700 شخص. وفي كانون الثاني 2026 هجّر عنف المستوطنين نحو 700 فلسطيني، وبينهم تجمّع رعوي كامل (130 عائلة في رأس عين العوجا). وتحصي الأمم المتحدة نحو ست هجمات استيطانية يومياً.
وليست الخليل بعيدة عن هذا المسار. ففي كانون الثاني الماضي اجتاحها الجيش بعملية "واسعة النطاق" ودروع مجنزرة لم تُرَ فيها منذ "السور الواقي". وسبقتها خطوات لتجريد البلدية من إدارة الحرم الإبراهيمي ونقلها إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية.
الأرض هي الهدف
كل هذا الضغط له غاية: الأرض. ففي شباط 2026 أقرّ المجلس الوزاري الإسرائيلي بدء تسجيل الأراضي في الضفة لأول مرة منذ 1967، وحذّرت منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية من أنه قد يؤدي إلى نزع ملكية الفلسطينيين من نصف الضفة تقريباً. وبحسب موقع +972، شملت الإجراءات كشف سجلات الأراضي وإلغاء القانون الأردني الذي يحظر بيع الأراضي لإسرائيليين وأجانب. وفي آب نُشرت مناقصة E1 التي تقطع أوصال الضفة وتفصل القدس عنها.
أي أن البلدوزر في الجلدة والقلم في وزارة العدل يعملان في الاتجاه نفسه: تفريغ الأرض من أهلها ثم تسجيلها باسم "الدولة". ويقول مدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون إن إسرائيل تنفذ ثلاثة مشاريع في الضفة: الضم، وتقويض السلطة ومؤسساتها، والحسم الديموغرافي الذي يستهدف نحو ثلاثة ملايين فلسطيني. وجاء في قول نتنياهو إن "مفاجأة كبيرة" تنتظر السلطة الفلسطينية ما يبدو تأكيداً لذلك.
عالم يتفرج
يتفرج العالم، أو يشجّع. فالإدارة الأمريكية تقول إنها ضد الضم، لكنها لم تسعَ إلى كبح البناء الاستيطاني. وفي إسرائيل أشاد قادة من المعارضة، بينهم أيزنكوت وبينيت وغولان، برد الجيش على هجوم الخليل، فلا وزن لوعد التغيير الذي تسوّقه. ويحدث هذا كله بعد رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2024 اعتبر الاحتلال غير قانوني. والنتيجة بيّنة: لا قرارات دولية بلا أدوات تنفيذ، ولا حماية لشعب تحت الاحتلال.
ما الذي يطالب به الفلسطينيون
تدعو الحكومة الفلسطينية إلى تدخل دولي عاجل. والحد الأدنى المطلوب هو وقف العملية فوراً ورفع الحصار عن الخليل وعودة النازحين إلى بيوتهم وتوفير حماية دولية للمدنيين وفتح ممرات للإغاثة والإسعاف، بالإضافة الى محاسبة المسؤولين عن العقاب الجماعي والهدم والتهجير، وترجمة قرارات القانون الدولي إلى عقوبات وإجراءات ملموسة.